دبلوماسيون غربيون: تقليص النفوذ الإيراني في سوريا يمر بصفقة مع روسيا

قالوا إن العملية السياسية هي المدخل «لاحتواء» تمدد طهران

رجلان من سكان دوما التي يسيطر عليها «جيش الإسلام» بريف دمشق يبيعان خشب وقود أول من أمس في ظل استمرار حصار النظام (إ.ب.أ)
رجلان من سكان دوما التي يسيطر عليها «جيش الإسلام» بريف دمشق يبيعان خشب وقود أول من أمس في ظل استمرار حصار النظام (إ.ب.أ)
TT

دبلوماسيون غربيون: تقليص النفوذ الإيراني في سوريا يمر بصفقة مع روسيا

رجلان من سكان دوما التي يسيطر عليها «جيش الإسلام» بريف دمشق يبيعان خشب وقود أول من أمس في ظل استمرار حصار النظام (إ.ب.أ)
رجلان من سكان دوما التي يسيطر عليها «جيش الإسلام» بريف دمشق يبيعان خشب وقود أول من أمس في ظل استمرار حصار النظام (إ.ب.أ)

هل تستطيع روسيا «لجم» النفوذ الإيراني في سوريا وما هي الأدوات التي تستطيع الارتكاز إليها؟ السؤال أصبح مطروحا بقوة في الأوساط الدبلوماسية الغربية خصوصا بعد أن أخذت العلاقات الأميركية - الإيرانية منحى تصعيديا منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وجعله تقليص النفوذ الإيراني في هذا البلد أحد هدفين رئيسيين «مع القضاء على داعش» لسياسة الإدارة الأميركية الجديدة.
تقول مصادر دبلوماسية غربية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، إن المقاربة الأميركية للدور الإيراني في سوريا «تنخرط في السياق العام لمواجهة تضخم دور طهران في مجمل الشرق الأوسط»، أكان ذلك في الخليج واليمن أو في العراق وسوريا ولبنان، ناهيك عن ثلاثة ملفات رديفة هي النووي والصاروخي والإرهاب. وتضيف هذه المصادر أن لسوريا «خصوصية عائدة للحضور الروسي الكبير فيها، ما يعني أن الرغبة الأميركية لا يمكن أن تتحقق من غير تفاهم أو صفقة مع موسكو». وبكلام آخر، وفق المصادر نفسها، فإن أوراق الضغط الأميركية في سوريا «محدودة» و«يفترض أن تمر حكما بالتعاون مع موسكو». لكن هذا المعطى يقود بشكل آلي، بحسب هذه المصادر، إلى تساؤل ثلاثي الأضلع: هل موسكو مستعدة للاستجابة للرغبة الأميركية؟ وهل هي قادرة على ذلك؟ وأخيرا ما هو المقابل الذي تطلبه، ومن وكيف يجب أن يدفع؟.
حتى اليوم، لم يصبح التنافس الروسي - الإيراني في سوريا علنيا رغم أن المؤشرات التي تدل عليه تواترت في الفترة الأخيرة وتحديدا في موضوع معركة حلب ووقف النار وخروج المسلحين من ثاني المدن السورية، واتفاق أنقره الذي ضمن الهدنة واجتماع آستانة وإصرار موسكو على تمثيل واشنطن مقابل رفض إيراني قاطع. ويلاحظ المراقبون أن إيران سعت أكثر من مرة لتخريب الهدنات التي عملت من أجلها موسكو من خلال الميليشيات التابعة لها وعبر فرض شروط جديدة «كما حصل في حلب»، كما أنها كانت دائما تدفع باتجاه استمرار المعارك والحل العسكري ورفض التفاوض بين النظام وفصائل المعارضة المسلحة.
الثابت الذي لا تقبل الجدل أن النظام السوري يدين ببقائه للعكازتين الروسية والإيرانية. ولم يعد سرا أن طهران «وبالطبع النظام» ألحت على موسكو للتدخل العسكري الروسي المباشر والمكثف في سوريا في صيف عام 2015، عندما كانت قوات النظام تتراجع على كل الجبهات رغم الدعم العسكري الذي وفرته طهران له من خلال الميليشيات الشيعية التي عبأتها، فضلا عن عناصر الحرس الثوري الذين لم يلعبوا فقط دور المستشارين العسكريين. وخلال السنوات الست المنقضية، تقاسمت موسكو وطهران الأدوار الأولى، ووفرت الحماية الدولية «مجلس الأمن» للنظام ووفرت له الدعم السياسي والدبلوماسي والسلاح والعتاد وقارعت الأميركيين والغربيين بشكل عام قبل أن تتدخل بطيرانها مباشرة وترسل أسطولها مقابل الشاطئ السوري لتغيير ميزان القوى ميدانيا. والثانية، دعمت النظام بالمال والسلاح وجندت له آلاف الميليشيات وأمسكت الأرض ودفعته لإبقاء سيطرته على ما يسمى سوريا المفيدة... وكانت النتيجة أن النظام بقي في مكانه رغم ضعفه وحسن أوضاعه العسكرية والتفاوضية، ولكن من غير أن يكون قادرا على حسم المعركة ميدانيا أو حتى أن يستمر في تحقيق تقدم من غير دعم الروسي المباشر. والدليل على ذلك بحسب المصادر الغربية أن النظام «عاجز» بمواجهة «داعش» عن المحافظة على مواقع كانت تحت سيطرته كما في دير الزور وقبلها في تدمر.
اليوم، يبدو واضحا أن علاقة «العكازتين» ستذهب في اتجاهات متباعدة وأن صراعا على النفوذ أخذ يسمم العلاقة بينهما. وبالنظر لما وقعته الحكومة السورية مع الطرف الروسي من اتفاقيات عسكري غير محدودة زمنيا «قاعدة حميمي الجوية وقاعدة طرطوس البحرية»، وما حصلت عليه طهران من امتيازات وعقد اقتصادية وتجارية يبين أن المنافسة انطلقت حقيقة وأن كل طرف يسعى لترتيب أوراقه حتى قبل أن تنتهي الحرب في سوريا. وترى المصادر الغربية أن «مصلحة» روسيا اليوم في سوريا تكمن في «ترجمة» الانتصارات العسكرية إلى انتصارا ت سياسية بمعنى الوصول إلى وضع حد للحرب القائمة وفق التصور الروسي والاستفادة من أن موسكو هي التي تمسك اليوم إلى حد بعيد بالورقتين العسكرية والسياسية، مستفيدة مما قامت به ميدانيا ومن «الغياب» الغربي والإقليمي الداعم للمعارضة. ومن أجل هذا الغرض، تحركت الدبلوماسية الروسية بنشاط ولعب الوزير سيرغي لافروف دور «المحرك» لاتفاق وقف النار ولاجتماع آستانة، وهو الذي يطرح تصورا لدستور سوري ولعملية سياسية سريعة ربما قبل أن يعود الدور الأميركي إلى المنطقة مجددا مع الرئيس ترمب. وفي هذا السياق، حصل التقارب الروسي - التركي الذي تنظر إليه طهران بكثير من التشكيك.
وترى موسكو اليوم، وفق المصادر الغربية، أن الحل السياسي وحده هو القادر على وضع حد للحرب في سوريا وأنها «الجهة القادرة» على فرضه على النظام. وبالمقابل، فإن طهران «تلعب ورقة الميليشيات وإضعاف سلطة الدولة والمؤسسات السورية وإبقاء الأسد على رأس سلطة رهينة بيديها»، على غرار ما يحصل في العراق مثلا. ووفق تقارير غربية، فإن إيران ترى في استمرار الحرب «ورقة يمكن أن تفاوض عليها»، لاحقا، فضلا عن تمكينها من التمسك بشروط الحل التي تضمن لها مصالحها في مرحلة ما بعد الحرب.
ثمة إجماع على أن إيران «استثمرت» في النظام السوري، بمعنى أنها ربطت مصالحها ببقائه وبقاء الرئيس الأسد على رأسه. ولذا، فإن حلا سياسيا تقبله المعارضة على ضعفها وضعف الأطراف الداعمة لها سيعني بشكل ما تقاسم السلطة بين النظام والمعارضة، وهذا ما من شأنه أن يشكل تهديدا لمصالح إيران.
هكذا يتبدى اختلاف الأهداف وافتراق المصالح بين موسكو وطهران، ويبان أن منع طهران من وضع اليد على سوريا ليس فقط مصلحة أميركية بل أيضا روسية. لكن تحجيم الدور الإيراني لن يكون بالأمر السهل بالنسبة لموسكو، بفضل التغلغل الإيراني في الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية ووجودها الميداني من خلال الميليشيات التي تمولها وتسلحها وبفضل دعايتها السياسية وحضورها الديني والاقتصادي والاجتماعي. فضلا عن ذلك، فإن تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران سيدفع الأخيرة إلى التمسك بكل ما تعتبره «أوراق قوة» في يديها من أجل الضغط على الجانب الأميركي، ومن أهمها حضورها في سوريا.
من هذه الزاوية، تعتبر مصادر فرنسية رسمية أن الطريق إلى «احتواء» النفوذ الإيراني في سوريا «يمر عبر عملية انتقال سياسية لا تعني بالضرورة رحيل الأسد الفوري، لكنها تمكن من إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وبالتالي انتفاء الحاجة للميليشيات التي استُحضرت لدعم النظام». وتذهب هذه المصادر أبعد من ذلك إذ قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه بذلك «سيكون للرئيس الأسد دور» في خفض الحضور الإيراني المباشر وغير المباشر إذا اطمأن لمصيره ومصير نظامه. فضلا عن ذلك، فإن اتفاقا سياسيا سيكون وجهه الآخر اتفاق الجميع في الداخل والخارج على التركيز على محاربة «داعش» والنصرة، وهو هدف مشترك لواشنطن وموسكو ولكافة العواصم الإقليمية.
يبقى أنه ليس لإيران، في مواجهتها القادمة مع واشنطن، مصلحة في أن تفقد الدعم الروسي على المستوى الدولي. ولعل أفضل دليل على ذلك أن تحجج واشنطن بالاختبار الصاروخي الإيراني للقيام بحملة سياسية واسعة على طهران واجهه موقف روسي اعتبر أن هذه التجربة لا تنتهك الاتفاق النووي والقرار الدولي الذي ثبته في يوليو (تموز) من عام 2015.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.