«الخروج من الصحراء»... أبعد من سيرة ذاتية

يمكن قراءة كتاب علي النعيمي بوصفه دليلاً لإدارة الشركات الكبيرة

غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
TT

«الخروج من الصحراء»... أبعد من سيرة ذاتية

غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم

عند بحثك عن كتاب علي النعيمي في مكتبات بيع الكتب في نيويورك ولندن، فإنك لن تجده تحت تصنيف السير الذاتية. فلسبب ما، يُعرض الكتاب في قسم «التفكير الرائد». ومع قراءة كتاب «الخروج من الصحراء» تخلص إلى أن وجوده تحت هذا التصنيف تحديدا لم يأت خبط عشواء.
كتاب النعيمي الأخير هو أكثر من كونه مجرد سيرة ذاتية للمسؤول الحكومي الكبير السابق الذي شغل منصب رفيع المستوى. إنه إطلالة سريعة وموجزة على صناعة النفط السعودية منذ أيامها الأولى في عقد الثلاثينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، كما يعرض الكتاب ما يمكنه اعتباره النظرة المتفحصة الأولى على عمليات صناعة القرار في المملكة العربية السعودية ذات السمعة الكبيرة من الغموض والتعتيم الإعلامي.
وهذا ليس كل شيء. يمكن أيضا قراءة كتاب النعيمي بوصفه دليلا لإدارة الشركات الكبيرة على غرار شركة «أرامكو السعودية»، التي استقبلته عاملا بسيطا، ثم ارتقى من خلالها ليشغل أعلى المناصب قبل أن يُسمى وزيرا للنفط والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية، وهو المنصب الذي تركه بعدما يقرب من 21 عاما من الخدمة.
وما يضيف إلى زخم الكتاب الرائع، مما يعتبر من قبيل المزاح، اللاذع في بعض الأحيان، هي لقطات الرسم الحرة لشخصيات كبيرة ومؤثرة في صناعة النفط العالمية، ورؤساء مجالس الإدارات، ووزراء النفط الكبار في أكثر من عشرين دولة حول العالم. ومن المعروف، أن السير الذاتية التي يخطها كبار المسؤولين تأتي في غالب الأمر في صورة نمطية أو «صيغية» معلومة؛ إذ حيث تبدأ بذكر الوصول الأول للمسؤول إلى المنصب، ثم تورد بالتفصيل الجهود الهائلة المبذولة من جانب الكاتب، بعد توليه المنصب، في صياغة الأوضاع المثالية، التي غالبا ما تتحول إلى حالة من الفوضى المأساوية بعد رحيله! ومن المفاجآت السارة أن كتاب النعيمي هذا هو أبعد ما يكون عن اتباع خطوات هذه الصيغة العقيم.
فهو لم يحاول فقط النأي بنفسه عن ذكر أسلافه بعبارات تهضم إنجازاتهم، بل إنه يذكرهم ويشيد بخدماتهم الجليلة التي قدموها إلى المملكة. ولا يعني ذلك أنه يحاول عزلهم أو حمايتهم من الانتقادات، ولكنه يبغي العدل والإنصاف من ذكر ملاحظاته المهمة، كما كان كذلك تماما في مجالات أخرى كثيرة من حياته المهنية الطويلة.
في الفصل المخصص للمناقشات الكبرى، التي غالبا ما تكون وراء الكواليس، ومع كبار الشخصيات داخل المملكة، حول ما إذا كان ينبغي أم لا السماح للشركات النفطية الأميركية العملاقة استعادة السيطرة على موارد المملكة ولكن بطريقة جديدة، كان النعيمي، الذي عارض خططا كهذه، أمينا كل الأمانة في تنقيح وتوضيح حجج المخالفين معه في الرأي والرؤية.
ونعرف من هذا الفصل أن آليات صناعة القرار السياسي في المملكة العربية السعودية مبنية على أسس أعمق مما يعتقد، وإن من السذاجة أن نتصور بأن جيلين على الأقل من التكنوقراطيين ذوي التعليم العالي ليسوا سوى مجرد أختام على ورق.
يصر النعيمي، الذي تخرج في جامعات الأميركية عدة، على أن «فهم الولايات المتحدة الأميركية هو مهارة حيوية» لصناع القرار السياسي السعودي. ومع ذلك، فإنه يعتقد أيضا أنه من غير الحكمة وضع البيض كافة في سلة وحيدة. ولهذا السبب؛ كان في مقدمة حملة تدعو إلى تنويع شركاء المملكة من مختلف الدول الأخرى، ممثلة في الشركات الفرنسية، والهولندية، والإيطالية، والصينية، والروسية، والإسبانية، والكورية الجنوبية، واليابانية، من بين شركات أخرى.
وكان الجدل الدائر حول عودة الشركات الأميركية ليس المشهد الوحيد الذي سلط الضوء على واقع كهذا. فلقد نشب صراع آخر بشأن محاولات من جانب مجموعة «بترومين»، التي تملكها الدولة، للاستحواذ على شركة «أرامكو السعودية» التي عملت دائما لاعبا مستقلا وفق قواعد العمل في القطاع الخاص، وليس حسب اللوائح التي تمليها الدولة.
ولكن، ربما، أن الفصل الأكثر دراماتيكية يتعلق فعليا بتطوير حقل شيبة النفطي في منطقة الربع الخالي، الذي أراد البعض في الحكومة تنحيته جانبا؛ نظرا لتدني أسعار النفط في الأسواق العالمية في ذلك الوقت. وفي حين كان النعيمي ينظر إلى حقل شيبة باعتباره مصدرا من مصادر الإلهام والفخر، فإن اقتصاديين في الحكومة اعتبروا المشروع العملاق، الذي سيكلف عشرات البلايين من الدولارات مليارات الدولارات ليس إلا مجرد مضيعة للجهد والنقود.
وعلى أي حال، بقى النعيمي في كل مرحلة من مراحل حياته متشبثا بمساره، متقدمًا بتأن ولكن بثبات، تماما مثل الجمال التي رآها في طفولته في الصحراء. لقد أشاد كل من الملك فهد بن عبد العزيز والملك عبد الله بن عبد العزيز بأمانة وصدق وتصميم الصبي القادم من الصحراء. ولقد خاطبه الملك عبد الله، رحمه الله، ذات مرة قائلا: «يا علي! لا تخشَ من أي أمير! اخش الله وحده».
يوفر كتاب «الخروج من الصحراء» لمؤلفه النعيمي، نظرة متفحصة رائعة على عالم النفط، العالم الذي لا يحترم إلا حقيقة واحدة مؤكدة، ألا وهي عدم اليقين. وفي هذا السياق، يجد قادة الدول المصدرة للنفط، في أغلب الأحيان أنفسهم، في رحلة عجيبة ومرهقة من البُسُط إلى الغنى، ثم إلى البُسُط مرة أخرى. في عام 1983 كانت المملكة العربية السعودية تنتج فقط مليوني برميل من النفط يوميا. وقبل عامين من ذلك، صدرت المملكة 10.5 مليون برميل في اليوم. وفي عام 1981 تجاوزت عائدات النفط في المملكة 110 مليارات دولار. وبعد ذلك بثلاث سنوات، تراجع المبلغ المذكور وصولا إلى 26 مليار دولار فقط. على مدى عشرين عاما، حامت أسعار النفط متأرجحة بين الحد الأدنى عند 3.2 دولار للبرميل وبين الحد الأقصى عند 150 دولارا للبرميل تقريبا، وهي لعبة تأرجح مرهقة تصيب أقدر المخططين الاقتصاديين بالصداع والدوار.
وبسبب احتياطها النفطي، الذي هو بلا نهاية تقريبا، ظلت المملكة دائما معنية أكثر بالحفاظ على، إن لم يكن زيادة، حصتها في السوق بدلا من المكوث تحت رحمة التقلبات السعرية التي لا ترحم.
في عهد تولي اليماني وزارة البترول السعودية، اعتبرت المملكة العربية السعودية نفسها «المنتج المرجح» في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)؛ مما يعني الاضطرار إلى زيادة «خفض» الإنتاج للاتساق مع تقلبات السعار العالمية. ولقد مكّن ذلك الكثير من الدول الأعضاء في المنظمة، ناهيكم عن ذكر الدول غير الأعضاء فيها، مثل روسيا والمكسيك، من اعتماد استراتيجية إنتاج انتهازية بشكل علني.
واستغرق الأمر من المملكة أكثر من عقد كامل لتعزيز بعض من تدابير التنسيق بين الدول المنتجة من داخل وخارج منظمة «أوبك»، ولكن حتى ذلك الحين من دون نجاح كبير يذكر. قطاع النفط يبقى عاملا خطرا يمكن فيه حتى لأفضل أصدقائك أن يحمل سكينا خلف ظهره لاستعمالها ضدك.
كثيرون توقعوا نهاية النفط،، ومنهم أحد أسلاف النعيمي، وهو أحمد زكي يماني، وكذلك مجلس حكماء أوروبا في نادي روما في عام 1971، لكن النفط لا يزال موجودا ومتدفقا، وأكثر من ذلك، إذا صدقنا النعيمي، فمن الأرجح أن يحتل نصيب الأسد من أسواق الطاقة العالمية لعقود مقبلة عدة على أقل تقدير.
ومن المثير للاهتمام، أنه عبر الخمسين عاما المنقضية صارت الدول المستوردة للنفط أكثر ثراء بكثير من الدول المصدرة له. وفي حالات عدة، واجهت بعض الدول المصدرة للنفط الإفلاس المالي، أو اهتزت أسسها الراسخة بسبب الثورات، والفتن الداخلية، وربما الحروب. لكن المملكة العربية السعودية، وهي من أكبر الدول الأعضاء في منظمة «أوبك»، تمكنت وحدها تقريبا من حيث المحافظة على أمنها واستقرارها في الوقت الذي تسعى حثيثا لمواصلة جهود تحديث الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
وحقيقة أن النعيمي قد قلل، عامدا، من حسه الفكاهي، تضيف متعة إلى متعة قراءة مذكراته، حتى لو كانت سردا لحياة شديدة التنوع والتعدد بشكل استثنائي. إنك تراه في رحلة لقتل ذئب يسعى لالتهام الحملان الصغيرة التي من المفروض أن يحميها. وتنتهي حفلة الصيد بأكل فتات من لحم الذئب، ولم يتم إخبارنا إذا كانت مطهية أم لا.
وفي مشهد من المشاهد، نرى قطب قطاع الشحن اليوناني محاولا عرض رشوة سخية على النعيمي من خلال شراء مليوني برميل من النفط بسعر منخفض؛ ظنا منه أنه يجول بأمواله في متجر «ألف ليلة وليلة» للتحف الشرقية.
وماذا لو قد قيل للنعيمي إن المملكة تستورد الرمال، أجل الرمال، وبسعر مغر للغاية من ولاية وايومينغ الأميركية. من المتصور أن ينفد النفط لدى المملكة العربية السعودية في يوم من الأيام، ولكن من غير المتصور قط أن ينفد مخزون الرمال الهائل لديها في أي يوم.
كنت أتناول الإفطار ذات يوم مع علي النعيمي في العاصمة اليابانية طوكيو، وقدموا لنا فاكهة البرسيمون، وكانت نوعا من الفاكهة لم يعرفه الوزير السعودي من قبل. ولأننا دائما ما نجد تلك الفاكهة في طهران، عرضت عليه المساعدة في محاولة تقشيرها بنفسي. فقال، متلطفا معي في الحديث، إنه يفضل أن يحاول تقشيرها بنفسه. وفي وقت وجيز، رأيته وهو يدرس الفاكهة جيدا، ويقشرها ويقطعها إلى شرائح متساوية كما لو كان خبيرا في الطهي ومنذ زمن بعيد. لقد كان من أحسن الطهاة الذين قابلتهم في حياتي.

«الخروج من الصحراء: رحلتي من البادية إلى قلب صناعة النفط العالمية»
تأليف: علي النعيمي
320 صفحة – 27 دولارًا
مطبعة دار بنغوين



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».