«مربد العراق»... حضور واسع للشعراء وهامش ضيق للشعر

مساحة من الألفة في أروقته كسرت رتابة النظم العمودي على منابره

من فعاليات المهرجان
من فعاليات المهرجان
TT

«مربد العراق»... حضور واسع للشعراء وهامش ضيق للشعر

من فعاليات المهرجان
من فعاليات المهرجان

تحت شعار «الشعر العربي حاضر البصرة وماضيها»، وبحضور جمهرة غفيرة من الشعراء العراقيين، بينهم 25 شاعرا من الدول العربية وشعراء أجانب من الهند وإنجلترا وإيران، أطلق مهرجان المربد بمدينة البصرة بالعراق فعاليات دورته الثالثة عشرة، على مدار أربعة أيام في الفترة من 1 إلى 4 فبراير (شباط) الحالي.
حملت هذه الدورة اسم الشاعر العراقي الراحل مهدي محمد علي، وخصص المهرجان جلسة نقدية لإلقاء الضوء على منجزه الشعري وملامحه الفنية والجمالية، وكان الشاعر ارتحل عن مدينته البصرة قسرا عام 1978، في رحلة شاقة عبر الصحراء حتى وصل إلى الكويت؛ هربا من بطش النظام الحاكم وملاحقته القوى التقدمية، ثم غادر الكويت إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
ولد الشاعر مهدي محمد علي عام 1945، وتلقى مراحل تعليمه الأولى في مدارس البصرة، وأكمل دراسته في كلية الآداب جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1968، وعمل بمهنة التدريس في مدارس الحلة والبصرة، ونشر أول قصائده عام 1961. وبعد رحلة الهرب ظل يتنقل بين المنافي، إلى أن مات في مدينة حلب بسوريا بعد معاناة قاسية مع المرض في عام 2011، تاركا عددا من الدواوين الشعرية، معظمها صدر عن دور نشر سورية، كما عمل بالصحافة، وكتب عددا من المقالات والدراسات الأدبية المهمة، وله كتاب نثري خصصه لمدينته الأولى بعنوان «البصرة.. جنة البستان». وفي بادرة هي الأولى التي تصدر له بالعراق قام صديقه الشاعر عبد الكريم كاصد، الذي رافقه في رحلة الهرب، باختيار مختارات من شعره صدرت في كتاب وزعت منه نسخ في المهرجان. يصف الشاعر المحتفى به رحلة الهرب تلك في إحدى قصائده قائلا:
«في أول هذا العام
غادرت الوطن بزي بدويّ
وعبرت صحاراه على ظهر بعير
في قافلة من رحل ورياح
ونياق وأدلاء
ورجال تبحث عن رزق ما بعد الصحراء
سبعة أيام بلياليها
لم نعرف غير ذلول ليل
وسماء ورمال
وصحارى تصفر فيها الريح
في آخر هذا العام حلمت:
أني أرحل نحو الوطن المغلوب
بقطار تحت الأرض
يمرّ بأحياء تحت الأرض ومحطات
تكتظ بأعداء وعيون جواسيس
... ...
لكني...
قابلت أخي في زاوية الشارع
عجلاً، أتلفت
ودعت أخي وأفقتُ
تذكرتُ
بأني لم أرَ أمي في الحلم».
شهد المهرجان طيلة أيام انعقاده باقة من الأمسيات الشعرية الصباحية والمسائية، وسوى أمسية أقيمت في بيت الشاعر الرائد بدر شاكر السياب، وأخرى أقيمت بأحد المراكز التجارية بالبصرة احتضن باقي الأمسيات بأحد فنادق البصرة، مقر إقامة المهرجان، والشعراء والكتاب الضيوف. وبالتوازي مع الأمسيات انعقدت أربع جلسات نقدية مصاحبة.
اكتظت الأمسيات بالعشرات من الشعراء، وحظيت بحضور مكثف من الجمهور، وكان لافتا سطوة الشعر العمودي، في سمته التقليدي الذي يكرس للنظم، ودغدغة حواس المتلقي، وعلو نبرة الحنجرة، ما أربك الكثير من شعراء قصيدة التفعيلة والنثر، الذين تجاوز معظمهم سطوة هذه المرحلة، وأصبحت من تداعيات بواكيرهم وطفولتهم الشعرية، فأحسوا أن انفتاح المهرجان على شتى أشكال الكتابة الشعرية تحول إلى تكريس للفوضى باسم الشعر. وبخاصة أن ما قدم في إطار الشكل العمودي يفتقر إلى أبسط سمات هذه القصيدة التي شكلت متن الشعرية العربية على مدار أربعة عشر قرنا، بل إن هذا الشكل لم يستطع، في أغلبه الأعم، أن يلتحم بنسيج هذا التراث في ماضيه القريب، على يد الشعراء العراقيين من أمثال: محمد مهدي الجواهري، ومعروف الرصافي، وجميل الزهاوي، وغيرهم من الشعراء العرب من أمثال أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وأبو القاسم الشابي. ناهيك عن الشعراء الذين فجّروا ثورة الشعر العربي الحديث، وفي طليعتهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
زاد الأمر إرباكا، أن لغة النظم تكاد تكون منفصلة عما يحدث في الواقع العراقي الراهن من حرب على الإرهاب، واقتحام مفردات الحرب وتداعياتها المعقدة الحياة العراقية سياسيا واجتماعيا وثقافيا ونفسيا، حتى أصبحت بمثابة الخبز اليومي في الكثير من المناطق. اكتفت هذه القصائد بالبكاء على الشهداء أحيانا، وتصوير استشهادهم وكأنه ملطمة ليس فيها إلا العويل والكثير، بينما تراجعت فكرة المرثية الشعرية بإيقاعها الإنساني النبيل والفني الراقي.
واتسمت بعض القصائد بنزعة أحادية حادة بالنظر إلى الماضي انعكست على رؤيتها لواقع الإنسان نفسه، وكينونته التي تعتد بالتميز والاختلاف، وجدل الثابت والمتغير، في إطار البحث عن وحدة المشترك وإعلاء قيم العدل والحرية.
رغم هذا استطاع المهرجان أن يخلق جوا من الألفة والحميمية، تناثرت في سهرات وتجمعات الشعراء والكتاب، في شكل هامش مرن وحي، لتبادل الأفكار والآراء والإصدارات الجديدة، والإنصات إلى الشعر، بعيدا عن صخب وضجيج القاعات الرسمية، والتعصب لشكل شعري بعينه أصبح مكانه فوق رف التراث.
وكانت الجلسات النقدية الأوفر حظا من الهدوء، وتناولت في أربعة محاور: المناهج النقدية الشعرية وتحولاتها، والشعر العراقي وتجلياته الحداثية، وجهود شجاع العاني في النقد العراقي، وإسهامات الشاعر مهدي محمد علي وملامح شعره. شارك في الجلسات كوكبة من النقاد والباحثتين المتخصصين، استطاعوا أن يردموا الفجوة بين الشاعر والنقد، باعتبار أن كليهما يشكل ضرورة للآخر، وشددوا على أهمية أن تقوم العلاقة بينهما على الاحترام والموضوعية، وتتأصل بشكل علمي سليم، وأهمية الإفادة من معطيات التكنولوجيا الحديثة، وبخاصة الانتقال من النص الورقي المطبوع إلى النص الإلكتروني؛ مما يستوجب إعادة النظر في علاقة الاتصال بين الشاعر المبدع والمتلقي من ناحية، وبينه وبين الناقد من ناحية أخرى.
ثمنت الجلسة المخصصة للاحتفاء بالناقد الدكتور شجاع العاني منجزه النقدي، وبصيرته الكاشفة في قراءة المشهد الشعري والروائي العراقي بأسس منهجية ومعرفية مرهفة الحواس. ففي حوار نشر معه في صحيفة «المربد» المصاحبة للمهرجان يقول في معرض سؤال عن الفرق بين العملية النقدية الأكاديمية ومثيلتها الأدبية: «المفروض ألا يكون هناك فرق، لكن الواقع لدينا ليس كذلك، فالناقد خارج النطاق الأكاديمي أقرب ما يكون إلى الأديب نفسه، بمعنى الشبه بينهما، بينما الأكاديمية تتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والانضباط المنهجي، على أن يكون الخيال الذي يتمتع به الناقد الحر ضروريا للعمل النقدي، وألا يتحول إلى عمل مدرسي جاف. أفضل النقد ما ينطوي على المنهجية والموضوعية، ولكن في الوقت نفسه يتجرأ على المنهج عندما يجده عاجزا عن أن يلم بدقائق العمل الفني».
أيضا صاحب المهرجان معرض للفوتوغرافيا والفن التشكيلي العراقي، مطعما ببعض القطع النحتية الصغيرة، من الحديد والخشب. اتسم المعرض بطابع الهواة مما أكسبه طزاجة المغامرة، والبحث عن صيغ فنية، بعيدا عن القوالب الفنية الشائعة، كما برزت الحياة العراقية في اللوحات، بشخوصها وعاداتها وبيوتها القديمة، ومهنها وحرفها، سواء في البر أو البحر؛ وهو ما ميز المعرض وأعطاه نكهة خاصة.
عن «المربد» يقول الدكتور سلمان كاصد، رئيس اللجنة التحضيرية للمهرجان، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب بالبصرة: لقد حرصنا على أن يكون بالمهرجان أنشطة وفعاليات متنوعة بمشاركة شعراء ونقاد ومثقفين عرب وأجانب وعراقيين، كما تنعقد دورة هذه العام في غمرة أفراح شعبنا بانتصارات قواته المسلحة الباسلة التي تمضي قدما في تحرير الموصل، آخر معاقل عصابة «داعش» المجرمة في بلدنا؛ ما يعزز الآمال باستعادة اللحمة الوطنية العراقية ويؤسس أجواء السلام والاستقرار، وفي الوقت نفسه، يجعلنا نطمح في «مربد» متميز دائما.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.