الحركة التي غيرت أوروبا... والعالم

«الحداثة: مقدمة قصيرة جدًا» لكريستوفر باتلر بالعربية

لوحة «غورنيكاف» لبيكاسو.. نموذج لصراع الحداثة مع الفن «الواقعي»
لوحة «غورنيكاف» لبيكاسو.. نموذج لصراع الحداثة مع الفن «الواقعي»
TT

الحركة التي غيرت أوروبا... والعالم

لوحة «غورنيكاف» لبيكاسو.. نموذج لصراع الحداثة مع الفن «الواقعي»
لوحة «غورنيكاف» لبيكاسو.. نموذج لصراع الحداثة مع الفن «الواقعي»

صدر عن مؤسسة «هنداوي» بالقاهرة كتاب جديد يحمل عنوان «الحداثة: مقدمة قصيرة جدا»، للناقد كريستوفر باتلر، ترجمة شيماء طه الريدي. يضم الكتاب أربعة فصول وثبتًا بالمراجع والقراءات الإضافية ومصادر الصور.
جدير ذكره أن اهتمام باتلر في هذا الكتاب ينصبّ على الحداثة في الأدب والفن والموسيقى بشكلٍ أساسي ولم يتتبعها في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. كما لم يذهب زمنيًا أبعد من القرن العشرين بينما تعود إرهاصات الحداثة إلى أبعد من هذا التاريخ بخمسة قرون بدءًا باختراع الطابعة المتحركة عام 1447، وما تلاها من ثورات كبيرة غيّرت وجه العالم في أوروبا وأميركا. فالحداثة التي يتناولها باتلر هي حداثة فنية وثقافية في جوهرها تركِّز على «الذات» دون أن تهمل «الموضوع»، كما أنها لا تجد حرجًا في التلاقح مع السياسة، خصوصًا في الفصل الرابع والأخير من الكتاب.
يتناول الفصل الأول ثلاثة أعمال إبداعية وهي رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، ولوحة «المدينة» لفرناند ليجيه، و«أوبرا البنسات الثلاثة» لبرتولد بريخت، وموسيقى كورت فايل. وهذه الأعمال تكاد تشكِّل قطيعة مع الماضي. فـ«يوليسيس» تجمع بين التقنيات التجديدية والأفكار الحداثية. أما لوحة «المدينة» 1919 فهي تسجّل غيابًا كاملاً للطبيعة وحضورًا طاغيًا للحياة المدينية. لعل أهم ما في هذه اللوحة هو «الشكل الراقي» الذي يقف في مواجهة «المضمون الشعبي المتدني» ويتضادد معه. بينما تقدّم «أوبرا البنسات الثلاثة» منظرًا تغريبيًا مخالفًا لما اعتدناه حيث يتخلى المؤلف عن شخصيات الملوك والأمراء ليركِّز على الإنسان العادي، كما يهمل الأوبرات الفخمة ليحتفي بالألحان الشعبية والتراتيل الكنسية. تركِّز هذه الأعمال الثلاثة على الحياة في المدينة، وإن اختلفت التقنيات المتبعة، فأسلوب «يوليسيس» السردي، كما يذهب الناقد الكندي هيو كينر، سيوازي أسلوب «الأوديسة» لهوميروس لكن أبرز الأشياء التي يحققها جويس في هذه الرواية «هو تنظيم خرافي وتاريخي أيضًا للسرد» (ص10) إضافة إلى المقارنات التاريخية بين الثقافات، والتزامن، والمحاكاة الساخرة. أما التضاد في الفنون غير القولية كالرسم والموسيقى فيتمثل بالشكل الفخم الذي يقف بمواجهة المضمون الهابط. ويخلص إلى القول إن الأفكار المتعلقة بالنفس والخرافة والعقل الباطن التي أخذها الحداثيون من نيتشه وفرويد ومارينيتي وأينشتاين هي التي تصنع الثورات الثقافية.
يتمحور الفصل الثاني على «الحركات الحداثية» التي قدّمت مفاهيم إبداعية جديدة في الأدب والفن والفكر وكان شرطها الأساسي هو الحرية، وشعارها هو استعمال العقل الأمر الذي منح الذات قِدْحها المعلّى؛ فلا غرابة إذا انفصل الأديب أو الفنان عن مجتمعه وعاش على الهامش متبعًا في ذلك تقليد القرن التاسع عشر المناهض للبرجوازية كما فعل فلوبير وإبسن وإليوت.
يلفت باتلر انتباه القرّاء إلى أن الفنانين الحداثيين لم يسلطوا الضوء على أفكارهم ولم يشرحوا مقاصدهم «فقد ابتكر بيكاسو وبراك الحركة التكعيبية دون أن ينبسا بكلمة واحدة توضيحية عنها» (ص20). لكن هذا الأمر يختلف في الجانب الأدبي؛ فعندما قرأ باوند وإليوت الحلقات الأولى من «يوليسيس» في النسخة المطبوعة، أدركا أن التوازيات بين الماضي والحاضر يمكن أن تكون متاحة من خلال الإشارات الضمنية، بل إن هناك استعدادًا لتعديل أعمال الماضي كما شاع لدى جويس وبيكاسو وسترافنسكي وتوماس مان.
يُذكِّرنا باتلر بأهمية تحرر الرسم من تجسيد «اللون المحلي الحقيقي»، كما في أعمال كوخ وماتيس و«تبسيط الشيء في الرسم» (ص22) وقد تحيلنا لوحات ماتيس إلى الفن البدائي الذي يشبه فن الأطفال كثيرًا، فهذا الأخير لا يجسِّد ما تدركه العين وإنما يقدِّم تصورًا ذهنيًا للشيء. ثمة إشارات نقدية متعددة إلى أهمية الخرافة في هذا الكتاب، فقد كان الأسلوب الخرافي «خطوة نحو جعل العالم الحديث ممكنًا للفن» (ص48). كما وجد إليوت الأسلوب الخرافي مشابهًا لاكتشافات آينشتاين لذلك اتجه إلى ثقافة الأفكار بحثًا عن مفهوم للخرافة التي تتسم في جوهرها بالإشكالية والجدلية.
يناقش الفصل الثالث موضوع «الفنان الحداثي» ويتمحور في قسم كبير منه على ثلاثة مبدعين كبار، وهم جويس وولف وإليوت، لكننا سنقتبس مقطعًا مهمًا من رواية «الغثيان» لسارتر حيث يقول الراوية: «إن الإنسان دائمًا هو سارد حكايات، وهو يعيش مُحاطًا بقصصه وقصص الآخرين، وهو يرى عبرها ما يحدث له، ويسعى لأن يعيش حياته كما لو أنه يحكيها، ولكن لا بد أن يختار بين أن يعيش أو أن يحكي» (ص62). تعتبر السريالية حركة حداثية مهمة جذبت إليها العديد من الأدباء والفنانين لكن باتلر اختار فيلمًا سينمائيًا سرياليًا مهمًا اسمه «كلب أندلسي» تعاونَ في إنجازه بونويل وسلفادور دالي اللذان عولا كثيرًا على الأحلام والصور الذهنية. فدالي حلم بـ«حشد غفير من النمل على يديه»، بينما حلم بونويل بأنه «يقطع عين أحد الأشخاص إلى نصفين» (73) وهكذا انبنى الفيلم من الأفكار الحلمية الأولى التي قفزت إلى رأسيهما وأفضت بهما إلى هذا الفيلم السريالي الناجح الذي أثنى عليه أندريه بريتون ونال إعجاب المتلقين.
يركز الفصل الرابع والأخير على «الحداثة والسياسة» وسنكتفي بتسليط الضوء على بعض الأمثلة الرئيسية، مثل نظرة هتلر أو النازيين عمومًا إلى الفن الحداثي الذي يعتبرونه «منحطًا»، وغايتهم في ذلك هي إبعادهُ عن الذاتية والتجريب وتوجيهه نحو التعبير عن الأفكار الجماعية بحجة «أن الحشود الغفيرة... لا يمكنها تعلّم شيء من الأدب الطليعي لما يشوب رؤيته من غلوّ في الذاتية والارتباك والتشوّه» (ص83)، بينما كان النظام السوفياتي السابق يطالب بواقعية اشتراكية تنأى عن الفردية البرجوازية والشكلية. ثمة آراء غريبة لهتلر بالفن الحداثي لا يمكننا الوقوف عندها جميعًا؛ فهو يصف رموزه بـ«المنحلين والفاسدين والمشوِّهين» ووعد الناس بالقضاء عليهم ومحوهم فلا غرابة أن يعلن غوبلز عام 1937 «إلغاء النقد الفني»، خشية أن يسلط الضوء على عظمة هذا الفن الحداثي الذي يتسم بالتحررية، والنزعة الفردية المتمردة على التقاليد.
يتوقف باتلر طويلاً عند جدارية «الغورنيكا» التي استعمل فيها بيكاسو بشكل عميق ومؤثر «التقنيات الحداثية التلميحية والخرافية والمشوِّهة للشكل» (ص98) كما تتضمن هذه الجدارية أيقونات مبهمة وضخمة تمثل رائعة من روائع التلميح الضمني المعقد، ويعكس سخطها المعنوي على الغارات النازية التي أرهبت السكّان المدنيين. تبدو الرمزية الخرافية في غاية التباين والتناقض في هذه الجدارية التي يمكن قراءة مفرداتها التشكيلية قراءات متنوعة، فيما يتعلق برموز الثور والحصان والنساء وما إلى ذلك. فالثور قد يرمز إلى القوة، أو يشير إلى الحياة الذكورية، وقد يرتبط الحصان بالخرافات الإسبانية للتضحية في حلبة مصارعة الثيران، وقد يستدعي حضور النساء الحزينات الصلب المسيحي.
إنها، باختصار شديد، نموذج لصراع الحداثة مع الفن الواقعي. وبما أن الناقد كريستوفر باتلر يُولي الخرافة جزءًا كبيرًا من اهتمامه فلا غروَ أن يعود إلى «يوليسيس» مرة أخرى ليصفها بالعمل الخرافي الذي ينتمي إلى الكلاسيكية الجديدة لكنه يقرنه دائمًا بالشمولية والتجريب.
لا أحد يشك بقدرة الناقد باتلر في تتبع المنحى الحداثي في الأدب والفن لكن ما ينقص هذا الكتاب النقدي الهام هو الوقوف عند بعض المفكرين الذين مهدوا للحداثة، وعلى رأسهم هيغل وديكارت ولايبنتز وإيمانويل كانت.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.