لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟

تجد شرعيتها في طبيعة الموضوعات التي تناولتها فيلسوفات

حنا أرنت
حنا أرنت
TT

لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟

حنا أرنت
حنا أرنت

تناولت كتب عدة موضوع المرأة والفلسفة، من قبيل: نساء - فلاسفة، والفلاسفة والمرأة، ونساء الفلاسفة. وأغلب الظن، أن هذه الكتب، عالجت علاقة الفلاسفة بالمرأة لبيان مواقفهم الحياتية منها عامة، أو لإبراز دور بعض النسوة في حياة الفلاسفة، ووقف بعضها عند تجارب الحب التي خاضها بعض الفلاسفة مع النساء.
دشنا في سلسلة مقالاتنا هنا، البحث في سيرة وفلسفة بعض النساء اللواتي دخلن عالم التفلسف من بابه الواسع، وتحملن عبء التفرغ للفكر الفلسفي، تدريسًا وتأليفًا، في مجتمعات ذكورية بامتياز، حيث جددت الرأسمالية آليات السيطرة والهيمنة الذكورية على عالم الفكر، وخصصن معظم أوقاتهن للتنقل بين الجامعات، ومنهن من تحملت ويلات الحروب والاضطهاد الفاشي والديني واللغوي والثقافي، وبخاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. كما نجد منهن من تخلين عن الحياة الأسرية وعزفن عن الإنجاب للتفرغ للفلسفة.
من المعلوم جيدًا، أن الفلاسفة - الذكور، هيمنوا على تاريخ الفلسفة. فلاسفة - ذكور لم ينفلت منهم من سلطة المجتمعات الذكورية، إلا النزر اليسير. ولكن مع تناسل مقاومات الحركة النسائية، وانتزاعها حق المساواة والحرية والإنصاف، لولوج مجالات عمل كانت، إلى عهد قريب، حكرًا على الرجال، ومع الدور الذي لعبته الأنظمة الديمقراطية والحركات النسائية في العالم، سيتعزز دور المرأة في المجتمعات الغربية التي أقرت أنظمة علمانية، منحت للنساء حقوقًا لم يكن يسمح بها من ذي قبل.
لم يعد السؤال في مجتمعات اليوم يتعلق بالحاجة إلى تحرير المرأة، كما طرح في بداية القرن العشرين (مع الموجة النسوية الأولى). بل صار سؤالاً ينصبّ حول مستقبل هذا التحرر، من زاوية أن هناك مشكلات جديدة صاحبت الاعتراف بالمرأة ودورها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، من قبيل الحقوق الجنسية، والاختلاف الجنسي والتحول الجنسي...ناهيك عن التعدد الثقافي والديني واللغوي.
ماذا لو قلبنا التاريخ رأسًا على عقب، فإذا كان تاريخ الفكر الفلسفي، في مجمله، تاريخًا ذكوريًا بامتياز كتبه فلاسفة ذكور، فماذا عساه يصير لو كان تاريخًا نسويًا؟ ماذا لو كانت النساء هن اللواتي لعبن دورًا مهمًا في تاريخ هذا الفكر؟ ألن نجد أنفسنا أمام قضايا فلسفية مغايرة، ومنهجيات فلسفية مختلفة، ولربما أمام فكر مختلف جذريًا عن فلسفة الفلاسفة الذكور، وأمام فلسفة جديدة حتى لا نقول فلسفة نسوية؛ لأن هذا النعت يضمر بين ثناياه نزعة ذكورية، حيث يتم التمييز بين فلسفة ذكورية وأخرى نسوية؟
ستكون لثورة المساواة في الحقوق، ولولوج عالم الشغل والفكر والثقافة، انعكاسات جديدة على بنيات التفكير، وعلى طبيعة القضايا الفلسفية، كما نجد ذلك في عالم السياسة والاقتصاد. لذا؛ نعتقد، من دون أن نجزم، أن التاريخ المقبل للفلسفة، سيكون تاريخًا مغايرًا ومختلفًا، ليس بسبب ثورة المساواة والحقوق وحدها، وإنما بسبب اجتياح النساء نسب الساكنة العالمية، وتفوقهن في مجالات التعليم والسياسة والاقتصاد على حد سواء، وبسبب ثورة الحب كما نظر لها لوك فيري وألان باديو.
إننا أمام فكر فلسفي يطرح قضايا سياسية راهنة، تتصل بالفلسفة السياسية تحديدًا، حيث التقينا بوجوه بارزة لعبت أدورًا مهمة في التنظير لقضايا لم تطرح من قبل، كما هو الشأن بالنسبة للفيلسوفة جوديث بتلر Judith Butler أو سيلا بنحبيب Seyla Benhabib، أو نانسي فريزر Nancy Fraser، وبوجوه لم تلق كامل الحفاوة والاهتمام في الجامعات وكليات الفلسفة، على الأقل في عالمنا العربي، من قبيل سيمون فايل Simon Weill، وصبا محمود Saba Mahmood، وإديث شتاين Edith Stein، وآين راند Ayn Rand، وبفيلسوفة نقدية معاصرة تنتمي إلى المدرسة الماركسية، وتحاول إعادة النظر في موضوع البطريركية (الأبوية)، وفق مستجدات البحث الأنثربولوجي والسوسيولوجي الراهن، هي نادية دو موند Nadia de Monde.
إذا كان اهتمام إديث شتاين قد انحصر، أساسًا، في الفينومينولوجيا متأثرة بأستاذها إدموند هوسرل E، Husserl وفي الأنثربولوجيا الفلسفية، وتكبدت عناء العيش حيث حرمتها الحياة من الأبوة، واختارت، عنوة، حضن الكنيس؛ هربًا من ويلات النازية التي لاحقتها إلى كرملية هولندا، لتتخلص منها بمعية أختها روز، في أبشع الصور في محرقة أشفيتز الغازية سنة 1942. فإن اهتمام آين راند، التي اختارت الهرب من الاتحاد السوفياتي في اتجاه الولايات المتحدة الأميركية، سينصب حول النزعة الموضوعية، حيث تبحث عن عالم خاص بجون غالت (بطل روايتها «الإضراب»): عالم فرداني بامتياز، حيث تعلي قيم «فضيلة الأنانية» (عنوان كتابها المميز) بدل قيم كانط المتعالية. فعبارتها المدوية: «امنحني الحرية أو الموت»، تقر أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من حيث إنه مكتفٍ بذاته، ولا يتوجب أن تحبسه الغيرية التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقية النبيلة. ووراء السعي نحو التخلص من قيم الغيرية، فإن من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتية؛ لأننا «لسنا دولة ولا مجتمعًا بقدر ما نحن تجمع بشري مبني على إرادتنا، ويستجيب لمصلحتنا الفردية». وهؤلاء الأفراد يتقاسمون مجموعة من القيم خارج أي قوانين أو قواعد. لذا؛ لا ينبغي ألا نقبل إلا القيم الموضوعية الضامنة لروح الأنانية العقلية، أو أنانية المصلحة الفردية، التي تمثل نقيض الغيرية أو عقلية القطيع (الجماعية)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس لغيره.
ما يجمع هاته الوجوه في اعتقادنا، هو ذلك الصوت النسوي النقدي الذي تغفله بعض الأقلام الفلسفية، ولا تمنحه ما يستحق من اهتمام. فجميعهن، على الرغم من اختلاف مشاربهن واتجاهاتهن الفلسفية، وانتماءاتهن العقدية واختياراتهن السياسية، تركن أثرًا فلسفيا عميقًا، ناهيك عن الخيوط الناظمة بعض المفاهيم التي نحتناها، حيث التداعي قائم: الحق في الحقوق كافة، الشر، التوتاليتاريا، الاعتراف والرغبة (حيث التوليف بين سبينوزا وهيغل كما فعلت بتلر).
لا يسعنا في مجتمعاتنا الذكورية بامتياز، على الرغم من الكليشيهات التي تظهرها بعض الأنظمة السياسية في هذه الرقعة من العالم، إلا أن نعلي من شأو التفكير الفلسفي الذي تركته تلك الوجوه النقدية وغيرها (وأغلبهن لا يزال على قيد الحياة)، في سبيل الدفع بتفكير من هذا النوع في مجتمعاتنا، حيث لا تزال النساء عرضة لكل أنواع الاضطهاد والتهميش والتحقير، بفضل بنيات التسلط الذكورية المتعششة في تربتنا، والتي ترسخها في عالم اليوم، تيارات محافظة لن تزيدنا إلا انتكاسة نحو الوراء (الماضي الذهبي الذي يحلمون به وينادون به، حيث تطالب المرأة بالخنوع والطاعة والخضوع لسلطة الرجل بدعوى «ناقصة عقل ودين»). فالتنوير يقتضي أول الأمر، الخروج مع حالة الوصاية والخضوع. فكيف يمكن قبول ما نشاهده، يوميًا، من مآس وجرائم في حق النساء، والدعوة إلى «جهاد النكاح»، وإلى حق سبي نساء العدو (هذا إذا صح فعلا أنه عدو)؟ كيف لنا السكوت عن أنظمة تبتغي إبقاء الوضع على ما هو عليه؟
يزداد لدي اليقين، أن ثورة الحقوق والمساواة قد أدت فعلاً إلى تحولات عميقة، بدأت تظهر بوادرها في أنحاء الكوكب الأزرق. وعلى الرغم من أن هدف الليبرالية السياسية والرأسمالية العالمية، هو إدخال النساء، في إطار أسطورة «مقاربة النوع»، إلى عالم المال والأعمال؛ بهدف تلطيف الاستغلال وترسيخ الاستعباد الجديد للنساء، فإنها، في حقيقة الأمر، تحفر قبرها بنفسها؛ لأن الفردانية كمبدأ، قد تؤدي بالمجتمعات المعاصرة، إلى نتائج عكسية. يجري تبرير الفردانية بدعوى الحرية الفردية التي هي شرط الديمقراطية الليبرالية، لكن يجري تناسي أن الحرية في شموليتها، والسياسية تحديدًا، هي شرط لا مناص منه؛ لأن منح الاستقلالية المادية للمرأة هو مفتاح تحررها الشامل. هكذا ترى نادية دو موند، أن «النساء تستعمل جيشا احتياطيا للصناعة (ماركس) في الاقتصاد الرأسمالي – يدمج في فترات التوسع الاقتصادي، ولكنه يسرّح في فترة الانكماش الاقتصادي أو فترات الأزمة. ويجري تبرير هذه الممارسة، بفكرة آيديولوجية مفادها، أن الرجل هو من يلبي أساسًا حاجيات الأسرة، وأن المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل بصفتها ربة بيت. وتستخدم النساء مكان قوة العمل الذكورية، لإضعاف الطبقة العاملة وتقسيمها. كما تستعمل النساء، بطبيعة الحال، في أقسام «ضعيفة» و«هامشية» من الطبقة العاملة، كما هو حال المهاجرين والمهاجرات».
تجد الفلسفة بصيغة المؤنث إذن، شرعيتها في طبيعة الموضوعات التي تناولتها تلك الوجوه المنتقاة، بقليل من التفصيل ولكن بعمق فلسفي حي، يروم إبراز دورها في تاريخ الفلسفة المعاصرة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.