{روبوتات} للجراحة والتمريض في الرحلات الفضائية البعيدة

تصاميم يمكنها كي الأنسجة الحية وخياطتها وأخرى لإجراء الفحوصات

روبوت «روبونوت 2» المخصص للتمريض
روبوت «روبونوت 2» المخصص للتمريض
TT

{روبوتات} للجراحة والتمريض في الرحلات الفضائية البعيدة

روبوت «روبونوت 2» المخصص للتمريض
روبوت «روبونوت 2» المخصص للتمريض

يطور المصممون الأميركيون أنواعا من الروبوتات الطبية الموجهة للمهمات الفضائية الطويلة للجراحة والتمريض، وقد يكون ابتكار روبوت جراح جوابا لدعاء رواد الفضاء الذين هم بحاجة إلى جراحة في أعماق الفضاء، إذ يقوم هذا الجراح الصغير بالانزلاق داخل الجسم البشري عبر شق صغير في أسفل البطن، وما إن يصبح في الداخل، فإنه عندها يكون قد امتلأ بغاز خامل بغية إفساح المجال له لكي يعمل، ثم يصبح قادرا على إزالة حتى الزائدة الدودية، أو قطع أجزاء من الأمعاء الغليظة المصابة، أو من المعدة المتقرحة المثقوبة.

* روبوت جراح
«الجراح الروبوت» هذا الذي هو من نتاج شركة «فيرتجوال إنزيجن» في لينكولن في ولاية نبراسكا في أميركا، سيخضع للاختبار الأول في ظل انعدام الجاذبية على متن طائرة تحلق في مسارات قوسية قطعية مكافئية خلال الشهور القليلة المقبلة. وهناك سيقوم هذا الروبوت الجراح بإنجاز العديد من التمارين لعرض مهاراته على أربطة مطاطية وغيرها من الأجسام الهامدة غير الحية.
والمأمول من كل ذلك هو أن تقوم هذه الروبوتات بمرافقة رواد المستقبل في رحلاتهم الطويلة في أغوار الفضاء، عندما تزداد احتمالات تعرضهم لحادث صحي، أو صدمة جسدية. «وإذا ما أخذنا في الاعتبار العمليات الجراحية في الفضاء، فإنه ينبغي اعتبار ذلك من الطوارئ»، وفقا إلى شاين فاريتور عضو فريق جامعة «نبراسكا - لينكولن».
وبالنسبة للزمن الحالي، فإن الذين يخاطرون بالذهاب إلى الفضاء لن يكونوا بعيدين أكثر عن محطة الفضاء الدولية، كما يخضعون إلى فحص طبي دقيق قبل مغادرتهم الأرض. كما أن لمحطة الفضاء هذه كبسولة للنجاة تقف دائما على أهبة الاستعداد في حال حصول أي طارئ، وبذلك تكون الأرض على مسافة ساعات فقط. ولكن ورغم أن الكثير من العلل الصحية المقلقة التي يمكن أن تحصل في الفضاء تعود إلى حالتها الطبيعية حال العودة إلى الأرض، فإن وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) تخطط لرحلات مأهولة إلى الكويكبات الحائمة في الفضاء البعيد، وفي نهاية المطاف إلى المريخ، حيث العودة منه لن تتم بتلك السرعة.
والجراحة في الفضاء هي من الصعوبة بمكان، ففي ظل انعدام الجاذبية يكون من السهل على السوائل الموجودة في جسد الإنسان، كالدم مثلا، أن تطفو وتعوم بالجو بسهولة ملوثة المقصورة. كما أن الكبسولات الفضائية لا يمكنها حمل سوى القليل من الوزن، لذا يتوجب على العدد والأدوات الجراحية والطبية أن تكون خفيفة الوزن نسبيا، وقادرة على مواجهة العديد من الأوضاع.
ويقول ديمتري أوليانكوف من كلية الطب في جامعة نبراسكا، إن «كل الأمور التي نحسبها بسيطة، مثل وضع ضمادة طبية على الطاولة، هي من الأمور الصعبة في الفضاء، التي تزداد صعوبة لوغاريتميا عند محاولتك القيام بإجراءات معقدة كالعمليات الجراحية».
وتعمل شركة «فيرتجوال إنزيجن» على تصميمها الجديد هذا منذ بضع سنوات. والنسخة الأخيرة منه تزن 0.4 كيلوغرام. والروبوت مزود بذراعين للإمساك بالعدد والأدوات، وبالتالي كي الأنسجة الحية وخياطتها. كما أن رأسه هو عبارة عن كاميرا فيديو صغيرة. ويجري نقل كل ذلك إلى محطة تحكم يعمل في داخلها الجراح مستخدما عصا تحكم كومبيوترية.
وكانت النماذج الأولية من هذه التقنية قد جربت بنجاح على الحيوانات. ويقول الفريق إن الخطوة التالية هي العمل على الجثث البشرية قبل تجربتها على الإنسان الحي على الأرض.
وللتقنيات التي تدار وتعمل عن بعد سلبياتها في الفضاء، نظرا إلى أنه كلما ابتعدت مركبة الفضاء حصل هناك تأخير زمني في الإشارات والاتصالات، لذا تأمل «فيرتجوال إنزيجن» تفادي كل ذلك، عن طريق تدريب رواد الفضاء على القيام بمثل هذه العمليات على بعضهم البعض.
ويعتقد جيمس بيرغيس، من جامعة «كارنيغي ميلون» في بتسبيرغ، أن الروبوتات هذه قد تكون مفيدة بشكل خاص، إذا أمكن تعليمها العمل بشكل ذاتي ومستقل.

* روبوت للتمريض
على صعيد آخر، تقوم وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) بتطوير روبوت على شكل إنسان يمكنه القيام بالإجراءات والإسعافات الطبية والعمليات الجراحية في محطة الفضاء الدولية، وحتى لدى السفر مستقبلا إلى المريخ.
الروبوت المسمى «روبونوت 2» (Robonaut 2) يخضع حاليا إلى المزيد من التطوير والاختبارات في معهد الأبحاث «هيوستن ميثوديست ريسيرتش إنستتيوت». ويقول الدكتور زيسولت غارامي، المدرب في المعهد المذكور، في حديث نقلته مجلة «كومبيوتر وورلد»، إن هنالك روبوتا في محطة الفضاء يمكنه ممارسة الأعمال البدائية الأساسية، مثل الكبس على الأزرار، لكنه أشار إلى أن «روبونوت 2» بمقدوره خدمة أغراض أخرى مختلفة أكثر تطورا من سلفه هذا، عن طريق العمل كممرض أو طبيب.
ويضيف غارامي «حافزنا كان حقيقيا عندما رأينا رواد الفضاء ينجزون مسوحات بالموجات فوق الصوتية على بعضهم البعض، فلماذا لا يكون هناك روبوت لتقديم يد المساعدة؟ وهنالك سلفا روبوت على متنه، فلماذا لا نحوله إلى ممرض أو طبيب؟». و«روبونوت 2»، أو «آر 2» هو توأم لروبوت «آر 2» السابق الذي جرى وضعه على متن المحطة الفضائية عام 2011.
وقد استغرق العمل نحو 11 سنة لتشييد الروبوت الذي تكلف 2.5 مليون دولار، والذي يعمل على 38 معالجا من نوع «باور بي سي». وتضم هذه المعالجات 36 شريحة مبيتة فيها، تقوم بالتحكم في القوائم، كالقدمين والذراعين. وأضاف غارامي أنه واثق من أن الروبوت قادر على العمل في المحطة الدولية، وأنه يعمل بشكل أسرع وأكثر مهارة من طلابه من البشر. وذكر غارامي أنه «خلال ساعة من الزمن تمكنت من تدريبه بصورة أفضل من الطلاب الآخرين الذين عملت معهم لفترة أسبوع، وبذلك أعتقد أنه يتعلم بسرعة».
وظهر هذا الإنسان الآلي في الفيديو وهو يقوم بعمليات مسح بالموجات فوق الصوتية على نموذج خشبي لشخص مستخدما إبر الحقن. وكانت حركات يديه ثابتة ودقيقة وناعمة، ولم تصدر عنه أي حركات مفاجئة»، كما أضاف غارامي. فقد أظهرت التجارب أن الروبوتات هي أفضل من البشر في تنفيذ أنواع معينة من العمليات الجراحية.
وأظهرت دراسة أجرتها كلية الطب التابعة لجامعة ميريلاند في أميركا عام 2008 أن المرضى الذين أجروا عمليات القلب المفتوح عن طريق الروبوتات قضوا أياما أقل في المستشفى، وكانت فترة النقاهة أقصر، فضلا عن اشتراكات قليلة مقارنة بالذين خضعوا لعمليات القلب التقليدية.
ويرغب غارامي أن يقوم «روبونوت 2» بإجراء جراحة في الفضاء الخارجي في يوم من الأيام. ويقول في هذا الصدد «لنفترض أننا نرسل شخصين إلى المريخ، وحصل لأحدهم طارئ طبي، ويحتاج إلى مساعدة عاجلة، لكنهم قد يكونون لفترة 15 إلى 20 دقيقة بعيدين عن أي إشارة فيديو، أي لوحدهما من دون أي اتصال مع الأرض. لذا أشعر بأن (روبونوت 2) قد يكون رفيقهم الثالث ليساعدهم».
و«روبونوت 2» هذا لا يستطيع حتى الآن إجراء أي عمليات جراحية، لكنه بات شبه جاهز للقيام بالإنعاش القلبي الرئوي. لكن لغارامي خططه الأرضية، واثقا أن الروبوت هذا قد يشكل قيمة كبيرة للعسكريين. فبدلا من إرسال ممرض، أو مسعف طبي عسكري لإنقاذ حياة أحدهم، بمقدور «روبونوت 2» حمل الجندي بعيدا عن الخطر، وتقديم الإسعاف الطبي له في الوقت ذاته.
لكن ناطقا بلسان «ناسا» كان أكثر تحفظا حول متى يمكن أن يدخل هذا الروبوت الخدمة الفعلية، سواء في الفضاء، أو على الأرض في ميادين القتال، فقال «لقد شرعنا لتونا في اكتشاف قدرات الروبوت هنا على الأرض، وثمة الكثير من الأبحاث المتوجب إجراؤها قبل القفز إلى الفضاء».



نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».