المخرج الأميركي جيم جارموش (والبعض ينطقها يارموش على أساس إرجاع الحرف J إلى أصل أوروبي) لديه فيلم جديد بعنوان «فقط الأحباء بقوا أحياء» بوشر بعرضه في الصالات المتخصصة التي تستقبل عادة الأفلام المستقلة والمختلفة والتي يبرز فيها جهد المخرج المختلف.
إذ بوشر بعرضه في الحادي عشر من هذا الشهر، تابع المخرج انزلاق الفيلم من المركز المتأخر الذي احتله في قائمة العشرة الأولى في «شباك التذاكر» إلى مركز متأخر أكثر. في الواقع، مجموع ما حصده الفيلم حتى الآن لا يزيد على 300 ألف دولار من 53 صالة أميركية. ولا توجد معلومات بعد عما سينجزه الفيلم من إيرادات عالمية، لكن تبعا للفيلم، وتبعا لأسباب عضوية مهمة، لا يمكن توخي أي نجاح متميز لهذا العمل.
إنه الفيلم التاسع عشر لمخرج بدأ العمل سنة 1980 بفيلم عنوانه «عطلة دائمة» حول شاب (كريس باركر) يجول شوارع نيويورك بحثا، كما يقول تعليق الفيلم، عن «معنى للحياة». أعلى أفلامه إيرادا كان «زهور محطمة» سنة 2005 إذ أنجز قرابة 14 مليون دولار. ولو جمعت الأفلام التي حققها حتى اليوم وما جمعته من إيرادات كلية (نحو 32 مليون دولار) لكان متوسط إيراد الفيلم الواحد نحو مليوني دولار بقليل.
* من أيام اللورد بايرون
بعضنا يعتبر أن حديث الإيرادات ليس مهما على أساس أن تقييم المخرج عليه أن ينحصر في تقييم الناقد لأفلامه وليس لصداها بين الناس. لكن هذا ليس صحيحا فهي تتوجه إلى الناس مهما اختلفت وخرجت عن السائد من المواضيع وأساليب السرد ومهما كانت ذاتية. من ناحية أخرى، فإن تقييم مهنة مخرج ما يرتبط بما إذا استطاع إيصال فكره وفنه إلى الجمهور، بصرف النظر عن حجمه، أو لا. لكن حين ينجز المخرج نجاحا متفاوتا (ولو بالمقارنة مع أترابه من المخرجين المختلفين) ثم يطرح للتداول فيلما لا يستطيع التقاط العدد المحدود من مشاهديه المعتادين، فإن السؤال حول ما الذي يحدث له يصبح من الأهمية بحيث لا بد من النظر إلى كل زوايا أعماله السينمائية بحثا عما حققته وما إذا كان تراجع مستوى الاهتمام به والإقبال على عمله الأخير مرادفا لذلك المستوى المنحسر.
«فقط الأحباء بقوا أحياء» هو فيلم رومانسي بلا حب. هو عن عاشقين (توم هدلستون وتيلدا سونتون) يعيشان، منذ قرون، في بيت عتيق. هما مصاصا دماء (فامبايرز) في عالم كئيب ليس داخل منزلهما فقط، بل تحسه كئيبا، من دون أن تراه، خارج المنزل أيضا. جارموش لا يكترث للخروج من هذا المنزل لأنه معني بفكرته التي تتمحور حول كيف يمكن لعاشقين الحياة في زمن مختلف. لا يريدك أن ترى أوجه الزمن المختلف لأنه يعلم أنك تعرف ذلك الزمن. سيستغل الساعة والنصف أو نحوها لالتقاط تفاصيل الحياة بينهما. إنه لقاء متجدد بدأ في القرن السابع عشر وتجدد سنة 1868 حسب صورة التقطت لهما عندما تزوجا - للمرة الثالثة - أيام اللورد بايرون ووليام شكسبير (ولو أن أدام يفضل عليه الشاعر كريستوفر مارلو).
لا شيء كبيرا (أو كثيرا أيضا) يقع وتعتقد أن الفيلم سينتهي من دون قضية، لولا أن الاستهلاك الدموي يكاد ينضب، ليس لأن الناس أصبحت بلا دم، لكن لأن الدماء باتت ملوثة، والعاشقان (لجانب شقيقة المرأة كما تؤديها ميا وازيكوفسكا) عليهما البحث عن دماء نقية ولو في طنجة (ينتهي الفيلم هناك).
بالتأكيد ليس أفضل أفلام جارموش، لكنه ما زال يحمل كل مكونات سينماه. قد تفضل عليه «قطار الغموض» (1989) و«رجل ميت» (1995) و«كلب شبح: طريقة الساموراي» (1999) و«زهور محطمة» (2009)، لكن من دون أن تهمل سمات هذا الفيلم. كل ما في الأمر أن المخرج (61 سنة) بات أكثر دكانة مما كان عليه سابقا.
* فرسان مستقلون
جارموش ليس وحيدا في مصيره. مثل بطليه يبقى حيا لأنه يحب السينما التي يحب. تلك المختلفة عن المتوقع وغير المطروقة. لكن الظروف اليوم ليست مواتية. لم يعد هناك دم ناق للسينما المستقلة ولم يعد هناك الجمهور المتكاتف لها كما كان الحال حين بدأ. هذا المصير يحيط بعدد آخر من المخرجين الذين شقوا مهنتهم في السينما على أعتاب الطريق الذي شقه روبرت ألتمن وجون كازافيتيز ومارتن سكورسيزي وفرنسيس فورد كوبولا (هذان الأخيران بدآ كمخرجين مستقلين ثم أنتجها سينما الاستوديوهات قبل أن يبقى سكورسيزي فيها وينصرف عنها كوبولا).
هناك جون سايلس الذي يواصل تحقيق أفلام لا يشاهدها أحد، مثل «الحقيبة المكسيكية» و«الطبيعيون» و«اذهب صوب الشقيقات» (وكلها في السنوات الأربعة الأخيرة) وديفيد لينش المعتكف عن العمل ولو أنه يمضي الوقت في الرسم وتأليف الموسيقى. وهناك المنسي والغارب الآن رودولف والمقل نيل لابوت والمختفي كريغ أركادي.
مثل ديفيد لينش، فإن جيم جارموش لديه أسلوب صعب الإنجاز وصعب الوصول. مثل هؤلاء جميعا، لم يمنعه ذلك من احتلال مكانته العالمية كمخرج يتحدى السائد ويكون من مرايا البال أعماله المختلفة والمثيرة للاهتمام سواء حققت جل ما تأمل تحقيقه فنيا أو تعثرت قليلا.
* لمن الفيلم؟
* هناك سبب آخر يمنع جارموش من الإكثار من إنجازاه كشف عنه المخرج المستقل الآخر ألكسندر باين في حديث تم معه خلال ترشيح فيلمه الأخير «نبراسكا» إلى الأوسكار، إذ قال إنه بالإضافة إلى متاعب السوق، هناك حقيقة أن جارموش يصر على مموليه أن يحتفظ بحقوق الفيلم كافة. إزاء ذلك فإن الممولين هم الذين يضعون المال ولا يملكون النتيجة.





