تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

رحل وهو يؤمن بأن التنوير لا يزال أمامنا وليس خلفنا

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
TT

تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»

كان تزفيتان تودوروف قد أصدر كتابًا يشبه المانيفست عام 2006 بعنوان «روح التنوير». وقد أصدره بعد أن كلفوه شخصيًا بالإشراف على معرض التنوير الكبير الذي نظمته المكتبة الوطنية الفرنسية الجديدة الشامخة كناطحات السحاب على ضفاف نهر السين. وكان المقصود به الرد على كل الأصوليات الدينية المتطرفة وبالأخص أصوليتنا في الواقع، لأن المعرض حصل بعد 11 سبتمبر وتفجيرات مدريد ولندن... إلخ.
ومنه نفهم أن التنوير أمامنا وليس خلفنا. وهذا هو حرفيًا عنوان المعرض الذي زرته آنذاك وتجولت في رحابه: «عصر التنوير: إرث للمستقبل». صحيح أن مشروع التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر على يد الكبار من أمثال فولتير وديدرو وروسو وكانط... إلخ، يحتاج الآن إلى نقد وتصحيح ومراجعات بعد أن تعرض لاستخدامات انتهازية مضادة لمثله العليا. نعم، لقد خان الغرب التنوير إبان التوسعات الإمبريالية. فتحت غطائه النبيل وبحجة «تحضير البدائيين» راحوا يستعمرون الشعوب ويسلبونها إرادتها. لقد رفعوا شعارات التنوير عاليًا وفعلوا عكسها، الشيء الذي أدى إلى تشويه سمعته، وفقدان مصداقيته... ولكن لا ينبغي التراجع عن مشروع التنوير بأي شكل كما يقول تودوروف. فنحن جميعًا أبناء التنوير شئنا أم أبينا. نحن ورثته الشرعيون حتى عندما ننتقد انحرافاته ونهاجم نواقصه. فلا بديل عن التنوير إلا التنوير منقحًا ومصححًا ومراجعًا. يُضاف إلى ذلك أنه لا يزال ضروريًا جدًا بل وملحًا بالنسبة للشعوب والتراثات التي لم تمر بالمرحلة التنويرية بعد: كالشعوب الإسلامية والشرقية عمومًا. وبالتالي فلنعد مجددا إلى نصوصه الكبرى ولنحاول تحيينها وملاءمتها مع هموم القرن الحادي والعشرين وقضاياه. وهذا هو مشروع هابرماس في الواقع وليس فقط تودوروف. ولهذا السبب عبر لي مرة عن إعجابه بهابرماس وامتعاضه من فوكو وديلوز ودريدا وبقية الفلاسفة النيتشويين العدميين المعادين للأنوار. لكن لنتفق على الأمور هنا منذ البداية لكيلا يحصل أي خلط أو تشويش. الثقافة الأوروبية مرت بالتنوير قبل مائتي سنة، ونقدت أصوليتها المسيحية نقدًا صارمًا على مدار القرون الثلاثة الماضية: الثامن عشر، فالتاسع عشر، فالعشرين.
أما نحن فلم نمر به حتى الآن ولم يتعرض تراثنا للغربلة النقدية التي أصبحت أكثر من ملحة بعد كل ما حصل ويحصل. في عصر «داعش» والدواعش لا يوجد حل آخر. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فينبغي العلم أنه تفصل بيننا وبين فلاسفة الأنوار مائتا سنة. وفي هذين القرنين ظهر مفكرون آخرون كبار أضافوا وجددوا ووسعوا الأنوار. ولذلك أصبح بعضهم يتحدث الآن عن الأنوار الأولى، والأنوار الثانية. وعلى أي حال فلو سألت الإنسان الأوروبي قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: التراث المسيحي.
ولكن لو سألت الإنسان الأوروبي الحالي: ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: الحداثة وفلسفة الأنوار. بمعنى آخر كان التراث بالنسبة لهم دينيًا لاهوتيًا فأصبح علمانيًا حداثيًا. وحتى لو ظلت المسيحية من تراثه، فإنها أصبحت مسيحية ليبرالية، متسامحة، منفتحة، مثقفة، وما عادت أصولية متعصبة أو انغلاقية. وهذا يعني أن الدين سوف يستمر بعد الغربلة النقدية الشاملة، ولكن مفهوما بشكل عقلاني مستنير. وبالتالي فليطمئن الناس: تراثنا العربي الإسلامي سوف يجدد شبابه بعد المرور بالمرحلة التنويرية. سوف يبدو أفضل وأنصع وأبهى بكثير عما كان قبلها. وأصلاً لن تُعرف حقيقته قبل المرور بهذه العملية الجراحية الخطيرة. سوف تُطرح منه الزوائد والقشور ويبقى الجوهر. ألم نكن نحن شعاع التنوير الحضاري أيام بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية؟ ثم غفونا أو نمنا على التاريخ. وتلقفت الشعلة أوروبا...؟!
ما سمات روح التنوير التي تميز أوروبا عن بقية النطاقات الثقافية الأخرى في العالم؟ على هذا السؤال يجيب تودوروف قائلاً: إنها الروح النقدية والحرية الفكرية. ففلاسفة الأنوار هم أول من تجرأ على نقد العقائد الدينية القديمة. ولهذا السبب لا يزال رجال الدين الكبار في أوروبا يشنون هجومًا ساحقًا على فولتير وأمثاله حتى اللحظة. نضرب على ذلك مثلاً مطران باريس السابق: لوستيجر. فقد كان من ألدّ أعداء فلاسفة الأنوار. وقد شتمهم علنًا، ووصفهم بكل النعوت السلبية. وبالتالي فالمعركة لم تنتهِ فصولاً بعد. صحيح أنها حُسمت منذ عقود طويلة لصالح فكر الأنوار. وصحيح أن الفلسفة التنويرية انتصرت على الأصولية المسيحية في أوروبا انتصارًا مبرمًا لا ريب فيه، ولا رجعة عنه. والدليل على ذلك أن برامج التعليم الفرنسية والأوروبية عمومًا مليئة باستشهادات من نصوص ليسنغ وكانط وفولتير وكوندورسيه وديدرو وجان جاك روسو وارنست رينان وميشليه... إلخ. وتكاد تخلو تمامًا من أي استشهاد بأساطين الأصولية المسيحية. وذلك على عكس ما هو شائع في العالم العربي، حيث يهيمن الفكر الأصولي على برامج التعليم ويغيب عنها الفكر التنويري إلى حد كبير. وبالتالي فالحالة معكوسة بيننا وبين أوروبا. والدليل على ذلك أني سمعتهم أخيرًا يشتمون ابن سينا في بعض البلدان العربية. بل ويدعون إلى عدم وضع اسمه بعد اليوم على واجهة أي مستشفى أو مدرسة أو مكتبة لأنه كافر زنديق... إلخ. وأعترف بأن ذلك فاجأني إن لم أقل: جرحني، وآلمني، بل و«مغصني مغصًا». فمن يشتم ابن سينا يشتم الكندي والفارابي وابن رشد ناهيك بالمعري والتوحيدي وطه حسين ونجيب محفوظ وبقية عباقرة العرب والإسلام. ولكن لا ينبغي أن نستغرب ذلك. فنحن نعيش في العصر الداعشي لا التنويري. ثم يتساءلون مستنكرين: لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا يحصل لنا ما يحصل؟ لماذا تتقدم شعوب العالم كلها إلى الأمام ونتراجع نحن إلى الخلف؟ لماذا أصبحنا فضيحة العصر في هذه الأيام الدواعش؟ وما عاد أحد قادرًا على أن يفصح عن هويته كعربي أو مسلم لا في الشرق ولا في الغرب. إنه يخجل بها وقد كانت يومًا ما منارة للعالم أجمع. ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب. والسبب واضح وضوح الشمس: لأننا لا نتجرأ على طرح سؤال صغير واحد على تراثنا الديني، لأننا لم نخضعه للغربلة النقدية الصارمة كما فعل كانط أو فولتير قبل مائتي سنة أو يزيد بالنسبة للتراث المسيحي. هذا ناهيك بفويرباخ أو نيتشه... إلخ.. ثم لأن الجماهير الغفيرة من المحيط إلى الخليج كلها مع رجل الدين بشكل مسبق وتتشرب كلامه وكأنه حقائق معصومة. من يناقش اليقينات المطلقة؟ ويحك هل أنت مجنون؟ كل هذا انتهى في العالم المتنور المتحضر منذ قرون... والفضل لمن؟ لفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر ومن تلاهم.
ويرى تودوروف أن سمات الروح التنويرية كثيرة ولكن أهمها استقلالية العقل بالقياس إلى النقل.دون ذلك لا تفكير حر ولا اكتشاف ولا إبداع. ما دام الكاهن المسيحي واقفًا فوق رؤوسنا يقول لنا ما ينبغي أن نفكر فيه أو لا ينبغي أن نفكر فيه فعلى الدنيا السلام. لذلك صرخ كانط صرخته الشهيرة في أواخر القرن الثامن عشر: تجرأ على استخدام عقلك أيها الإنسان! فالله زودك بالعقل لكي تستخدمه لا لكي تلغيه. ولكن الكاهن يقول للرعية فورا: لا تفكروا، آمنوا وتدينوا فقط. أنا مسؤول عن تفكيركم، اسألوني أُفتِ لكم في كل شاردة وواردة. لا داعي لتشغيل عقولكم الصغيرة. وهذا لا يعني أبدًا الدعوة إلى الإلحاد. فكانط كان مؤمنًا حقيقيًا. وكان يقول عبارته الشهيرة: حيث تنتهي حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان. وكبار فلاسفة الأنوار كانوا جميعًا مؤمنين بوجود الله. من بينهم فولتير ذاته وجان جاك روسو. ولكن كان هناك تيار مادي ملحد. فنيتشه كان ملحدا بشكل صارخ وكذلك ديدرو وفويرباخ هذا ناهيكم عن ميشال أونفري الذي يصرعنا حاليا صرعا بنزقه وإلحاده. لحسن الحظ فإن كاتب هذه السطور مؤمن حقيقي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وعلى الرغم من أنه عاجز عن التصالح مع نفسه، فإنه يفعل كل شيء لتحقيق المصالحة بين الإيمان - والعقل، أو الدين - والفلسفة.
ماذا يقول لنا تودوروف؟ انه يقول إن التنوير يشكل أكبر طفرة معرفية راديكالية في تاريخ البشرية. لماذا؟ لأن العقل البشري طيلة العصور السابقة كان مجرد خادم ذليل للاهوت المسيحي. والآن شب عن الطوق وتجرأ على الانفصال عنه وتحقيق الاستقلالية الذاتية. وهذا هو معنى فكرة كانط: لقد آن الأوان لكي تنتقل البشرية من مرحلة القصور العقلي، أكاد أقول الطفولة العقلية، إلى مرحلة النضج وسن الرشد. آن الأوان لأن تشغل عقلها المعطل طيلة القرون الوسطى! وهي قفزة هائلة وخطرة لم يتجرأ عليها الفكر العربي حتى الآن. بل وترتعد فرائصه أمامها. ولهذا السبب لم يعد للتكفير وجود في عصر التنوير. فالناس أصبحوا سواسية وكرامتهم محفوظة أيا تكن أديانهم ومذاهبهم. أما في السابق فكان الأكثري الكاثوليكي يحتقر الأقلوي البروتستانتي بل ويدعو إلى تكفيره وذبحه لأنه «مارق زنديق». كل هذا انتهى بعد انتصار الأنوار. كيف يمكن أن تشكل مجتمعًا متراصًا، أو دولة، أو وحدة وطنية، إذا كان بعض الشعب يكفر بعضه الآخر؟ كيف يمكن أن يحصل التعايش؟ مستحيل. وأصلاً التنوير ظهر كرد فعل على هذه الحروب الأهلية الطائفية التي مزقتهم ودمرتهم طيلة عدة قرون. لقد كان علاجا شافيا، وأي علاج!



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي