ذكريات الأقارب والأنصار تهيمن على جنازة مؤسس {الجماعة الإسلامية}

«الشرق الأوسط» في مسقط رأس «الشيخ الضرير» في بلدة الجمالية بدلتا مصر

أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
TT

ذكريات الأقارب والأنصار تهيمن على جنازة مؤسس {الجماعة الإسلامية}

أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)

هيمنت ذكريات الأقارب والأنصار على جنازة الشيخ عمر عبد الرحمن الذي توفي في محبسه في الولايات المتحدة، حيث كان يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بتهمة التآمر في قضية تفجيرات نيويورك سنة 1993. ومنذ ذلك الوقت لم يرجع إلى مصر، وغاب تماما عن التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك ظهور تنظيم «القاعدة» وأخيرا تنظيم داعش. وتقول ابنة أخيه، فوقية، والدموع في عينيها: «رحم الله عمي... فقد جئت للحياة دون أن أراه. عرفته من الحكايات التي يرويها عنه أهل البلدة».
ويوصف عبد الرحمن بأنه الزعيم الروحي لـ«الجماعة الإسلامية» التي مارست العنف ضد الدولة المصرية لسنوات وراح ضحية ذلك مئات من رجال الشرطة والمدنيين والسياح الأجانب. وجرى اعتقاله في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1981. وعرف باسم «الشيخ الضرير» بسبب فقده للبصر في طفولته.
ويقول نجله عمار البالغ من العمر 29 عاما: «منذ 24 عاما، أي منذ دخوله السجن في الولايات المتحدة، كان محظورا عليه التحدث مع أولاده. كانت تعليمات الجانب الأميركي أن تكون والدتي فقط هي من تتلقى المكالمة. كانوا يتصلون أولا للتأكد من أنها موجودة بجوار الهاتف».
وفي مضيفة، على بعد شارع من مركز شرطة الجمالية، احتشد عدد كبير من عناصر الجماعة الإسلامية وتيارات دينية أخرى وعلى رأسهم الشيخ حافظ سلامة الملقب بـ«شيخ المجاهدين». ولم تكن هناك قيادات كبيرة من الجماعات الدينية المعروفة. وبلغ عدد الحضور إجمالا نحو ألفي مشيع غالبيتهم من أبناء الجمالية، وهي بلدة زراعية صغيرة تابعة لمحافظة الدقهلية وتقع شمال القاهرة بنحو 130 كيلومترا.
ووسط إجراءات أمنية مشددة، رافق عدد من أقارب وأنصار «الشيخ الضرير» جثمانه من مطار القاهرة، عقب وصوله من نيويورك على متن طائرة مصر للطيران، واتجهوا إلى بلدته.
وكان مقررا الصلاة على جثمان عبد الرحمن، مع صلاة العصر، إلا أن تأخر وصوله من القاهرة إلى الجمالية، عبر الطريق الإقليمي، وليس طريق الإسكندرية الزراعي، جعل الصلاة تتأجل إلى وقت المغرب، وذلك في المسجد الكبير الذي يقع في بلدته، ويبعد عن مركز الشرطة عدة مئات من الأمتار. وحرصت عناصر الأمن على الابتعاد عن كل من موقع المضيفة والمسجد. وتركز وجودها أمام مركز الشرطة، تحت قيادة مدير أمن الدقهلية ومدير المباحث.
ولأسباب تتعلق بمنع حدوث أي مشاكل مع السلطات الأمنية، وفقا لمصادر من أسرة الشيخ الضرير، تم التنبيه على من قدموا العزاء في منطقة المقابر التي دفن فيها، بالانصراف منعا للازدحام في مجلس العزاء أمام دار العائلة في الجمالية. كما قررت الأسرة تلقي العزاء ممن لم يتمكن من الحضور إلى الجمالية، أمام منزل العائلة في منطقة العمرانية، أو في أي مقر من مقرات الجماعة الإسلامية، وذلك «تخفيفًا على المسافرين».
وتوفي عبد الرحمن في سجن سبورتينغ بولاية كولورادو الأميركية يوم السبت الماضي. ويقول التقرير الطبي إن سبب الوفاة طبيعي، جراء إصابته بهبوط حاد بالدورة الدموية والقلب. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي خلافات المصريين حول الرجل الذي كان ملء السمع والبصر في أوساط التيارات الدينية فيما مضى.
وبينما حمله البعض مسؤولية العنف الذي شهدته مصر في تلك الفترة، وأنه كان منظرا للعمل المسلح ضد الدولة، دعا آخرون إلى طلب الرحمة للميت بغض النظر عما كان يقوم به في حياته.
كما جرت محاولات من جانب بعض المتعاطفين مع «الشيخ الضرير» للفصل بينه وبين التيارات التي كانت تحمل السلاح ضد معارضيها، بالقول إنه {جرى تحريف الكثير من فتاواه لصالحها}.
ويقول عمار، إن والده كان يشكو، في وحدته في السجن، من السكري ومن الكثير من الأمراض، مشيرا، في مقابلة سابقة معه، إلى إنه حاول كثيرا تسلمه من الولايات المتحدة، خاصة أثناء إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلا أن هذه المحاولات لم تكتمل.
وقبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة في مطلع تسعينات القرن الماضي، كان الشيخ عمر عبد الرحمن يلقي خطبا دينية رأت الحكومة المصرية أنها تدعو إلى العنف. وأقام خلال تلك الفترة ما بين محافظتي الفيوم وأسيوط. وبالأمس توجه لحضور الجنازة بعض من أبناء هاتين المحافظتين أيضا، خصوصا من الفيوم التي كان يلقي في «مسجد الشهداء»، فيها، الكثير من الخطب وتعرض خلالها للمطاردات الأمنية.
ويقول أحد أفراد أسرته وهو يسير وسط المشيعين: الشيخ أوصى بدفنه هنا بجانب والدته ووالده وشقيقه أحمد. وتقول فوقية: «رحم الله عمي، فأنا أعتز به وأدعو الله أن يرحمه، فقد كان طيب القلب مما سمعته عنه... جئت للحياة ولم أره، ولكن عرفته من خلال حب الناس له ومن خلال الحكايات التي تروى عنه».
ويضيف ابن شقيقه، شمس، الذي يمتلك مكتبة في البلدة: {عندما جرى اتهامه في قضية اغتيال الرئيس السادات، ظهرت براءته، وقام هو بالدفاع عن نفسه، ومكث فترة في بلدة الجمالية، وكان يقوم بإعطاء الدروس الدينية في المساجد، وتحفيظ القرآن الكريم... وبعد أن حكم عليه بالمؤبد في الولايات المتحدة، كان ينتظر الموت في كل وقت، وكان، منذ البداية، يعلم أن نهايته في الغربة}.
ومن جانبه يكشف عمار عن أن والده كان يحب «مسجد الشهداء» بالفيوم حبا كبيرا، وشعر بحزن عميق حين تم منعه من ارتياده. وكان «مسجد الشهداء» يبعد عن منزل الأسرة في الفيوم نحو 15 دقيقة مشيا على الأقدام... «كان مسجدا صغيرا يقع تحت منزل ومع ذلك كانت له علاقة قوية به ولم يتحمل فراقه». ويضيف أنه طوال فترة حبسه في الولايات المتحدة كان كل اتصال هاتفي يأتي منه وهو في السجن، تسبقه رسالة مسجلة تقول إنه «لا يُسمح بالحديث مع الشيخ إلا لزوجته عائشة حسن محمد سعد، ولا يسمح لأحد غيرها، وإذا تكلم أحد غيرها سوف يتم قطع المكالمة».
ومن بين من حرصوا على حضور صلاة الجنازة على جثمان عمر عبد الرحمن، مساء أمس، عناصر من التيار السلفي ومن جماعة أنصار السنة المحمدية، ومن جماعة الإخوان المسلمين المصنفة في مصر كـ«منظمة إرهابية».
وخلال عام 2013 حاولت الجماعة الإسلامية وتيارات دينية أخرى، منها جماعة الإخوان، الضغط على الولايات المتحدة من أجل الإفراج عن عمر عبد الرحمن. وأقيمت عدة خيام واعتصامات أمام مقر السفارة الأميركية في القاهرة لهذا الغرض.
وولد الشيخ عبد الرحمن في الجمالية عام 1938، وفقد بصره بعد عدة أشهر من ولادته، وحصل على الثانوية الأزهرية عام 1960. ثم التحق بكلية أصول الدين بالقاهرة، ودرس فيها حتى تخرج عام 1965، وجرى تعيينه في وزارة الأوقاف، وحصل على شهادة الماجستير، وعمل معيدًا بالكلية وحصل أيضا على الدكتوراه، وعمل في جامعة أسيوط، إلى أن تم اعتقاله في قضية اغتيال السادات.
ويقول الشيخ نبيل عبد الرحمن، المقاتل السابق في أفغانستان الذي كان يلقب بـ«أبو مسعود المصري»: «كنت مسجونا مع الدكتور عمر عبد الرحمن، وآخرين، في قضية اغتيال السادات رقم 217 أمن دولة عليا... كنا 67 عنصرا، وحصلنا على البراءة إلا أنه تم اعتقالنا مرة أخرى في بداية عهد الرئيس حسني مبارك. وانتقلنا من سجن استقبال طرة إلى سجن أبو زعبل السياسي، في عام 1984. وبعد حوار بيننا اتفقنا على قتال العدو البعيد قبل العدو القريب. وبهذا بدأنا السفر لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان».
ويتذكر أبو مسعود قائلا إن «الشيخ عمر عبد الرحمن حضر في ذلك الوقت إلى أفغانستان، وكنا في عملية لدك معسكر روسي بالمدفعية الثقيلة، وأصر هو على الخروج معنا، وكان ارتفاع الجبل الذي صعدناه قرابة كيلومتر، واستغرق المشوار ثلاثة أيام، حتى وصلنا قمته بالخيول والحمير والبغال وعلى الأقدام. وهنا طلب الشيخ الضرير أن يشارك في رمي المعسكر بالمدفعية... واحترنا ماذا نفعل، لكن قمنا بضبط الأبعاد والمسافات على موقع داخل معسكر الروس، وقام هو بعملية إطلاق القذيفة، وهو يصيح: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)».
ومن جانبه يقول السيد محمد، أحد جيران الشيخ عمر عبد الرحمن، في الجمالية: «كنت أصطحبه إلى قرية (ميت شرف)، المجاورة، حيث توجد هناك دار لتحفيظ القرآن... الجميع يحترمه ويقدره». ويضيف جمال قضا، وهو معلم وأحد جيران الشيخ الضرير في البلدة، إنه «كان يقيم بجوارنا في شارع الترعة... حفظ القرآن من صغره وهو كفيف، وتعلم في الأزهر، وعُين بجامعة أسيوط، ثم سافر إلى السودان، والولايات المتحدة، واعتقل هناك».



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended