البيت الأبيض يواجه عاصفة سياسية على خلفية اتصالات روسيا

معلومات جديدة تؤكد تواصل مقربين للرئيس مع موسكو

الرئيس الأميركي يشارك في نقاش مع مسؤولين في قطاع التجزئة في البيت الأبيض أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي يشارك في نقاش مع مسؤولين في قطاع التجزئة في البيت الأبيض أمس (رويترز)
TT

البيت الأبيض يواجه عاصفة سياسية على خلفية اتصالات روسيا

الرئيس الأميركي يشارك في نقاش مع مسؤولين في قطاع التجزئة في البيت الأبيض أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي يشارك في نقاش مع مسؤولين في قطاع التجزئة في البيت الأبيض أمس (رويترز)

شهدت واشنطن بلبلة واسعة، أمس، بعد الكشف عن معلومات جديدة بشأن إجراء مقربين من الرئيس الأميركي اتصالات متكررة مع الاستخبارات الروسية العام الماضي وخلال الحملة الانتخابية؛ ما يضاعف الضغوط السياسية على دونالد ترمب.
وسارع الرئيس الأميركي إلى مهاجمة أجهزة الاستخبارات، وقال في تغريدة عبر «تويتر» إن «الفضيحة الحقيقية هي توزيع الاستخبارات معلومات سرية خلافا للقانون كأنها حلويات. هذا غير أميركي على الإطلاق!». كما اتهم في تغريدة أخرى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ووكالة الأمن القومي (إن إس آيه) التي تقوم بأنشطة تنصت، بأنهما مصدران محتملان لمعلومات «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست».
في غضون ذلك، نقلت وكالة «رويترز» وموقع «فورين بوليسي» أن الإدارة الأميركية عرضت منصب مستشار البيت الأبيض للأمن القومي على نائب الأميرال روبرت هاروارد. ووفقا لمصادر، فلم يتضح على الفور إن كان هاروارد، وهو نائب سابق لقائد القوات المركزية الأميركية ويتمتع بخبرة قتالية في البحرية الأميركية قبل العرض. ولم يدل متحدث باسم البيت الأبيض بتعقيب فوري.
وكشفت الصحيفة النيويوركية، نقلا عن أربعة مسؤولين أميركيين، حيازة أجهزة الاستخبارات تقارير وبيانات تنصت هاتفية لمحادثات بين أعضاء في فريق حملة المرشح الجمهوري، لم يعرّفوا باستثناء واحد هو مدير الحملة السابق لترمب بول مانافورت، ومسؤولين كبار في الاستخبارات الروسية. وفيما لم يكشف مضمون المحادثات للجمهور، أكدت مصادر الصحيفة أنها لا تكشف عن وجود تعاون بين الجهتين. ونفى مانافورت «الحديث إلى عناصر استخبارات»، مضيفا أن الجواسيس لا يضعون شارات تعريف. من جهته، ندّد الكرملين بمحاولة «تسميم» الأجواء. وبدأ تحقيق مكتب «إف بي آي» بعد اختراق حسابات الحزب الديمقراطي في 2015 و2016 الذي نسبته واشنطن إلى روسيا، وتبين من التحقيق أن أشخاصا في محيط ترمب كانوا يجرون محادثات منتظمة مع شخصيات مقربة من الكرملين. كما كشف التنصت على محادثات السفير الروسي في واشنطن، سيرغي كيسلياك، عن أن مستشار ترمب للأمن القومي مايكل فلين تطرّق معه إلى مسألة العقوبات الأميركية. ولمح فلين للسفير بأن العقوبات التي أقرّتها إدارة باراك أوباما السابقة في 29 ديسمبر (كانون الأول) قد تعلق عند وصول ترمب إلى البيت الأبيض، إلا أن فلين نفى هذه المعلومات في مرحلة أولى قبل أن يضطر إلى الاستقالة مساء الاثنين. وفي ظل هذه الأجواء السياسية المشحونة، التي أعادت حادثة «ووترغيت» إلى الذاكرة، غرّد الرئيس الأميركي في ساعات صباح أول من أمس، متهمًا وكالات الاستخبارات بالخيانة والتصرف مثل روسيا في تسريب المعلومات لوسائل الإعلام. وقال إنه «يجب على وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي عدم الخوض في القضايا السياسية، إن الأمر جاد ويبدو أن هذا الاتصال الروسي غير المنطقي هو محاولة لتغطية أخطاء حملة هيلاري كلينتون الخاسرة». كما تساءل ترمب عما إذا كان يعتبر تعاطي إدارة الرئيس أوباما مع روسيا عند ضمها جزيرة القرم «تساهلا» مع موسكو.
وفيما حاول البيت الأبيض التهوين من «فضيحة فلين»، لم ينجح في تهدئة النواب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الذين واصلوا مطالبهم بفتح تحقيق واسع بشأن علاقات فريق ترمب بموسكو.
بهذا الصدد، أطلق تشاك شومر، زعيم حزب الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، على «تويتر» مطالبات باستجواب مايكل فلين، مستشار الرئيس للأمن القومي المستقيل؛ وذلك لإظهار الحقائق للشعب الأميركي ومعرفة من يقف خلف تلك الاتصالات مع روسيا.
وحدد شومر، أمس، ستة أسئلة يقترح طرحها على فلين أمام الكونغرس الأميركي أو القضاء، بعد أن يؤدي اليمين لقول الحقيقة. وجاءت أسئلة شومر على النحو التالي: هل كان الجنرال فلين يتمتع بالسلطة أو موجّها من قِبل أشخاص آخرين للتواصل مع موسكو؟ وعلى ماذا كان التواصل والحديث مع روسيا؟ ومن هم الأشخاص الآخرون الذين كانوا على علاقة أيضًا بروسيا من حملة ترمب الانتخابية أو إدارته الحالية؟ ومتى عرف الرئيس ترمب بهذه الأحداث إن لم يكن هو من وجهها؟ ولماذا لم يُقال الجنرال فلين من منصبه عند علم إدارة ترمب بهذه الاتصالات مع روسيا إلا عند ظهورها في الإعلام؟ وأخيرًا: لماذا تصرفت الإدارة متأخر جدًا؟
وعلى الرغم من التزام الحزب الجمهوري الصمت في هذه الحادثة، واصل البيت الأبيض مساعيه لاحتواء الأزمة التي تسبب بها مايكل فلين، حيث شدد البيت الأبيض على أن فلين لم يرتكب مخالفة قانونية خلال محادثته مع السفير الروسي لدى واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي (قبل تسلم ترمب مهامه الرئاسة رسميًا)، وشدد مسؤولون في البيت الأبيض على أن ترمب طالب باستقالة فلين بعد تدني درجة الثقة بينهما بسبب تضليل فلين لمسؤولين كبار في الإدارة حول حقيقة ما جرى في المكالمة، خصوصًا فيما يتعلق بتضليله مايك بنس، نائب الرئيس.
إلى ذلك، تواصلت تداعيات استقالة فلين بعد أن ترددت أنباء عن إمكانية تضليل فلين مكتب التحقيقات الفيدرالي عندما اجتمعوا به لمناقشة ما دار في المكالمة بأيام قليلة بعد تنصيب ترمب في العشرين من يناير (كانون الثاني) الماضي. وقال محامون إن «فلين قد يكون في ورطة قانونية في حال كانت تصريحاته لمكتب التحقيقات غير دقيقة، خصوصا أنه اعترف في خطاب استقالته بأنه أعطى معلومات غير كاملة (عن غير قصد) لنائب الرئيس مايك بينس». وأضاف خبراء قانونيون بأنه «من غير المرجح أن يحاكم فلين بتهمة انتهاك قانون لوغان (القانون الجنائي الصادر قبل 218 عام ويحظر فيه الأفراد من الشروع في المفاوضات مع الحكومات الأجنبية)؛ إذ إنه لم يسبق أن واجه أحد مثل هذه التهمة».
وقال نورم إيسن، محامي الأخلاق في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، إن «فلين أمام خطر ملاحقة قضائية إن كان قد ضلل المحققين كما ضلل نائب الرئيس بنس حول اتصالاته مع روسيا». من جانبه، قال المدعي العام الفيدرالي السابق بيتر زدبيرغ: إن «كان هناك أمر يمنع محاكمة أي شخص تحت قانون لوغان، فليس هناك ما يمنع من المضي قدما في المحاكمة تحت قانون 1001 (في إشارة إلى قانون جنائي يحظر الكذب مع العلم والتعمد في أي من الأمور الداخلية للسلطة التنفيذية والتشريعية أو القضائية في الولايات المتحدة الأميركية)». واستبعد بيتر أن يكون لدى فلين خلل في الذاكرة، حيث إن خلل الذاكرة قد يبرئ الشخص المتهم تحت هذا القانون. وقال: «كيف له أن ينسى أن يكون قد تحدث مع السفير الروسي حول العقوبات، الاتصال لم يمض عليه عام أو نصف عا،م إنه تم قبل فترة وجيزة، ومن الصعب أن ينسى ما دار بينهما بالضبط».
هذا، وأعادت استقالة مستشار الأمن القومي مايكل فلين الأضواء مجددا على مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، الذي ترأس فريق التحقيقات في إيميلات المرشحة السابقة للبيت الأبيض هيلاري كلينتون. وأشارت تقارير إخبارية إلى أن كومي سيترأس فريق التحقيقات في اتصال فلين بالسفير الروسي، ومدى تورط الأخير قانونيا بمناقشة العقوبات على روسيا.
ويترقب الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء نتائج تحقيقات المكتب الفيدرالي مع فلين، في الوقت الذي يواصل فيه النواب الديمقراطيون ضغطهم على المكتب، وطالبوا بمعرفة ماذا قال فلين للسفير الروسي سيرغي كيسلياك. وقال النائب جيرولد نادلر، عضو الحزب الديمقراطي في الكونغرس إن «القضية أكبر من الاستقالة بكثير، ونريد معرفة ما هي علاقة روسيا مع إدارة ترمب، وهل كان هناك تواطؤ منذ الحملة الانتخابية أم لا».
من جانبه، قال النائب الديمقراطي ديفين نونيس، رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس «أتوقع من مكتب التحقيقات الفيدرالي أن يقول لي ما يجري، فهم يملكون إجابة أفضل».
فيما لازمت تصريحات نواب الحزب الجمهوري نوعًا من التحفظ، حيث التزم عدد منهم بتأكيداتهم على أن فلين اتخذ القرار الصحيح بالاستقالة، ولم يخوضوا في قانونية ما دار في اتصاله بالروس. وهو ما أكده بول رايان، رئيس مجلس النواب خلال مؤتمره الصحافي أول من أمس، بأن «الرئيس ترمب اتخذ القرار الصحيح بطلب استقالة فلين بعد فقدان الثقة، وكان يجب على فلين أن يكون صادقًا وألا يضلل مسؤوليه».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».