هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

لهما من الغنى والحمولة التأويلية ما يصعّب الإحاطة بهما

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون
TT

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

صدرت قبل نحو سنة ونصف، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة لكتاب مثير في عنوانه وموضوعه، هو كتاب «هايدغر والفكر العربي»، (190 صفحة)، لمؤلفه مشير باسيل عون، أستاذ تاريخ الفلسفة الألمانية وفلسفة الدين والهيرمينوطيقا، في الجامعة اللبنانية ببيروت.
في هذا العمل الصادر باللغة الفرنسية، بعنوان: «Heidegger et la pensée arabe»، وهو من ترجمة إيلي أنيس أبو نجم، يحاول مشير عون أن يأخذنا إلى نوع من التأمل العميق والحوار المتعدد الأبعاد بين فكرين؛ هما: الفكر العربي، والفكر الهايدغري. وهذه عملية صعبة ودقيقة بشهادة عون نفسه، نظرا إلى أنه ليس من السهل مقاربة فكرين لهما من الغنى والحمولة التأويلية، ما يجعل من الصعب الإحاطة بهما إحاطة تامة.
* ما الذي يمكن للفكر الهايدغري أن يقدمه للفكر العربي؟
الغاية الكبرى من هذا العمل في نظر مشير عون، هي ما قد يتيحه الفكر الهايدغري للفكر العربي، في مجال التفكر في الكون، نظرا لحمولته الإشكالية الكبرى، ما سيساعده كي يقف على إمكاناته المحتملة وتصويبها، ومواجهة حقيقته وخصوصيته. وبالتالي، فهايدغر سيمكن الفكر العربي من بلوغ الاختبار الخاص بالثقافة العربية في عمق مسعاها التاريخي الخصوصي، انطلاقا من حيوية نقدية استثنائية يتسم بها هذا الفكر، ما قد يساعد على تخليص الذات العربية من انحرافاتها، عن طريق مساءلتها في ضوء الكون. لكن هذا لا يعني تقبل هذا الفكر كما هو، بقدر ما أن هذا الانفتاح يتوجب أن يكون على شكل مساءلة له ووعي بتوتراته الداخلية، بخاصة أن مارتن هايدغر، لم يثره أي اهتمام بالفكر العربي، وكذلك بالنسبة للفكر العربي، فما اقتبسه من أعمال هذا الفيلسوف كان جزئيا متقطعا، على العكس من بعض التيارات الفلسفية، التي كانت العناية بها أوضح وأبلغ أثرا، كالاشتراكية والوجودية والشخصانية، من دون نسيان ما تميز به الفكران معا من تعقيد بسبب حمولتهما التأويلية الكبيرة، بحيث يغدو عسيرا أكثر فأكثر، أن نحيط بحدودهما المتبدلة واستخراج جوهرهما بأمانة.
* في المقارنة الشكلية والبنيوية بين الفكرين
يتميز الفكر العربي بكونه في العمق فكرا لاهوتيا يطبع المجتمع العربي في مختلف أبعاده الروحية والزمانية والمجتمعية، محكوما بهاجس الأصالة والمعاصرة، من دون أن يورط نفسه في محاولة تفكيكية عميقة. أما الفكر الهايدغري، فهو في الأساس، فكر أنطولوجي يحركه السعي إلى كشف حقيقة الكون، ويتمحور حول علاقة الاختلاف والمواجهة التي تربط بين الكون والكائن، بموجب الإقبال الخاص بالوجود الأصلي غير الميتافيزيقي، وهو الوجود الذي يمتنع هايدغر عن تسميته. وإذا كان هايدغر يأبى الانخراط في خانة العقلانية، لأن رهان الأنطولوجيا الأساسي يستبعد استبعادا بينًا التوسط المشبوه للتحقق العقلاني، فالفكر العربي ينتسب انتسابا لا يمكن إنكاره، إلى نظرية عامة في المعرفة، ويطمح إلى إرساء حكمة أخلاقية قادرة على ترشيد الفعل البشري، بما فيه الفعل العقلاني الذي ينبذه هايدغر، نظرا لتحوله إلى أداة لحجب الكون. إذا كان الفكران معا يستعدان للنهوض بتحول عميق إلى حالة جديدة تتسم بالإصلاح والتفتح، فالاهتمامات المشتركة بين الفكرين في الحقيقة قليلة التطابق.
يرى مشير عون، أن كلا من الفكر العربي والفكر الهايدغري يشتركان في نظرتهما للغرب، فقد شكل الغرب بالنسبة لهما معا، نقطة جذب ومصدر ريبة وحذر. وفي الوقت الذي يقف فيه الفكر العربي في اتجاهه التقليدي عدوانيا تجاه هذا الفكر، وفي اتجاهه الحداثي اصطفائيا انتقائيا في قبوله له، فإن هايدغر يحاول من خلال دراسته للغرب، العمل على استيلاد حقيقته الخاصة، وهي الحقيقة التي ولدها التيهان الميتافيزيقي، وفاقمت خطورتها الذاتية العائدة إلى العقلانية الاحتسابية والتسلطية. هذه الحقيقة لا تتحقق إلا من خلال العودة إلى الأصول، حيث فجر التفتح الأول للكون، وهي اللحظة القبل سقراطية، حيث الاختبار التأسيسي لكل تأمل فلسفي. أداة ذلك هرمينوطيقا تأسيسية، تؤول الفكر من خلال الوقوف على اللسان ودلالاته. فقد آثر الفكر الهايدغري موضوع اللسان ودوره في إرساء هوية الإنسان والأمة. وهو في ذلك، يقارب الفكر العربي الذي تماهى هو الآخر باللسان العربي. آخر نقطة يشترك فيها الفكران معا هي نظرتهما للأمة. فقد اعتبر هايدغر الأمة بمثابة الوطن الذي يولد فيه الكائن البشري ويتفتح كل تفكر فلسفي يتناول هويته. وهو في ذلك، يشبه الفكر العربي الذي ينظر إلى الأمة على أساس أنها مستقر، أي مشروع عربي وجوهر معنى الوجود التاريخي والإسهام الحضاري.
* الإسهام الهايدغري الممكن
يحاول مارتن هايدغر التأسيس لأنثروبولوجيا جديدة تخلص الأنثروبولوجيا الغربية من أناها التفكرية، وتسلط ذاتيتها وهيجان عقلانيتها، بغية العودة إلى الوطن الأم العائد إلى حقيقة الكون التي نتناولها بالتفكر، واعتبار الإنسان راعي الكون في لغزيته ككائن وجودي وزماني وتاريخي. هكذا، فإذا كان الفكر العربي يبحث عن هوية مميزة له، فهو مدعو، كما يرى مشير عون، بطريقة فريدة، إلى إعادة دمج المفاهيم الأساسية العائدة إلى العالم والزمان والتاريخ في تصوره للإنسان. تنشأ الإضافة الثانية التي يدعى الفكر العربي الحالي إلى القيام بها، في سياق المقاربة الهايدغرية للمدينة البشرية، حيث دعا إلى الانتقال من سياسة الهيمنة إلى التوفيق. فقد رفض هايدغر المؤسسات الدستورية الحديثة، كما رفض كذلك، اعتبار السياسة مجرد إدارة قطاعات، وإنما هي في المقابل، الاضطلاع بإقبال حقيقة الكائنات في الوجود التاريخي للشعب. وبالتالي، فإذا كانت للسياسة مكانة مهمة في الوعي العربي، فإن لها مصلحة في احتضان الاستجواب الهايدغري ليصير حافزا نقديا على التجديد، حيث يسلك دروب التأسيس الأنطولوجي، عن طريق التجذير للفعل السياسي، انطلاقا من المدينة الإغريقية، حيث تعيش الجماعة البشرية اختبارها الخاص بالكون. وبالتالي، لا يجب على الفكر العربي إخضاع الكائنات إخضاعا تاما للشأن السياسي أو التقني، أو ممارسة أي شكل من أشكال الإقصاء المنتظم للجماعة التي يتكون منها شعب من الشعوب، وإنما إرجاع هذا البعد الأنطولوجي إلى الفكر السياسي العربي، وهو البعد المغيب، حيث يغدو الشعب صانع قدره ومالك ما يدعى إليه. وهذا يعني أن ما هو سياسي عند هايدغر يحوي طاقة تصحيحية وعلاجا قادرا على مقاومة الانحرافات الناجمة عن الاستبداد السياسي الذي ينتشر في العالم العربي.
* الأنثروبولوجيا الهايدغرية
ليس القصد من المواجهة إلغاء أحد الطرفين، وإنما مساعدة القارئ على أن يستخرج بنفسه سمات التباعد، دون هيمنة أي طرف على الآخر، حيث يكون بإمكان الفكرين الإفادة كليهما من الآخر.
اجتهد هايدغر لصوغ مقاربة راديكالية لمعنى الكون، مقاربة تلغي الميتافيزيقا التي عملت، تاريخيا، على نسيان الكون وحجبته إلى الأماكن الخلفية، ما انعكس على الإنسان الذي تناسى بنسيان الكون كينونته. وبالتالي، فمشروع هايدغر هو إرجاع الكون إلى الحضور كما كان مع الإغريق قديما. فأصبح تاريخ الأنثروبولوجيا الغربية بالنسبة لهايدغر، هو تاريخ نسيان الكون. وبالتالي، فإن غرض هذه الأنثروبولوجيا، هو تخليص الإنسان من هذا النسيان، وإعادة الكائن إلى عمق الوجود. وذلك لن يتأتي إلا من خلال نقد النزعة الإنسانية التي أصبحت عبارة عن ذاتية، نصبت العقل سلطانا وحجبت باللغة، العلاقة الفعلية بالكون، وسقطت في الشرك الذي قضى بتحويل الإحساسات إلى موضوعات، واستولت على مجمل الواقع. فماهية الإنسان عليها أن تستعيد نفسها، وتبلغ خلاصها في دنو من الكون، وعليه يبلغ الموجود الإنساني هذا الخلاص بالتحرر من انهدام الانتماء إلى الوطن الذي يدوم فيه ضلاله. غير أن قدر الإنسان يقوم عليه اكتشاف حقيقة الكون، وعلى سلوك الدرب الذي أفضى إلى هذا الاكتشاف، على اعتبار أنه الراعي الحقيقي له. في مقابل هذا التصور، نجد الإنسان العربي مكسوا بالتصور القرآني له، ككائن يتفرع كيانه من مشيئة متعالية، من دون أن يتوفر على قوام مستقل بذاته. وهو التصور ينتسب إلى التراث الديني التوحيدي الخاص بالإسلام. والحال أن النقد الهايدغري يستهدف الأساس النهائي لهذا التراث. وبالتالي، فالأنثروبولوجيا العربية تدرك أن هذا النقد يطالها، ما ينتج عن ذلك أن الأعمال الهايدغرية، إمكانات تستدعي الفكر الميتافيزيقي العربي بصورة غير مباشرة.
* القصد الأخير
عملية كهذه ومشروع ضخم بهذه الحساسية والأهمية، سيبقى بالتأكيد، مفتوحا على المستقبل، مستقبل يستطيع فيه الفكر العربي الانفتاح على الفكر الهايدغري والإفادة منه، على الرغم من غرابة منهجه، حيث يعمل من خلاله على إعادة معاينة ذاته ووضعه، وفي الوقت نفسه، هو امتحان للفكر الهايدغري في ضوء فكر آخر مغاير له. فالتلاقي بين الفكرين، سيرسم الطريق نحو تلاق بين حضارتين ورؤيتين وتصورين للإنسان، ويساهم في إعادة تشكيل الفكرين معا كل في ضوء الآخر.



اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».


رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.