«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

أنسي الحاج يدخل الكاتب في مغامرة تستمر 30 عامًا

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (2 - 3): أمين معلوف يدقق في القصاصات ومحمود درويش يريد قصيدته صفحة أولى

لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة
لقاء بدعوة من الصفحة الثقافية في «النهار» في قاعة الصفحة، الحمراء. والمشاركون هم: في الواجهة عصام محفوظ، فؤاد رفقة، جورج غانم، وإلى اليسار: عبد الله لحود، فؤاد كنعان، نزيه خاطر، أحمد مكي ومن اليسار: يوسف الخال، خليل رامز سركيس، شوقي أبي شقرا، علي شلق، جورج شحادة

تواصل «الشرق الأوسط» لليوم الثاني، نشر مقتطفات من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي سيصدر بعد أيام، حيث يتابع الكاتب كشف المستور عن العلاقات التي ساءت، ووصلت حد القطيعة بين بعض أقطاب مجلة «شعر»، ويحكي عن الصلات المتشنجة بين أدبائها المؤسسين، الذين كان هو أحدهم، ودور النساء الكاتبات، كما أنه يستذكر الأدباء العرب الذين مروا في بيروت، وفي حياته، إما مشاركين في «شعر» مثل البياتي والسياب، أو كتّابا في جريدة «النهار» كأمين معلوف، وزوار صفحتها الثقافية التي بنى مداميكها الأولى وبقي على رأسها أكثر من ثلاثة عقود.
مجلة «شعر» في بيروت كأنها تلك الشجرة الزرقاء، وكأنها الطاحونة تدور وتدور. وإلى مناخها أقبل شعراء كما الشاعر محمد الماغوط الذي أقبل من بلاده، وانضم إلى جريدة «الزمان» وأرسله يوسف الخال ودعواه الحرص عليه ليكتب بعض المقالات. وكنا نضحك وهو في زاوية من الطابق، حيث المحررون قاطبة شبه مختلف في مساحة ضيقة، وأنا إلى مكتبي ألتفت غالبًا إليه ورفيق المعلوف له طاولته، والأيام تتوالى على خفة ودعابة وظرف، ونحن في حرية نكتب ما نشاء من الثقافة إلى الأخبار المحلية. والصلة بالعالم الخارجي تزداد تنوعًا، وكان يأتيني زوار، ومنهم الشاعر موريس عواد، الذي كان يتابعنا ونقع في نفسه موقع الهوى والتجاوب. وامتزج الشعر والصحافة؛ فنحن شعراء ولنا مغامرات في الميدان الواسع ولنا نظرات إلى الأفق بعيدة وحيّة، ولا نتوقف عند حدّ معين. فلسنا طلاب المحدود والضيّق، ولا حملة رسالة ضعيفة، أو شهادة أو قضية. بل ننقل ما هو روح في مجالنا الشعري، إلى مجال الصحافة، وحملنا الرونق الفني أيضًا إليها، وكنا ممثلين للشعر والصحافة معًا، ونغرق في المهلة إلى آخر البئر والأعماق.
* أول قصيدة نثر
إنه الشاعر والناقد عبد القادر الجنابي. من سارع إلى أنني شوقي أبي شقرا الذي كتب قصائد أربعًا، ونشرت في جريدة «النهار»، وكانت من النثر، وكان صداها هكذا في خميس مجلة «شعر»، قبل الجميع. وهنا النص حولها كما في الجريدة، وأرجح أنه في سنة 1958:
قصيدة النثر مرة أخرى، في اجتماع خميس مجلة «شعر» الأسبوع الماضي طرحت مجددًا قضية قصيدة النثر على أثر أربع مقطوعات لشوقي أبي شقرا نشرت في «النهار» تحت عنوان «أربع قصائد». فسأل يوسف الخال ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة لماذا أطلق على المقطوعات اسم قصائد، على الرغم من أنها خالية– على حدّ اعتقادهم– من أهم عنصرين في قصيدة النثر، وهما الكثافة والتوتر. فكان الجواب عن هذا التساؤل في مقطوعات أبي شقرا المذكورة جمعت عناصر كثيرة من عناصر قصيدة النثر، بين المفاجأة والطرافة المستحدثة والخيال والصورة؛ ما يوفر جوًا شعريًا خاصًا قد يصعب على الكثيرين التجاوب وإياه، ولكن ليس معنى هذا أنه بالتالي جو «غير شعري».
وتشعّب الحديث ووصل إلى جذور قصيدة النثر وأربابها في فرنسا، ليعود فيبدأ بـ«قصائد» أبي شقرا، دون أن يتمكن المجتمعون من الخروج بنتيجة واحدة.
على أن الواضح على أي حال هو أن فئة من الذين لم تعجبهم تسمية المقطوعات المنشورة في «النهار»، قصائد، ذهبوا في عدم إعجابهم من مبدأ محض شخصي، وهو أن تلك القصائد لم توافق مزاجهم ولم تبعث فيهم شيئا يذكر. ما يعني أن نقدهم كان موجها إلى «مزاج» الشاعر أكثر منه إلى مبدأ تعبيره الشعري.
* هنا: يوسف الخال
... وكان يوسف الخال في ملء التأييد لما يصدر عني من رأي، ومن تمسك بالجمالية في النص، وبالنظافة الكاملة لئلا تقع القصيدة في فراغ الفراغ، وكيف لها أن تنهض ثانية وأن تمر من جيل إلى جيل من وضع الخواء إلى وضع السوية والطاعة للمطلق، وللقيم الشكلية حتى الخلود وحتى البقاء في مجدها وبهائها الوضاح. وكان يوسف يرد عني السهام أو الاحتجاج، ويهجم هجومًا على أحدنا على نذير العظمة، ويصرخ بأنها رعاية الشكل، وحذف الزائد والعقبات اللفظية والنقائض. وأنا كنت المتشبث بذلك وعمدت إلى التطبيق أمام الجمع ذات مرّة وأمام الشاعر نفسه، وكل من شاء أن يكون جليس قلمي، وأروح أهذب العبارات وأطرد التراب الخاسر لأصل إلى عروق الذهب، وإلى الخصائص المدفونة تحت القشور المختلفة. وكان يوسف أصدر قصائد في الأربعين وكتب له المقدمة أدونيس. وكنت طالما عقدنا جلسات يوسف وأنا حول قصائده في شبكة التفعيلة وفي حرية النثر. وطالما سكبت الرونق على السطور، وعلى إبعاد ما هو حامض أو معطّل أو مؤذ فيما ألّفه يوسف من أبيات ومن نصوص تعددت فيها الصور والمزايا.
وكان يصدّقني ويصغي هادئًا فاتحًا عينيه، ومتحدثًا إلى شوقي وكيف يبصر الخطل والأذى والعورة عينها، وكيف يفوت سواه ولا يرى ما أرى من علة ومن بعض الضباب. ويجب أن يأتي الناطور، أن يأتي الزارع ويهبّ كالعاصفة على النص، ويحدب عليه كاملاً وحنونًا مع العبارات والجملة الساطعة. وكانت تلك طريقتي في التعامل حتى امتلاك العصفور المنزوي في ذلك الخضم من العتمة، وحين يطول بنا الوقت ونتغدّى البيض المقلي من المطعم المجاور لمطبعة الخال، كنا نمضي معًا إلى منزل يوسف في أبو طالب ونجلس إلى مائدة الظهر ويكتمل لقاؤنا هكذا، وكأن الساعات لا حساب لها وكأن المغامرة الشعرية يجب أن تتكامل، وأن نصرف لها كل الدنانير كل الحيوية، وكان الطقس ذاك جميل القدّ ويأتي من حرير الهند، من حرير نفوسنا النقية من التلوثّ وإنما يهمّنا أن نكون وأن نصح وأن نجلس، وأن نكون مثلما هو الملك، ومثلما هي الحكاية بين شهريار وشهرزاد.
* البياتي نغمة عذبة
وهذا البياتي ومن يأخذ البياتي، إنه المسكن الزاهر وليس الطلل، وهذا آخر ومن يأخذ أنه غير إنشائي وأنه أصيل وأنه غير لفظي جدًا، وأضيف أن البياتي كان نغمة عذبة ذات مرة، ثم تناقص إلى ما بعد نقصان الهلال، إلى حيث يوضع موقتًا ريثما تتضح القيمة، وحتى يصمد الضوء إن كان الصمود مطروحًا.
* نازك الملائكة ضيفة لمرة واحدة
... ونازك الملائكة اسم رافقني منذ صباي، وأنا في المدرسة، وفيما بعد حين انطلقت إلى حقول الأمام، وحين تراميت ووضعت قامتي على ثلج الحرية، وعلى بساط الريح والفتون. وكنا معًا سهرنا ذات ليلة من تلك الأمسيات البعيدة في بيروت في بيت يوسف الخال. وكان الضحك وفعل الراحة والجدية الممزوجة بقليل من الرحابة والانفتاح. وكانت في السهرة فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. ثم افترقنا عند الساعة الليلية الطويلة الأنس، وما عدت إلى نازك الملائكة، ولا هي أيضًا عادت إلينا، وكادت الصلة أن تذوب في الأيام وفي طريق الشعر والانقلاب على الماضي. وأكاد أجهل من وماذا ولماذا؛ ولذلك أنا في سيرتي وفي مساري، ولم أصادف نازك، بل صادفت بدر شاكر السياب الشاعر العراقي الآخر، الذي من فرط قريحته واندفاعه الكلامي، كان يسبق الجميع ويسرق العفوية من أي إنسان وأي شاعر.
* بدر شاكر السياب و«جيكور»
خلال سهرة أدبية ثقافية، عندي في البيت، أخبرني صلاح ستيتية، وهو الشاعر والناقد والبحاثة والصحافي والإعلامي، في حضور ناشر فرنسي غاب عني اسمه، ناشر للشعر على الأخص، أخبرني ما جرى له مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب من ترجمة سابقة وترجمة لاحقة، فقال لي «ما الفرق بين أمس وحاضر من نص الشاعر الغريب والمكثار؟». قال إنه ترجم من قبل قصائد جيكورية من السياب، وإنه اعتزم أن ينشر ثانية هذه الترجمة في باريس، وإذ تطلع إلى ما بين يديه رأى أنه بدلاً من أن يضيف هنا كلمة ويصلح هنا كلمة، اختار الأقوى، أي أن يقوم بترجمة كاملة ثانية بدءًا من نظرة حادة ثانية، وهكذا كان، ترجم وانتهى.
وأسمعني رأيه أن هذه الترجمة كانت تامة الآهاب، متقنة، وأن صاحبها الجيكوري شاعر عربي كبير، بل شاعر، وأنه دون الجيكورية، هو أقل من ذلك؛ إذ إن السياب لا يقف متوازنًا في شعره وهذا معروف، بل هناك الأبيض من القمح والأسود من الزؤان في مجاله الشعري، وأنه في جيكور كان الإنساني ملازمًا للجودة.
ولن أبوح بما باح لي به ستيتية عن أحد الشعراء، من رأي يبقى بيني وبينه إلى أن يحين الموعد لقوله في مناسبة أخرى. وهذا ما يجعلني أضيف إلى هذه المقولة والمقولات أن الترجمة في ذاتها وإن كانت سببا تقييميًا في صلبه لا تعدو كونها ترجمة تنضمّ إلى تراكمات هائلة من الترجمات وأنها إذ تنقل الشاعر العربي، ونحن في صدده، إلى اللغة القوية، إلى الفرنسية أو إلى الإنجليزية، لا ينتج من هذه الخطوة أن الشاعر توطد، وأنه صار حقيقًا بالنظرة الثاقبة، وأنه يخلو من كل عيب وخطل.
إننا في التجربة التي مضت، منذ سنين عدة، لم نحصل بعد، ما عدا قلّة قليلة، على السلوك الخارجي المطلق تجاه القصيدة الحديثة والجديدة والجيّدة. هناك محاولات لا نملك إلا أن نرضى بها، محاولات فقط وليست انكبابًا على نصوص وعلى الغوص ها هنا على الأعماق والنزول إلى الأقفاص الغارقة، والموضوعة في أرض القصيدة للقبض على الأسماك النادرة، وعلى الأصداف النادرة.
بل هناك سلوك يكاد يكون واحد الجانب، وهناك كسل في الحقيقة، لدى أولئك العارفين، في باريس خاصة، أولئك حملة المعرفة والقيمين من تلقائهم على بعض النتاج، والذين لا يرعون، وإنما يخدمون هذا أو ذاك، وينطلقون من جهل نصوصي وجهل بياني، ولا يقرأون تمامًا ما بين إضاءات السطور حين ينصرفون إلى القراءة أو إلى التقييم.
إلا أن الواقع أحلى من النظرية من النقد. وهو إلى تغيير وإلى معرفة تراكمت أن هناك في البيان العربي في القصيدة اللبنانية ما يدعى سحرًا وما يدعى نجاحًا. وأن هناك فريدين في النظر وفي الشعر.
* نساء في مجلة «شعر»
في مجلة «شعر»، وهي التي قامت من الجرأة ومن الجمرة التي تحرق حيث هي تكون الوجع والسؤال، تفتّحت الأكمام وكانت المرأة في السياق، وفي الدور الذي لها وهو دور الكتابة، ودور الأنثى في محض أنوثتها، ودور الندى على الزهرة...
وأولى السيدات اللواتي شاهدن براعم المغامرة وساهمن في اللطف وفي الرضى، وفي المحبة التي كانت نائمة واستفاقت من براثن الملل، هي هلن الخال زوجة يوسف... وهلن فنانة ولها تلك المسحة التجريدية، وذلك اللون الذي يموج ثم يموج على لوحتها، عالمها حيث الغرق والانفعال، وكذلك حيث اليقظة؛ وكونها تعرف الكثير وتخبئ الكثير، وحيث هي حاضرة في خطوات يوسف وفي متابعة على الأرض والأخذ بحياء والمشاركة بحياء في وليمة النصوص، في وليمة الحركة المطلقة. وكانت هلن صديقة مراقبة، وهي التي صممت غلاف مجلة «شعر»، بتلك الخطوط، بتلك اللمحات من الأوتار.
* خالدة سعيد
وإلى خالدة سعيد، الناقدة والأستاذة في مجالها، والتي كانت الحضور والشفافية والتي تتبع زوجها أدونيس في شطحاته وفي كلماته. ومنذ أول الأول هي هنا، إلى جانب الزوج الغنائي الذي يمضي إلى مقاطعه، إلى عطائه الشعري وإلى أنفاسه الحرّى، وإلى المكان حيث هو، وحيث يكون في موضع يلائمه، إن في لبنان ولا سيما بيروت، وإن في فرنسا ولا سيما باريس.
وخالدة كانت معنا وكانت التي تناقش وتفتح الموضوع وسائر الأبواب في خميس مجلة «شعر». وكنا أنسي وأنا، مع خالدة، نحرّك القصيدة ونحرّك الغفوة، ونزيد الشعلة احمرارًا حين نحن وحدنا ولا يوسف ولا أدونيس في البلاد.
وخالدة، ولا عيب، هي التي عكفت على أدونيس في الأخص الأخص، وعلى النزر لدى بعض الشعراء، والتي رافقت المغامرة منذ العهد البادئ، والتي كأنها وجدت خيوطًا، وكان أنها مشت في الوجود الشعري، في المجلة وخارجها خطوات إلى الأمام، وإلى فعل التمهيد حتى الحصول على الخلاصة وعلى التكاوين المرهفة، حيث هي القصيدة الجديدة وحيث هي الأصول المعتمدة...
وانحازت خالدة سعيد إلى ناحية شبه وحيدة، ولم تكن المنقذة، بل العرافة التي توحي الصواب، والتي لها ابتسامتها الحلوة في البحث عن المدى، وعما يسر القارئ ويطرد الملل من كل مدينة وكل شطر من الحياة الثقافية.
إنه الرجوع إلى بعض المناظر في الحركة الشعرية الحديثة، وهي ربما غير صافية وربما العكس، بل متلبّدة، إلى السيدة خالدة سعيد، وكيف أنها قادرة على تزيين شاعر، وعلى شاعر آخر نزولاً في النفق إلى حيث شموع الظلمة الحالكة والنزوات التي تركب بعض الشعراء دون سواهم.
وخالدة سعيد صدى يتردد في أمكنة قريبة أو بعيدة؛ فهي انعطفت على زوجها وما فارقته، بل حدبت على قصائده، منذ مطلع المغامرة، وانعطفت على أنسي الحاج تعطيه إيضاحًا من هنا ولمحة من هناك. ولا يسعها في النهاية أن تكون إلا موضوعية، ولم تشأ هي ذلك في مجراها إلى المواظبة على التزيين وعلى مدّ التبرّج إلى من هم في سياقها أو على مقربة منها. وليتها منذ تلك الأعوام وهي في شرح وتبيان حادت قليلاً عن الحصار وعن بعض الذين تحبّهم، وانصرفت إلى النقد، نقد الذات ونقد سائر الأدباء. وهكذا تكون تكرّست للبعض وما إليه من نصوص وقصائد، كلما التفتت إليها إنما تباركها وتدفعها إلى أن تكون في الصدارة. ولها الحرية في لملمة العنقود وأي عصارة سواه.
* ليلى بعلبكي
وإلى ليلى بعلبكي التي هي الأنثى وهي الروائية وهي المتمردّة على السهل، على السهولة، والتي منذ البدء في مجلة «شعر» كانت الموجودة والمرافقة التي تنثر الطيب والضحكة واللعبة فيما حولها. وكان يوسف هو الأقرب إليها، وإلى كونها على تلك الحال من الانفراد، من الصراخ، ومن الدهشة مما هنالك من أقمار ومن أشجار تلتفّ وترفض الأوراق. ولا عجب أن يأتي القارئ وأن يأخذ العجب من التأليف، ومن أي كتاب، من هذه السيدة التي تهجم على العوالم، على الأطر، على السياج؛ لأنها ترغب في الانطلاق وحسب... وليلى تدرك كل هذا، وكم كانت ترن على إيقاعي الثقافي؛ إذ نحن الصداقة في مجلة «شعر» وفي الخارج، أي الثقافة كما يصنعها الصناع وكما يرغب الزائر أن تكون على مقداره من الدسامة، ومن الفن...
* لور غريب
وها هي لور غريب كانت تكتب القصيدة بالفرنسية. وهي، في مجلة «شعر»،...
ولور رفيقة كانت ومرافقة ليلى بعلبكي، وكلتاهما كانتا في الانتظار، وفي أن تحصل كل واحدة على قدر من الخصب في حياتهما. وكان أن نزعت لور إلى اللوحة، وإلى أن تبثّها الحالة الدقيقة، أي النسيج الزخرفي الذي من وفرته ومن نوعيته يقفز إلى التقدير، وإلى حيث تتوافق الزخرفة مع الجودة ويطلّ الفن على قدره وعلى مصيره، أي أنه يحملنا إلى البعيد، إلى ما يكون نهرًا من النمنمة ودخولاً إلى ما يؤلف السكون والمزيج الملوّن، وها نحن ندوخ تحت وطأته.
* سنيّة صالح
وسنيّة صالح، زوجة الشاعر محمد الماغوط وشقيقة خالدة، كانت التي مرّت، والتي مثل الطيور المهاجرة حطّت ونزلت قليلاً على مرتعنا نزول الطائر ونزول النحلة. وهي كانت الصبية، ومنذ الصبا، تكتب القصيدة وتطرح النص الذي يكشف عن غمّ، عن قلق، عن وجودية ناعمة وحيث ينطق الشغف والطموح في الذات المرهفة. والنطق لديها في خدمة الوصول حتى تلك النعومة، ذلك الإشراق الصوفي الذي يدفع الإنسان صوب الأنوار، صوب الحقول السعيدة، صوب الحركة، وصوب الصور المثقلة بالملامح، بالأحلام.
مع أنسي الحاج إلى «النهار»
مرمر لساني، مرمر قلمي، مرمر زماني من ملحق «النهار»،... والملحق إنما انطلق على اندفاع على همّة أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا في تلك السنة 1964. وكان أنسي هو زارني في جريدة «الزمان»، وشاءني أن أكون في جريدة «النهار». وكان أنني تركت أوراقي وغبطتي الصحافية حيث كنت، وأزمعت الانتقال من حالة إلى حالة، ومن وضع إلى وضع إلى مكان يختلف عن السابق ومن كتابة إلى كتابة. وها نحن في الحمراء، في مكتب «النهار» وها نحن ننصرف معًا أنا وهو إلى فكرة الملحق، أي يصدر يوميًا ثم أسبوعيًا. وكانت العجقة وكانت اللهفة، وعكفنا معًا على الفحوى على المتن وعلى الهيكل الجديد الذي به سيكون الملحق من قاصر إلى راشد، ومن ليل إلى أضواء، إلى صفحات فوق العشرين. وكلها تدعونا إلى أن نعثر على المواد، على النصوص التي هي ستكون الصورة، ستكون لدى القارئ جذابة له، وبه سيكون القارئ إلى زيادة، وبه ستكون الجريدة هي الغاية، وهي المقصودة، وبه سيكون غنى وثراء في المبيع، وبه سيكون الأمر أحلى، وسيكون الفوز أكثر فأكثر بالقارئ الذي، كلّ يوم أحد، يتاح له أن يشيل عن ذهنه، عن نفسه عبء الأيام.
وكان أننا اجتهدنا، نحن الثنائي، وانغمسنا في المعركة، معركة الرضى والانفتاح على فسحات من ألوان الصحافة اللبنانية، وعلى الوسط الأدبي وعلى القادمين نحونا، هذا له مقالة وآخر له قصيدة، وثالث يرغب في نحر العادة ونحر الفراغ، وآخر كله ترحاب بنا...
* شعراء فلسطين وبيروت
* محمود درويش: قصيدة في الصفحة الأولى
وكان محمود درويش الراحل منذ أمد من السنين، هو الصديق وهو الصلة المديدة والمستقيمة بالبلاد، بموطنه فلسطين. وكنّا على ودٍ متبادل، وعلى مودّة ناعمة تسكن في البال وفي الصدور وتثلج العلاقة التي هي ما بيننا، نوع من التقدير ومن اللزوميات الجميلة.
وقال لي ذات مرة على الهاتف مرحبًا وفق ذلك وألطف من ذلك. وقال أيضًا إنه يملك قصيدة جديدة، تضاف إلى أملاكه وإلى حقوله الخصبة. وقال لي إنه يريدها على الصفحة الأولى من جريدة «النهار» في بيروت...
ومحمود درويش شاعر البلاد، شاعر الشرق والوطن الجاثم عليه ذلك العدو، إنما يربح الفائدة من صوته، من قيثارته كلما وقف خطيبًا. وكلّما كان هو في أصله وفي أخلاقه، ذلك الرنان وذلك الصدى، وتلك الهضاب والأودية. وإنما كل مرة في موقعه هذا، كان يبلغ العلى ويبلغ آخر الأدراج وآخر الرياح. بل كان هو الرياح والعاصفة، وكان المنطلق مع هبوب الثورة مع بعض الشعراء من خلانه، كانوا معا قناديل والسفن التي عليها هم وقصائدهم هي التي تبحر في الذاكرة وفي القلوب وفي الأذهان العطاش إلى الكلمة التي تتفوق، والتي تهزّ المروحة ويهبط علينا كثير من الغذاء، من الانفتاح على الدروس التي يلقونها وتصمد في التاريخ المعاصر.
* معين بسيسو
من الذين غلبوا الصخرة
ولا شك أن معين بسيسو هو أيضًا من القافلة الثائرة، وحيث الغضب يسطع في الأطر طرًا. وحيث لا أحد إلا الشعراء من يدرون كيف تؤخذ الحقوق، وكيف يكون النضال، وكيف أننا نذهب إليهم، إلى نتاجهم، ونحن سعيدون بأن المناسبات تنقلب من جافّة إلى عظيمة التأثير.
ونحن نرتفع معها، مع النصوص التي تدل على الطريق على الوجهة على الأرض التي هي في الوحشة الدامية. ولا شك أن معين بسيسو يحتوي الصديق وأمثاله المتعدّدين، وهو كذلك من الذين صرخوا وكانوا جميعًا في صدد النهوض من الخيبة، من الخيبات. وهم يكادون يكونون الذين سجّلوا وكتبوا جلّ التاريخ، جلّ الملحمة. وازدانوا بالفضائل المهاجمة التي لا تنقضي في جب النسيان وفي بئر الإهمال. بل يجب أن تكمل الأجيال طموحات أولئك الشعراء والكتّاب الذين، واحدًا واحدًا، زاروني، وغلبوا الصخرة وأزاحوها على قدر ما استطاعوا، وما فتئوا يفعلون ويلعبون لعبة المجد، حتى الوصول حتى القطاف.
وسوف تكون العودة التي غناها العاملون في الكلمة وفي القافية، في صلب الحروف.
وفي وسط العقد كما هي الياقوتة، ووهج الفرادة العامرة الإيوان.
* أمين معلوف يحب الوكالات
ومعلوف، قبل أن يغادر المكان والمسقط إلى باريس سنة 1977 عمل في الإطار الصحافي، وكان في جريدة «النهار» في بيروت ينكبّ على الوكالات وعلى القصاصات، وعلى الأوراق. وكان الذي يتفحّصها ويأخذ منها الخبر وما هو الصالح وما هو على العكس.
وكان في عادة الجدّية، الذي لا يدع شأنًا إلا يرصده، وهو بالمرصاد لكل ما يطرأ، وتلك هي القاعدة، وأن يكون المدقّق والذي لا يترك حرفًا إلا يقرأه وإلا يكون في حيزه، في جانبه الواضح أو في جانبه من الظلمة، وحيث لا ضوء ولا سراج من غابر التقاليد، إلى حيث نحن، إلى مطارحنا المعاصرة.
ولبث أمين معلوف صحافيًا في بيروت، ولا أذكر كم هي المدة، لكنها الحرب في لبنان كانت السبب أن يقلع نحو الغربة، نحو فرنسا، نحو باريس، وأظنه هناك أشرف على مجلة «جون أفريك»، ثم تمادى في... البحث عن بعض القضايا، وفي البحث عن الزمن الضائع وعن بلاده وعن طانيوس، وعن أشخاص مرّوا أو عاشوا، وأثروا الذاكرة، وهم الجذور وهم المادة التي تحيا على اندفاع قلمه وعلى دخان الذكريات والإشارة التي صدرت عنهم لتكون أشبه بالشرارات، بالغذاء الذي يشبع الجياع ويطل على ساحة الصراع، كما في القديم من الزمان، من رعشة التاريخ.
صديقنا، وصديق الكثرة من الناس ومن القراء في أوروبا وسواها وفي وطنه لبنان، والعضو في الأكاديمية الفرنسية، الذي من لا يطالع ما يكتب، والذي نحفل به طوال الوقت والساعات. والذي يوضع في المكتبة ليكون اللذة والمتعة كما يكون المرجع.
وهكذا صديقنا الذي هو ونحن كنا معًا في «النهار»، وكان في الشؤون الخارجية، ونحن نتوغّل في الأدب والشعر وفي الأغصان والشجر أو في الحياة، وهو، منذ تلك الفينة، نموذج في موجات التأليف والأدب الأوسع والكتابة المفتوحة على الحق وعلى الخطأ وعلى الخطيئة وعلى التاريخ. وعلى أن في الإنسان رحابة من التناقض ومن العقاب ومن البراءة أو الذنوب الثقيلة. وهو إلى كل ذلك أنتج وانغمس في العطاء ووصف ولمع ولا يزال لامعًا.



بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية


«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير
TT

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية، وقالب فني يميل للتجريب، وطرق آفاق سردية جديدة، عبر أمثولات وقضايا كبرى أهمها فكرة «العدالة» كوسيط قيمي يضمن سلام العالم وسكينة البشر.

تبدو فكرة العدالة جلية منذ الوهلة الأولى، ففي مطلع الرواية هناك شخص يخضع للمحاكمة، ثم نكتشف أن هذا الشخص هو قائد جماعة اسمها «العدالة الناجزة» تأسست للانتقام من السادة والنبلاء الذين تصدر ضدهم أحكام ولا يستطيع أحد تنفيذها خوفاً من نفوذهم.

رواية «النبي الصغير» الصادرة أخيراً عن «مكتبة ديوان» بالقاهرة في جزأين يضمان أكثر من ألف صفحة تضعنا أمام عوالم شتى، يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، واليومي بالملحمي، والخاص بالعام، حيث تتداخل الشخصيات الرئيسية لتصنع ما يمكن اعتباره لوحة موزاييك بشرية في «مملكة رإدمان – مملكة الشمس» التي صنعها توراي الأعظم وقسمها على رغيف خبز، منطلقاً من إجابته عن سؤال بسيط: ما الذي يلزمني لإنشاء مملكة؟ وتأتيه الإجابة من داخل عقله: مال وجند وفكرة.

وبعد عقود من رخاء المملكة يظهر «كال» الفتى الصغير المليح القادم من الصحراء. لا يطرق باب أحد في عمل إلا ويجده مفتوحاً. وهكذا عمل في جبال الملح مع شغيلة المملكة وقوة اقتصادها الضاربة، عمل في الأسواق وفي الحمامات، ليأتي اليوم الذي يقرر فيه أنه نبي. وأنه يجب أن يعلن دعوته ويضم إليه الأتباع والأعوان لإطاعة أوامر السماء وفي الوقت نفسه تحقيق العدالة للمقهورين والمظلومين في الأرض، أو على الأقل في الفئات التي عاش بينها.

العالم المتخيل أو المملكة التي اختارها الكاتب مسرحاً للأحداث ملامحها محددة. فهي مساحة ممتدة تحيطها جبال وصحارٍ وغابات، وفي وسطها مدينة «توراي ديما» بها نادٍ وسوق، وحانة الذئاب وقاعة مخصصة للطبيب جميان وبيت الحب وجدار الأخبار «وسيلة الإعلام»، وحي السحرة وحمام القزم أبّا وعالم الأقزام عموماً، وبنات الهوى وفتيات العائلات الكبرى الجميلات كلها تتداخل في قصص وحكايات بتقنيات سردية متنوعة، أغلبها تعتمد على الراوي العليم، وبعضها ينطوي على تعدد الأصوات في الحكاية، مع اختيار «نظرة الطائر» كتقنية تصويرية بانورامية كاشفة للعالم الروائي.

يبدأ «النبي الصغير – كال» فكرته من انتباهه لعدم وجود دين محدد في المدينة، فبها عشرات اللغات وعشرات المعتقدات، وينطلق عن قناعة بضرورة نشر دين جديد يدعو للحق والعدل وغيرها من القيم التي ربما افتقر إليها مجتمع المدينة كلما توغّل في المدنية.

يبدأ «كال» دعوته من لقاءات بأشخاص عرفوا بالزهد والتصوف، حتى أن أحدهم كان نبياً وتخلى عن رسالته، بعد مناوشات وحروب وسفك دماء. وحين يناقشه «كال» يخبره أن الإنسان يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا إلى أن يجد الخلاص فيعيش في حياة أبدية كلها سعادة وهناء.

وحين يلتقي «كال» مجموعة الزهاد يدخل في حوار مع كبيرهم الذي يسأله عن أسمى القيم؛ فيرد «كال» دون تفكير: «العدل»، فيخبره كبير الزهاد أنه لو كان العدل هو القيمة الأسمى لما خلق الله الدنيا، ويؤكد له «كال» أن العدل قد يغيب عن الدنيا لكن علينا أن نعيده. فيرد عليه الرجل: «لو أعدنا العدل قضينا على الدنيا»، ويستطرد شارحاً الأمر: «إن كل ما تراه حولك، كل زراعة وصناعة وتجارة، كل علم وفن وابتكار، كل ذلك ما كان لينهض من دون مظلمة بعد مظلمة»، مؤكداً في النهاية أن العالم يدور وفقاً للنظام لا العدل.

لا يخلو السرد من مخاتلات تسحب القارئ تدريجياً لعوالم مختلفة وتتركه يتفحص جوهر هذه العوالم بكل ما تحتويه من سحر الأساطير وملاحة الأحلام وفداحة الواقع. ففي مملكة «رإدمان» التي قامت على أفكار القوة والوحدة والعلم والعدل، هناك خلل بدا واضحاً في بنيتها، يكشفه هذا الفتى الغريب الذي كاد يقسمها نصفين.

تقدم رواية «النبي الصغير» واحداً من أكثر العوالم المتخيلة طموحاً في السرد العربي المعاصر، عالم تتقاطع فيه مصائر عشرات الشخصيات في لحظة فارقة، تكشف علاقاتهم المتشابكة عن أكثر رغبات البشر جموحاً، وفي هذه الشبكة المعقدة من العلاقات التي تتمسرح في قاعات العلم وساحات القضاء والأسواق والقصور والمعابد ومعسكرات الجند ومجالس السمر ومناجم الملح، تتداعى التساؤلات التي تشي باختلاط اليقين بالشك والحياة اليومية بالمصائر الكبرى.

يستخدم الكاتب تقنيات تنتمي لفنون أخرى بخلاف فن الرواية إمعاناً في التجريب عبر ملحمته السردية. من بينها ما يسمى كسر الجدار الرابع، أو إزالة الحواجز بين العالم الفني والمتلقي، ليناقش القارئ في مسألة بداية الحكاية. كيف تتوالد الحكايات وتخرج الحكاية من رحم حكاية وكأننا في دائرة سحرية من الحكي الذي لا تتحدد بدايته أو نهايته، أو كأننا في «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها الساحرة.

يطمح «النبي الصغير» في النهاية لتكريس فكرة العدل التي لا تتحقق إلا بالحروب والمواجهات التي يخوضها أتباعه بقيادة «تايشي» القائد السابق لجماعة «العدالة الناجزة». ولكن هل يتحقق العدل؟ يظل السؤال مطروحاً في نهاية مفتوحة على نبي جديد آخر يتحدث عنه أحد الرواة، لتنتهي الرواية بطابعها الملحمي، وتداخل الأساطير والخيال مع الواقع والتاريخ.


«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس بوصفها عاصمة للحرية والثقافة إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي أحمد المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون» إلى مرحلة من التاريخ المغربي والعربي، حين كانت العاصمة الفرنسية ملتقى للمثقفين والكتاب والمناضلين السياسيين، وملاذاً لمن دفعتهم ظروف بلادهم إلى البحث عن حياة أخرى.

لكن باريس التي استقبلت أحلامهم لم تمنحهم بالضرورة ما كانوا يبحثون عنه. فبين مقاهيها وشوارعها وأحيائها، عاش هؤلاء تجارب متباينة، جمعت الأمل بالخيبة، والحرية بالعزلة، والانتماء إلى ثقافة جديدة باستمرار الارتباط بالوطن.

هذه التجربة، بما تنطوي عليه من تناقضات إنسانية وسياسية، تشكل مادة الرواية التي احتفى بها موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته السابعة والأربعين، خلال حفل توقيع احتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، الخميس، بحضور مثقفين ونقاد وإعلاميين وفنانين.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتقديم إصدار روائي، بل تحول إلى قراءة في ذاكرة جيل مغربي وعربي ارتبطت تجربته بباريس خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي قدرة الأدب على استعادة سير شخصيات حقيقية، وإعادة تركيبها داخل عالم تخييلي يتجاوز حدود السيرة والتوثيق.

باريس في ذاكرة المديني

في تقديمه للقاء، توقف الناقد شرف الدين ماجدولين، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، عند العلاقة الممتدة بين أحمد المديني وباريس، وهي علاقة تجاوزت الإقامة والعبور إلى الحضور المتكرر في تجربته الأدبية.

ورأى ماجدولين أن «الأنشوطة الباريسية» تجمع شتات ما راكمه الكاتب من نصوص وتجارب عن المدينة الفرنسية، التي شغلت جانباً من حياته ووجدانه وفكره، وأثمرت كتابات متعددة على امتداد سنوات.

ومن هنا، وصف الرواية بأنها «نص متحفي»، بالنظر إلى قدرتها على جمع الأزمنة والأمكنة والشخصيات داخل بناء سردي واحد، يستعيد ما تفرق في الذاكرة والكتابة، ويمنحه حياة أخرى في الرواية.

غلاف رواية «الأنشوطة الباريسية» (الشرق الأوسط)

وتبدو باريس، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد مكان تجري فيه الأحداث. إنها فضاء تتقاطع داخله حكايات المثقفين والمهاجرين والمنفيين، وتنعكس فيه تحولات المغرب والعالم العربي، بما حملته من صراعات سياسية وأسئلة الهوية والانتماء.

«أنشوطة» الاغتراب

واعتبر حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن الرواية تعيد القارئ إلى مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية، عاش خلالها مغاربة وعرب في باريس، واتخذوا منها مكاناً للإقامة والعمل والنضال السياسي والثقافي.

وقال إن المديني يعيد بناء تلك التجارب عبر سرد يمزج التوثيق بالتخييل، مستحضراً تفاصيل الحياة اليومية في المقاهي والشوارع والأحياء الباريسية، وما ارتبط بها من علاقات وصداقات وصراعات.

وأشار البطيوي إلى التحول الذي طرأ على صورة باريس في وجدان بعض المهاجرين. فالمدينة التي بدت لهم في البداية فضاءً للضوء والأمل والحرية، تحولت مع مرور السنوات إلى «أنشوطة» تشدهم إلى منفى اختياري أو قسري، وتضاعف شعورهم بالغربة والخيبة والحنين إلى الوطن.

ورأى أن قيمة الرواية لا تقف عند حدود بنائها الفني، بل تمتد إلى حفظ ذاكرة جيل عاش التوتر بين تطلعاته إلى التغيير في بلاده وواقع حياته في الخارج.

ونوّه البطيوي بلغة المديني في استعادة الشخصيات والأماكن والوقائع، وقدرته على إعادة تشكيل نماذج بشرية أدت أدواراً في مرحلة من تاريخ المغرب، قبل أن تتوارى تجارب بعضها خلف تحولات السياسة والزمن.

وأكد أن احتفاء أصيلة بهذا العمل يأتي تقديراً للمسار الأدبي الذي يواصل المديني بناءه، ولإسهام أعماله في استعادة محطات من تاريخ المغرب الحديث، ولا سيما التحولات التي عرفها منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

باريس... وشخصياتها

من جانبه، رأى الناقد نور الدين درموش أن حضور باريس في «الأنشوطة الباريسية» يمثل امتداداً لعلاقة قديمة بين المدينة وعالم أحمد المديني السردي، إذ حضرت في كتاباته السابقة بوصفها فضاءً لتجارب إنسانية وثقافية متراكمة.

وأوضح أن الكاتب بدا، من خلال هذا العمل، وكأنه يسعى إلى جمع شتات علاقته بباريس في رواية واحدة، تستوعب ما اختزنته ذاكرته من مشاهد وأسماء وتجارب على امتداد عقود.

وبحسب درموش، فإن المدينة لا تكتفي بدور الخلفية المكانية، بل تتحول إلى شخصية روائية تؤثر في مصائر المقيمين فيها، وتشارك في تشكيل علاقاتهم ومواقفهم من الحياة.

فالرواية ترصد تناقضات باريس بين نهارها وليلها، وبين ما تضج به مطاعمها وحاناتها وساحاتها من ألفة ومرح، وما يعتمل في نفوس شخصياتها من قلق ووحدة واغتراب.

واعتبر درموش أن العمل يمثل شهادة وفاء لمغاربة عاشوا بعيداً عن بلادهم، وظل الحنين إلى الوطن حاضراً في حياتهم، مهما طالت إقامتهم في فرنسا.

وتوقف عند شخصية محمد باهي، التي تحتل موقعاً محورياً في الرواية، باعتبارها إحدى الشخصيات التي تتكثف من خلالها تجربة ذلك الجيل، وما عرفه من ارتباط بالصحافة والسياسة والمنفى.

سيرة صحافي

أما أحمد المديني، فقد كشف خلال اللقاء عن جانب من البناء الحكائي لروايته، موضحاً أنها تنطلق من سيرة صحافي مغربي يقرر مغادرة بلاده بعدما أمضى سنوات في العمل بوكالة رسمية، وعاش أزمات مهنية وشخصية دفعته إلى الهجرة نحو فرنسا.

وهناك، يجد الصحافي نفسه أمام حياة جديدة، لكنه لا يستطيع الانفصال عن ماضيه، الذي يظل يلاحقه بأشخاصه وذكرياته وتجربته المهنية وما رافقها من أعباء.

ويتحول منير سرحان، الشخصية المحورية في الرواية، إلى مهاجر يعيش بين زمنين. ماضٍ مغربي لم ينتهِ، وحاضر باريسي يحاول من خلاله إعادة تشكيل حياته.

غير أن هذه المحاولة تتشابك مع علاقات والتزامات تربطه بالمغاربة المقيمين في باريس، وبعرب آخرين جمعهم المكان واختلفت ظروف هجرتهم ومواقفهم من أوطانهم.

وأوضح المديني أن منير سرحان ليس وحده في هذه التجربة، إذ تتقاطع حكايته مع شخصيات حقيقية وأخرى متخيلة، من بينها محمد باهي ومحمد خير الدين ومحمد البصري.

وأشار إلى أن حضور هذه الأسماء لا يحول الرواية إلى سجل تاريخي أو مجموعة سير، لأن الكاتب يعيد تشكيل الشخصيات والوقائع وفق مقتضيات البناء الروائي، وإن استند إلى أسماء وتواريخ ومسارات واقعية.

وتحتل شخصية محمد باهي موقعاً محورياً في هذا البناء، إذ تمتد حكايته من بداية الرواية إلى نهايتها، في مسار موازٍ لمنير سرحان، البطل والسارد، بما يمنح العمل بطولة مزدوجة تتفرع منها حكايات الشخصيات الأخرى.

ومن خلال هذه العلاقات، يبني المديني عالماً تتجاور فيه التجارب الفردية والجماعية، وتنعكس داخله أسئلة السياسة والثقافة والهجرة والهوية.

وتتحرك الأحداث أساساً في باريس، عبر وصف دقيق لجغرافيتها وأحيائها، قبل أن تمتد إلى الرباط والمغرب، في حركة سردية تعيد الشخصيات إلى جذورها، وتكشف ما تنطوي عليه تجربة الهجرة من تناقضات ومآلات.

من الطهطاوي إلى الطيب صالح..

ولم يفصل المديني روايته عن التراث الأدبي العربي الذي تناول العلاقة بين العرب والغرب، مستحضراً أعمالاً شكلت محطات في تطور هذا السؤال داخل الكتابة العربية الحديثة.

فمن «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» لرفاعة رافع الطهطاوي، إلى «أديب» لطه حسين، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وصولاً إلى «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، تتعدد صور الغرب في المخيلة العربية، وتتغير الأسئلة التي يطرحها الاحتكاك به.

وأوضح المديني أن هذه الأعمال جعلت العلاقة بين الأنا والآخر موضوعاً للتفكير في النهضة وتجديد الهوية، من خلال الفكر والأدب والفن.

لكن الرواية، كما يرى، لا تتولى تقديم إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، بل تعيد تمثيل المعضلات الإنسانية والحضارية بأدوات السرد، انطلاقاً من التجربة الحياتية والابتكار الفني.

وفي هذا السياق، تقدم «الأنشوطة الباريسية» تجربة تتداخل فيها الذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي، وتتحول فيها حكاية صحافي مهاجر إلى مدخل لقراءة مرحلة من تاريخ المغرب وعلاقته بفرنسا، وما رافقها من صراعات وأحلام وانكسارات.

وخلص المديني إلى أن الرواية تحمل رؤية ثقافية وحضارية تتصل بأسئلة الهوية والانتماء، وتجمع بين استيعاب الماضي وقراءة الحاضر، عبر سرد يمزج الواقعي بالتخييلي، ويستحضر قلق الإنسان العربي في عالم تتزايد فيه صعوبة الاختيارات والمصائر.

أحمد المديني... سيرة أدبية

وتكتسب هذه العودة الروائية إلى باريس دلالة إضافية بالنظر إلى سيرة صاحبها. فأحمد المديني، المولود في مدينة برشيد المغربية عام 1949، ينتمي إلى جيل من الكتاب الذين ساهموا في تطوير القصة والرواية المغربية، وجمعوا بين الإبداع الأدبي والبحث النقدي والعمل الأكاديمي.

بدأ النشر عام 1967، وأصدر مجموعته القصصية الأولى «العنف في الدماغ» عام 1971، قبل أن تتوالى أعماله في القصة والرواية والنقد وأدب الرحلة. وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس عام 1990، وهو ما يمنح علاقته بالعاصمة الفرنسية بعداً يتجاوز المشاهدة العابرة إلى تجربة معيشة ومعرفة بالمكان وثقافته.

وحضرت باريس في عدد من مؤلفاته السابقة، من بينها «باريس أبداً» و«نصيبي من باريس»، كما أصدر روايات منها «رجال الدار البيضاء» و«ممر الصفصاف» و«الطريق إلى المنافي». وصدرت أعماله الروائية الكاملة في خمسة أجزاء عام 2014.

وحاز المديني جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2018، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2020 عن كتابه «مغربي في فلسطين».

أما روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون»، فقد صدرت في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي للكتاب في فبراير (شباط) 2026، لتضيف عملاً إلى مشروعه السردي الذي تتكرر فيه أسئلة الذاكرة والهوية والمكان.

ويمكن قراءة الرواية أيضاً في سياق الأدب المغربي الذي تناول الهجرة والمنفى والعلاقة بفرنسا، لكن خصوصيتها، كما تكشف مناقشات أصيلة، تكمن في استعادة شخصيات من التاريخ الثقافي والسياسي المغربي وإدخالها في نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع بالتخييل.

فباريس التي كانت لدى أجيال من المثقفين العرب مكاناً لاكتشاف العالم والتعرف إلى أفكار الحرية والتغيير، تتحول في رواية المديني إلى موضع لمراجعة الأحلام نفسها. ومن خلال مصائر منير سرحان ومحمد باهي وشخصيات أخرى، تطرح الرواية سؤالاً يتجاوز تجربة الهجرة: ماذا يبقى من أحلام التغيير عندما يطول المنفى، ويتحول الوطن إلى ذاكرة، وتصبح العودة إليه أكثر تعقيداً من الرحيل عنه؟

ذلك هو السؤال الذي تتركه «الأنشوطة الباريسية» مفتوحاً، في رواية تستعيد جانباً من تاريخ المثقفين المغاربة والعرب في باريس، وتعيد النظر في علاقتهم بمدينة منحتهم فرصاً للحياة والكتابة والنضال، لكنها لم تستطع أن تحررهم من قلق الانتماء والحنين إلى الوطن.