هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

لهما من الغنى والحمولة التأويلية ما يصعّب الإحاطة بهما

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون
TT

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

هايدغر والفكر العربي في مؤلف لمشير عون

صدرت قبل نحو سنة ونصف، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة لكتاب مثير في عنوانه وموضوعه، هو كتاب «هايدغر والفكر العربي»، (190 صفحة)، لمؤلفه مشير باسيل عون، أستاذ تاريخ الفلسفة الألمانية وفلسفة الدين والهيرمينوطيقا، في الجامعة اللبنانية ببيروت.
في هذا العمل الصادر باللغة الفرنسية، بعنوان: «Heidegger et la pensée arabe»، وهو من ترجمة إيلي أنيس أبو نجم، يحاول مشير عون أن يأخذنا إلى نوع من التأمل العميق والحوار المتعدد الأبعاد بين فكرين؛ هما: الفكر العربي، والفكر الهايدغري. وهذه عملية صعبة ودقيقة بشهادة عون نفسه، نظرا إلى أنه ليس من السهل مقاربة فكرين لهما من الغنى والحمولة التأويلية، ما يجعل من الصعب الإحاطة بهما إحاطة تامة.
* ما الذي يمكن للفكر الهايدغري أن يقدمه للفكر العربي؟
الغاية الكبرى من هذا العمل في نظر مشير عون، هي ما قد يتيحه الفكر الهايدغري للفكر العربي، في مجال التفكر في الكون، نظرا لحمولته الإشكالية الكبرى، ما سيساعده كي يقف على إمكاناته المحتملة وتصويبها، ومواجهة حقيقته وخصوصيته. وبالتالي، فهايدغر سيمكن الفكر العربي من بلوغ الاختبار الخاص بالثقافة العربية في عمق مسعاها التاريخي الخصوصي، انطلاقا من حيوية نقدية استثنائية يتسم بها هذا الفكر، ما قد يساعد على تخليص الذات العربية من انحرافاتها، عن طريق مساءلتها في ضوء الكون. لكن هذا لا يعني تقبل هذا الفكر كما هو، بقدر ما أن هذا الانفتاح يتوجب أن يكون على شكل مساءلة له ووعي بتوتراته الداخلية، بخاصة أن مارتن هايدغر، لم يثره أي اهتمام بالفكر العربي، وكذلك بالنسبة للفكر العربي، فما اقتبسه من أعمال هذا الفيلسوف كان جزئيا متقطعا، على العكس من بعض التيارات الفلسفية، التي كانت العناية بها أوضح وأبلغ أثرا، كالاشتراكية والوجودية والشخصانية، من دون نسيان ما تميز به الفكران معا من تعقيد بسبب حمولتهما التأويلية الكبيرة، بحيث يغدو عسيرا أكثر فأكثر، أن نحيط بحدودهما المتبدلة واستخراج جوهرهما بأمانة.
* في المقارنة الشكلية والبنيوية بين الفكرين
يتميز الفكر العربي بكونه في العمق فكرا لاهوتيا يطبع المجتمع العربي في مختلف أبعاده الروحية والزمانية والمجتمعية، محكوما بهاجس الأصالة والمعاصرة، من دون أن يورط نفسه في محاولة تفكيكية عميقة. أما الفكر الهايدغري، فهو في الأساس، فكر أنطولوجي يحركه السعي إلى كشف حقيقة الكون، ويتمحور حول علاقة الاختلاف والمواجهة التي تربط بين الكون والكائن، بموجب الإقبال الخاص بالوجود الأصلي غير الميتافيزيقي، وهو الوجود الذي يمتنع هايدغر عن تسميته. وإذا كان هايدغر يأبى الانخراط في خانة العقلانية، لأن رهان الأنطولوجيا الأساسي يستبعد استبعادا بينًا التوسط المشبوه للتحقق العقلاني، فالفكر العربي ينتسب انتسابا لا يمكن إنكاره، إلى نظرية عامة في المعرفة، ويطمح إلى إرساء حكمة أخلاقية قادرة على ترشيد الفعل البشري، بما فيه الفعل العقلاني الذي ينبذه هايدغر، نظرا لتحوله إلى أداة لحجب الكون. إذا كان الفكران معا يستعدان للنهوض بتحول عميق إلى حالة جديدة تتسم بالإصلاح والتفتح، فالاهتمامات المشتركة بين الفكرين في الحقيقة قليلة التطابق.
يرى مشير عون، أن كلا من الفكر العربي والفكر الهايدغري يشتركان في نظرتهما للغرب، فقد شكل الغرب بالنسبة لهما معا، نقطة جذب ومصدر ريبة وحذر. وفي الوقت الذي يقف فيه الفكر العربي في اتجاهه التقليدي عدوانيا تجاه هذا الفكر، وفي اتجاهه الحداثي اصطفائيا انتقائيا في قبوله له، فإن هايدغر يحاول من خلال دراسته للغرب، العمل على استيلاد حقيقته الخاصة، وهي الحقيقة التي ولدها التيهان الميتافيزيقي، وفاقمت خطورتها الذاتية العائدة إلى العقلانية الاحتسابية والتسلطية. هذه الحقيقة لا تتحقق إلا من خلال العودة إلى الأصول، حيث فجر التفتح الأول للكون، وهي اللحظة القبل سقراطية، حيث الاختبار التأسيسي لكل تأمل فلسفي. أداة ذلك هرمينوطيقا تأسيسية، تؤول الفكر من خلال الوقوف على اللسان ودلالاته. فقد آثر الفكر الهايدغري موضوع اللسان ودوره في إرساء هوية الإنسان والأمة. وهو في ذلك، يقارب الفكر العربي الذي تماهى هو الآخر باللسان العربي. آخر نقطة يشترك فيها الفكران معا هي نظرتهما للأمة. فقد اعتبر هايدغر الأمة بمثابة الوطن الذي يولد فيه الكائن البشري ويتفتح كل تفكر فلسفي يتناول هويته. وهو في ذلك، يشبه الفكر العربي الذي ينظر إلى الأمة على أساس أنها مستقر، أي مشروع عربي وجوهر معنى الوجود التاريخي والإسهام الحضاري.
* الإسهام الهايدغري الممكن
يحاول مارتن هايدغر التأسيس لأنثروبولوجيا جديدة تخلص الأنثروبولوجيا الغربية من أناها التفكرية، وتسلط ذاتيتها وهيجان عقلانيتها، بغية العودة إلى الوطن الأم العائد إلى حقيقة الكون التي نتناولها بالتفكر، واعتبار الإنسان راعي الكون في لغزيته ككائن وجودي وزماني وتاريخي. هكذا، فإذا كان الفكر العربي يبحث عن هوية مميزة له، فهو مدعو، كما يرى مشير عون، بطريقة فريدة، إلى إعادة دمج المفاهيم الأساسية العائدة إلى العالم والزمان والتاريخ في تصوره للإنسان. تنشأ الإضافة الثانية التي يدعى الفكر العربي الحالي إلى القيام بها، في سياق المقاربة الهايدغرية للمدينة البشرية، حيث دعا إلى الانتقال من سياسة الهيمنة إلى التوفيق. فقد رفض هايدغر المؤسسات الدستورية الحديثة، كما رفض كذلك، اعتبار السياسة مجرد إدارة قطاعات، وإنما هي في المقابل، الاضطلاع بإقبال حقيقة الكائنات في الوجود التاريخي للشعب. وبالتالي، فإذا كانت للسياسة مكانة مهمة في الوعي العربي، فإن لها مصلحة في احتضان الاستجواب الهايدغري ليصير حافزا نقديا على التجديد، حيث يسلك دروب التأسيس الأنطولوجي، عن طريق التجذير للفعل السياسي، انطلاقا من المدينة الإغريقية، حيث تعيش الجماعة البشرية اختبارها الخاص بالكون. وبالتالي، لا يجب على الفكر العربي إخضاع الكائنات إخضاعا تاما للشأن السياسي أو التقني، أو ممارسة أي شكل من أشكال الإقصاء المنتظم للجماعة التي يتكون منها شعب من الشعوب، وإنما إرجاع هذا البعد الأنطولوجي إلى الفكر السياسي العربي، وهو البعد المغيب، حيث يغدو الشعب صانع قدره ومالك ما يدعى إليه. وهذا يعني أن ما هو سياسي عند هايدغر يحوي طاقة تصحيحية وعلاجا قادرا على مقاومة الانحرافات الناجمة عن الاستبداد السياسي الذي ينتشر في العالم العربي.
* الأنثروبولوجيا الهايدغرية
ليس القصد من المواجهة إلغاء أحد الطرفين، وإنما مساعدة القارئ على أن يستخرج بنفسه سمات التباعد، دون هيمنة أي طرف على الآخر، حيث يكون بإمكان الفكرين الإفادة كليهما من الآخر.
اجتهد هايدغر لصوغ مقاربة راديكالية لمعنى الكون، مقاربة تلغي الميتافيزيقا التي عملت، تاريخيا، على نسيان الكون وحجبته إلى الأماكن الخلفية، ما انعكس على الإنسان الذي تناسى بنسيان الكون كينونته. وبالتالي، فمشروع هايدغر هو إرجاع الكون إلى الحضور كما كان مع الإغريق قديما. فأصبح تاريخ الأنثروبولوجيا الغربية بالنسبة لهايدغر، هو تاريخ نسيان الكون. وبالتالي، فإن غرض هذه الأنثروبولوجيا، هو تخليص الإنسان من هذا النسيان، وإعادة الكائن إلى عمق الوجود. وذلك لن يتأتي إلا من خلال نقد النزعة الإنسانية التي أصبحت عبارة عن ذاتية، نصبت العقل سلطانا وحجبت باللغة، العلاقة الفعلية بالكون، وسقطت في الشرك الذي قضى بتحويل الإحساسات إلى موضوعات، واستولت على مجمل الواقع. فماهية الإنسان عليها أن تستعيد نفسها، وتبلغ خلاصها في دنو من الكون، وعليه يبلغ الموجود الإنساني هذا الخلاص بالتحرر من انهدام الانتماء إلى الوطن الذي يدوم فيه ضلاله. غير أن قدر الإنسان يقوم عليه اكتشاف حقيقة الكون، وعلى سلوك الدرب الذي أفضى إلى هذا الاكتشاف، على اعتبار أنه الراعي الحقيقي له. في مقابل هذا التصور، نجد الإنسان العربي مكسوا بالتصور القرآني له، ككائن يتفرع كيانه من مشيئة متعالية، من دون أن يتوفر على قوام مستقل بذاته. وهو التصور ينتسب إلى التراث الديني التوحيدي الخاص بالإسلام. والحال أن النقد الهايدغري يستهدف الأساس النهائي لهذا التراث. وبالتالي، فالأنثروبولوجيا العربية تدرك أن هذا النقد يطالها، ما ينتج عن ذلك أن الأعمال الهايدغرية، إمكانات تستدعي الفكر الميتافيزيقي العربي بصورة غير مباشرة.
* القصد الأخير
عملية كهذه ومشروع ضخم بهذه الحساسية والأهمية، سيبقى بالتأكيد، مفتوحا على المستقبل، مستقبل يستطيع فيه الفكر العربي الانفتاح على الفكر الهايدغري والإفادة منه، على الرغم من غرابة منهجه، حيث يعمل من خلاله على إعادة معاينة ذاته ووضعه، وفي الوقت نفسه، هو امتحان للفكر الهايدغري في ضوء فكر آخر مغاير له. فالتلاقي بين الفكرين، سيرسم الطريق نحو تلاق بين حضارتين ورؤيتين وتصورين للإنسان، ويساهم في إعادة تشكيل الفكرين معا كل في ضوء الآخر.



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية