محاكمة مرسي تعيد ثقة الشارع في هيبة الدولة

نقل الرئيس المصري المعزول إلى سجن «برج العرب»

الرئيس المصري السابق محمد مرسي لحظة وصوله لمقر محاكمته في أكاديمية الشرطة أمس.. وفي قفص الاتهام مع عدد من قيادات الإخوان (رويترز)
الرئيس المصري السابق محمد مرسي لحظة وصوله لمقر محاكمته في أكاديمية الشرطة أمس.. وفي قفص الاتهام مع عدد من قيادات الإخوان (رويترز)
TT

محاكمة مرسي تعيد ثقة الشارع في هيبة الدولة

الرئيس المصري السابق محمد مرسي لحظة وصوله لمقر محاكمته في أكاديمية الشرطة أمس.. وفي قفص الاتهام مع عدد من قيادات الإخوان (رويترز)
الرئيس المصري السابق محمد مرسي لحظة وصوله لمقر محاكمته في أكاديمية الشرطة أمس.. وفي قفص الاتهام مع عدد من قيادات الإخوان (رويترز)

مثل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، أمس، في قفص الاتهام ذاته الذي استضاف سلفه الرئيس الأسبق حسني مبارك، وسبعة آخرون من قيادات جماعة الإخوان، المتهمين بقتل متظاهرين نهاية العام الماضي. وبدت قاعة محكمة أكاديمية الشرطة (شرق القاهرة) ساحة لتوجيه رسائل سياسية، بدد رمزيتها إلى حد بعيد ضعف الحشد المناصر لمرسي خارج أسوار المحكمة، بحسب مراقبين.
وبينما تعطلت الجلسة مرتين بسبب هتاف مرسي والقيادات الإخوانية الأخرى داخل القفص، قرر المستشار أحمد صبري يوسف، رئيس محكمة جنايات شرق القاهرة، تأجيل نظر القضية إلى جلسة 8 يناير (كانون الثاني) المقبل، وإيداع مرسي أحد السجون التابعة لوزارة الداخلية. وقال المتحدث الرسمي باسم الداخلية، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن قيادات الوزارة فضلت إيداع مرسي سجن برج العرب في الإسكندرية.
ويحاكم مرسي و14 آخرون (سبعة متهمين حضوريا، وسبعة آخرين غيابيا)، في قضية قتل وتحريض على قتل متظاهرين أمام قصر الاتحادية الرئاسي في شهر ديسمبر (كانون الثاني) العام الماضي، كانوا يحتجون على إعلان دستوري أصدره مرسي منح فيه لنفسه سلطات مطلقة.
ونجحت القيادة السياسية الجديدة، التي تولت السلطة عقب عزل مرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، في توجيه أولى الرسائل أمس، بوضعها الرئيس السابق في قفص الاتهام، لتنهي أربعة أشهر من احتجازه في مكان غير معلوم، وهو ما اعتبره مراقبون تغييرا جوهريا في وضعية الرئيس السابق، لكن السلطات القضائية قررت عدم بث وقائع المحاكمة على الهواء مباشرة.
وبث التلفزيون الرسمي المصري مقطعا مصورا قصيرا، لوصول مرسي إلى قاعة المحاكمة، في حافلة بيضاء صغيرة، مرتديا حلة مدنية كاملة، كما ظهر في قفص الاتهام وهو يحاول توجيه كلمات إلى القاضي، فيما أعطى باقي المتهمين ظهورهم إلى منصة المحكمة.
وسعى مرسي وقيادات الإخوان داخل قفص الاتهام أمس إلى توجيه رسائل مضادة، أولاها رفض مرسي ارتداء زي السجن الأبيض الذي يميز من هم قيد الحبس الاحتياطي على ذمة المحاكمة، بحجة بطلان المحكمة.
وتضم لائحة المتهمين في القضية، إلى جانب الرئيس المعزول، كلا من أسعد الشيخة (نائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق)، وأحمد عبد العاطي (مدير مكتب رئيس الجمهورية السابق)، وأيمن هدهد (المستشار الأمني لرئيس الجمهورية السابق)، وعلاء حمزة (قائم بأعمال مفتش بإدارة الأحوال المدنية بالشرقية)، ورضا الصاوي (مهندس بترول – هارب)، ولملوم مكاوي (حاصل على دبلوم تجارة - هارب)، وعبد الحكيم إسماعيل (مدرس - هارب)، وهاني توفيق (عامل – هارب)، وأحمد المغير (مخرج حر – هارب)، وعبد الرحمن عز الدين (مراسل لقناة «مصر 25» - هارب)، وجمال صابر (محام)، ومحمد البلتاجي (طبيب)، وعصام العريان (طبيب)، ووجدي غنيم (داعية - هارب).
وأصر مرسي على ارتداء حلة زرقاء داكنة، وقميص أبيض اللون، محافظا على ابتسامة هادئة داخل قفصه، وتحدى القاضي فور دخوله قائلا «ما يحدث الآن هو غطاء للانقلاب العسكري، أحذر الجميع من تبعاته، وأربأ بالقضاء المصري أن يكون يوما غطاء للانقلاب العسكري الهدام الخائن المجرم قانونا»، وهتف «يسقط يسقط حكم العسكر»، فيما صفق له باقي المتهمين لدى دخوله قفص الاتهام.
ورفض مرسي أن يجيب القاضي عن سؤال بشأن تولي المحامي محمد سليم العوا الدفاع عنه. وأشار برمز «رابعة العدوية» (كف طويت إبهامها يشير إلى الميدان الذي شهد فض اعتصام مؤيدين لمرسي خلف مئات القتلى في أغسطس/ آب، الماضي). وحضر العوا، وهو مرشح رئاسي سابق، جلسة أمس ضمن مجموعة من المحامين المؤيدين لمرسي.
وعزل الرئيس مرسي عقب مظاهرات حاشدة خرجت في 30 يونيو (حزيران) الماضي. وتوافق قادة الجيش وقوى سياسية ورموز دينية على عزل مرسي، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا كرئيس مؤقت للبلاد، وتعديل دستور وضع في عهد مرسي، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، فيما سمي حينها بـ«خارطة المستقبل».
وبدأ رئيس المحكمة الجلسة قائلا «إن الأمر كله لله، وكان أمر الله قدرا مقدورا»، ثم شرع في إثبات حضور المتهمين، داخل قفص الاتهام.. لكن البلتاجي، القيادي بجماعة الإخوان، قاطعه قائلا «هذه مهزلة وليست محكمة».
ونادى رئيس المحكمة على كل متهم من المتهمين المحبوسين وفقا لتأكيد الأسماء الوارد بأمر الإحالة، بداية من أسعد الشيخة، ثم أحمد عبد العاطي، وأيمن هدهد، وعلاء حمزة، ومحمد البلتاجي، وعصام العريان، ومحمد مرسي، وجمال صابر.
ورفض الشيخة وعبد العاطي المحاكمة أيضا، ووصفا النائب العام بـ«المعين من سلطة الانقلاب»، في حين قال البلتاجي إن لديه عشرة أسباب موضوعية لبطلان قرار الإحالة الصادر من النيابة العامة، قائلا إن «القرار صدر من غير ذي صفة».
ورد مرسي على نداء القاضي قائلا «أنا الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية، وأنا محبوس بسبب الانقلاب، ورئيس جمهورية مصر موجود في هذا المكان قسرا وبالقوة، وهذا يمثل جريمة، والمحكمة تتحمل المسؤولية كاملة»، داعيا إياها إلى إعادته لممارسة سلطاته «كرئيس شرعي للبلاد»، واصفا النيابة العامة بأنها باطلة.
وطالب رئيس المحكمة المتهمين بالتزام بالهدوء، قائلا لهم إنهم ستُتاح الفرصة كاملة لهم للحديث في الوقت المناسب، لكنه اضطر إلى رفع الجلسة بعد نحو عشر دقائق من انعقادها بعدما تبادل المتهمون ومحاموهم التراشق بالألفاظ مع صحافيين ومعارضين للجماعة داخل قاعة المحاكمة.
واستدعى رئيس الجلسة محامين من هيئة الدفاع إلى داخل غرفة المداولة أثناء رفع الجلسة، كما خرج المتهمون من قفص الاتهام عبر مخرج خلفي لحين عودة المحكمة للانعقاد مجددا.
وبعد نحو دقيقتين من استئناف جلسة المحاكمة تجددت الهتافات الرافضة للمحاكمة، ورد عليها المدعون بالحق المدني واصفين مرسي وقيادات الإخوان الآخرين بـ«الخيانة».
وعقب رفعه الجلسة للمرة الثانية، لم يعد المستشار يوسف إلى القاعة مجددا. وأعلن سكرتير الجلسة قرار تأجيل المحاكمة، إلى 8 يناير المقبل، لتمكين المتهمين من لقاء فريق دفاعهم والاطلاع على الأوراق، كما تقرر إيداع مرسي سجن برج العرب بالإسكندرية، ونقل باقي المتهمين إلى مجمع سجون طرة (جنوب القاهرة).
وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء هاني عبد اللطيف، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «الرئيس السابق في طريقه إلى سجن برج العرب في مروحية تابعة للجيش»، مشيرا إلى أن الداخلية هي التي فضلت إيداع مرسي سجن «برج العرب». وأضاف عبد اللطيف أن القرار جاء لفصل مرسي عن باقي القيادات الإخوانية، ولإمكانية تأمين سجن برج العرب، نافيا إيداع مرسي في مستشفى سجن برج العرب، مؤكدا أنه سيلقى معاملة أي نزيل آخر داخل السجن.
وبينما سعى قادة الإخوان لاستغلال المحاكمة سياسيا، بالتأكيد على شرعية الرئيس السابق، بددت المظاهرات المناصرة لمرسي والتي وصفت بـ«الهزيلة» من رمزية رفض مرسي وقائع محاكمته، وبينما توقع المصريون زحف أنصار جماعة الإخوان بكثافة إلى مقر محاكمته، تجمع المئات في عدة أماكن بالقاهرة، وفي مدن أخرى.
وقال شهود عيان إن أنصار مرسي اعتدوا على صحافيين ومراسلي قنوات فضائية أمام مقر المحاكمة في أكاديمية الشرطة، كما اشتبكوا مع مؤيدين للجيش أمام دار القضاء العالي بوسط القاهرة. وتظاهر المئات من أنصار الإخوان أيضا في محيط المحكمة الدستورية العليا، بالقرب من سجن طرة، حيث كان مقررا أن تقام جلسة محاكمة مرسي في معهد أمناء الشرطة قبل تغيير مفاجئ أعلن عنه أول من أمس.
وشهدت الإسكندرية، وهي المدينة التي نقل إليها مرسي، اشتباكات أيضا بين أنصاره ومعارضيه، مما دفع قوات الأمن للتدخل، وإطلاق قنابل مسيلة للدموع باتجاه أنصار الرئيس السابق. وقال شهود عيان ومصادر طبية ميدانية إن تسعة على الأقل أصيبوا خلال الاشتباكات التي شهدتها مظاهرات أنصار مرسي في محيط مجمع محاكم الإسكندرية للاحتجاج على محاكمة مرسي. وقالت مصادر أمنية في الإسكندرية إن عناصر الأمن ألقت القبض على نحو 35 من أنصار الرئيس السابق، حاولوا الاعتداء على معارضين لجماعة الإخوان، وأثاروا الشغب خلال تظاهرهم.
وأصدر تحالف دعم الشرعية ومناهضة الانقلاب، وهو تحالف لقوى إسلامية تقوده جماعة الإخوان المسلمين، بيانا حيا فيه ما وصفه بـ«صمود الرئيس المختطف في وجه الانقلابيين». وتابع البيان «يؤكد التحالف الوطني أن رفض الرئيس مرسي إجراءات المحاكمة الباطلة، وإصراره على ارتداء الزي الرسمي (الحلة المدنية) ورفض ارتداء ملابس الحبس الاحتياطي، والتلويح بإشارة رابعة، ضاعف من شعبيته التي أصبحت رمزا عالميا للحرية والصمود وأيقونة للديمقراطية التي تعبر بصدق عن إرادة الشعوب».
وأضاف بيان التحالف أن «مد أجل القضية لمدة شهرين يؤكد خشية الانقلابيين من استمرار الحشود الهائلة التي خرجت لرفض المحاكمة وعجز قادة الانقلاب عن إيجاد مبرر ﻹقناع الشعب بهذه المحاكمة الباطلة»، داعيا إلى تنظيم مظاهرة حاشدة اليوم (الثلاثاء) تحت شعار «العالم يحيي صمود الرئيس».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.