مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

أكرم شعبان يؤكد لـ «الشرق الأوسط» تبني القناة لغة حيادية قدر الإمكان

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر
TT

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

استطاع المصري أكرم شعبان طوال سنوات عمله الـ18 مع مؤسسة «بي بي سي» البريطانية أن يتدرج في المناصب القيادية داخل مقر المؤسسة في لندن وصولاً إلى توليه مكتبها بالقاهرة.
وهو يقدم برنامجًا حواريًا أسبوعيًا (بتوقيت مصر) حقق نجاحًا كبيرًا في الشارع المصري، من خلال المقابلات الجريئة التي يجريها، والقضايا المصرية الحساسة التي يطرحها، لا سيما مقابلته مع السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة. وهو يقود العمل الإعلامي الإلكتروني والإذاعي والتلفزيوني في مكتب المؤسسة البريطانية في القاهرة، مع فريق مكون من 103 إعلاميين... وفيما يلي حوار معه عن تجربته مع «بي بي سي»:

* كيف بدأت مسيرتك الإعلامية؟ وهل كانت في الصحافة أم التلفزيون؟
- تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة، شعبة إذاعة، عام 1994، وعملت في قناة المعلومات المرئية مترجمًا، ثم في قطاع إنتاج التلفزيون رقيبًا، ثم التحقت بإذاعة الشرق الأوسط مذيعًا عام 1996، ثم تقدمت للالتحاق بإذاعة «بي بي سي» عام 1999. وهناك، قدموا لي عرضًا للعمل في لندن، وما زلت حتى الآن في «بي بي سي»، وقد تدرجت من منتج أخبار إلى قائد فريق عمل إلى «Newsroom Editor» في الإذاعة، وعملت مذيعًا ومقدمًا للبرامج الإخبارية. وحينما فتحت وظيفة مدير مكتب «بي بي سي» بالقاهرة، وجدتها فرصة جيدة للعودة لمصر، وكان ذلك بعد أيام من عزل محمد مرسي. وبالفعل، منذ 3 سنوات ونصف السنة، أتولى المكتب، وأقدم برنامج «بتوقيت مصر» الأسبوعي منذ عامين ونصف العام، بالمشاركة مع زملاء آخرين.
*تدرجت إذن في جميع فروع العمل الإعلامي، فأي منها تعتبره الأقرب إليك؟
- أنا من عشاق الراديو لأن متعته تكمن في أن الإعلامي يعكف على كل مراحل إنتاج المادة؛ إعدادها وتحضيرها وترجمة التقرير وتحريرها وعمل المونتاج وكتابة مقدمة لها، ويكون الإعلامي متحكم في كل شيء في المنتج الإعلامي؛ إني اعتبر الراديو أو الإذاعة مدرسة كبيرة جدًا، وهو الأقرب إلى قلبي. أما التلفزيون، فهو عمل جماعي يكون الإعلامي فيه ترس من التروس التي تعد العمل على الهواء، والنجاح مرتبط بفريق العمل وكل عنصر فيه، ولكن أنا فخور بتجربتي بوصفي مقدم برامج، ونجاح البرنامج، وتفاعل الجمهور معه.
* هل تعتبر التفاعل المباشر مع الجمهور عبر الـ«سوشيال ميديا» أمر إيجابي أم عنصر ضغط؟
- هي وسيلة مهمة، وفرصة إضافية واسعة للتواصل مع فئة الشباب، لأنه نادرًا ما نجد شابًا يتصفح الجرائد أو يتابع الراديو، ونحن في «بي بي سي» لدينا كتاب أسلوب يحدد المعايير التي تحكم علاقة الصحافيين بها، وكان لنا السبق بين الوسائل الإعلامية في عمل صفحات لكل البرامج وجميع الفقرات للتواصل مع الجمهور، والتعرف على استفساراتهم، ولكي نصل لقطاع كبير من الشباب المستهلك للـ«سوشيال ميديا»، ونحن نحرص على نشر مقاطع من برنامج «بتوقيت مصر». وبشكل شخصي، أنا حريص جدًا على التواصل مع الجمهور بشكل مباشر، وأسعد بكل التعليقات الناقدة قبل المشيدة لكي أبني عليها، ولكي يمكن لفريق العمل أن يحسن المنتج الإعلامي.
* ما المحاذير التي حددتها «بي بي سي» لتعامل الصحافيين مع الـ«سوشيال ميديا»؟
- أولها، ألا يعلن الصحافي عن رأيه بشكل مباشر في القضايا الشائكة والخلافية، وعدم تبني وجهة نظر معينة عبر الـ«سوشيال ميديا» حتى لا تضر بمصداقيته عبر الشاشة، لأننا ملتزمون بفكرة الحيادية والموضوعية. وأيضًا، إلى جانب القواعد العامة، عدم التحريض على العنف أو الكراهية على أساس الجنس أو الدين أو اللون. وبالطبع، السب والقذف، وعدم نقل أو مشاركة خبر يحتوي على ذلك.
* هل ترى أن «صحافة المواطن» ساهمت في مزيد من المصداقية للمؤسسات الإعلامية أم العكس؟
- لدينا برنامج «أنا الشاهد»، وهو قائم بشكل أساسي على تصوير تقارير من قبل المواطنين في أي مكان في العالم، فأي إنسان حتى لو كان في مجاهل أفريقيا ومعه كاميرا موبايل، بإمكانه أن يكون مراسلاً عبر شاشتنا، ولكن «بي بي سي» من أعمدتها الأساسية الدقة والحيادية والموضوعية، ونتعامل بحذر كبير مع كل ما يرسل لنا قبل مجرد التفكير فيها، والتيقن من أن كل شيء يسير بشكل دقيق، لأنه في كثير من الأحيان تنتشر على الـ«سوشيال ميديا» أشياء ليس لها واقع على الأرض.
* ما القصة الإخبارية التي تعتز بها؟
- هذا سؤال صعب. ولكن أعتبر برنامج «بتوقيت مصر» جاء في توقيت مناسب جدًا، حيث كان في مصر استقطاب شديد جدًا في الإعلام المصري، وما زال، ما بين معسكر «25 يناير» و«30 يونيو» و«الإخوان». وقد استطعت في البرنامج تقديم مجموعة مقابلات حصرية ومختلفة، ولم يكن متاحًا لأي قناة سوى «بي بي سي» أن تقدمها، ومنها مقابلتي مع السفير الإسرائيلي السابق في مصر الذي دعاه النائب توفيق عكاشة لمنزله، التي أثارت ضجة كبرى وقتها. وحينما رفض عكاشة الحديث عن الواقعة، فكرنا لماذا لا نقابل السفير؟! أي مؤسسة إعلامية أخرى لم تكن تجرؤ على التواصل مع السفارة الإسرائيلية للتنسيق للمقابلة، وقد كان لهذه المقابلة أصداء واسعة. وأيضًا مقابلة هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، بعد قرار عزله، كان لها ردود فعل قوية جدًا، على مستوى الجمهور أو وسائل الإعلام العربية والعالمية، لأن الجميع يعرف أننا لا نعمل لحساب أحد، ولكن نعطي فرصة لكل الأطراف للتعبير عن وجهة نظرها.
* أحيانًا يلوم البعض على «بي بي سي» أن لها توجه ضد مصر... خصوصًا بعد «30 يونيو».
- إطلاقًا، لأنه مثلاً «بي بي سي» لا تقول عما حدث في مصر أنه «انقلاب»، ولا تقول عنه أنه «ثورة»، لأنه كان هناك خلاف، وكان لا بد أن نكون حياديين، فقلنا «مصر بعد 30 يونيو» أو «مصر بعد 3 يوليو». ومثلاً، في تغطية الأحداث في فلسطين، لا نقول عن عمليات الفصائل الفلسطينية «عمليات استشهادية» ولا «عمليات إرهابية»، ولكن نقول عليها «هجمات»؛ نحن نتبنى لغة حيادية قدر الإمكان. وهناك سوء فهم كبير جدًا فيما يخص عمل «بي بي سي» لأنها ممولة من الشعب البريطاني، وهو من يدفع ميزانية المؤسسة من خلال ضريبة التلفزيون، وكل بيت في بريطانيا يدفع ضريبة نحو 146 جنيهًا إسترلينيًا، وتنفق منها «بي بي سي» بهدف الإعلام والترفيه والتثقيف. بكل صراحة، أعمل 18 سنة في «بي بي سي»، ولم يتصل بي أحد ليملي ما يجب عليّ فعله، وإنما كلنا نسير وفق المعايير الإعلامية للمؤسسة، وبالتأكيد كل مؤسسة بها أخطاء من وقت لآخر، ولكن نحن نعتذر عن أي أخطاء نرتكبها، ونوجه الزميل الذي ارتكب الخطأ، وإذا كان بحاجة لتدريب نوفر له ذلك لأنه في النهاية هذا جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب.
* هل تجد نفسك أحيانًا في صراع بين كونك مصريًا وتعمل لحساب مؤسسة أجنبية؟
- إطلاقًا، بل أصبح الحياد أو الموضوعية جزءًا من تكويني الشخصي حتى في أصعب اللحظات بعد ثورة 2011، وكانت المشاعر حينها مضطربة، وكنت في غرفة الأخبار الرئيسية في لندن، وكنا نعمل 24 ساعة لتغطية الأحداث المتتالية؛ كنا نحرص على الحديث لكل الأطراف من شباب في الميدان أو المقربين من نظام مبارك أو الإخوان بهدف توضيح الصورة والمعلومات أولاً بأول للناس، دون أي آراء شخصية. وكنا نسمع أن البلد تنهار، وأن هناك أناسًا تموت، ولكن كنا حريصين على أن نقدم عملنا بعيدًا عن أي مشاعر شخصية.
* هل تعتبر أن فترة ثورة يناير أصعب فترة مرت عليك في المجال الإعلامي؟
- أعتقد ذلك لأن الأمور كانت تتطور كل ساعة، وكانت الثورات مشتعلة في كل أنحاء العالم العربي؛ في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن ضد الأنظمة والديكتاتوريات العربية، وخلق هذا ضغطًا رهيبًا جدًا على جميع غرف الأخبار في العالم، وكان لدينا عجز في فريق العمل، من حيث العدد في «بي بي سي»، ولكن تمكننا من نقل الصورة بكل دقة، وبأكبر قدر من الموضوعية.
* برأيك، لماذا لا توجد قناة مصرية تنافس القنوات الإخبارية العالمية أو العربية؟
- الإعلام المصري يعاني من أزمات كثيرة جدًا، ومن دخول عناصر ليست على مستوى المهنة، ويعاني من مشكلات مالية رهيبة، وهناك تداخل رهيب بين الإعلان والإعلام، وأصبح الإعلان هو الذي يقود الإعلام، ولا بد من وجود فصل تام، وأيضًا أن يكون هناك فصل بين الإدارة والملكية، فهو تداخل مخل أدى لوجود إعلام رجال أعمال له مواقف معينة، بعيدًا عن الموضوعية والقواعد والضوابط الحاكمة للعمل الإعلامي.
* بالنسبة لقانون تنظيم المؤسسات الإعلامية الجديد الذي سيتم صياغته، هل ترى أنه سيكون مفتاح الحل؟
- بحسب اللقاءات التي أجريتها مع عدد من الخبراء والمتخصصين، أعتقد أنه لا يوجد تفاؤل كبير، وهناك قلق كبير بخصوص إمكانية تقييد حرية الإعلام، ولكن ربما يجب الانتظار لرؤية كيفية تطبيق القانون ونتائجه على الأرض.
* هل لديك قدوة في مجال العمل الإعلامي؟
أعتقد أنني تأثرت جدًا بالمذيع جيمي ميتاكسمان، ومذيع في القناة الرابعة بالتلفزيون البريطاني يدعى جون سنو، وكنت من المتابعين لهما، وأُعجبت بالحرية التي يتمتعان بها في طرح الأسئلة. ولكن أعتقد أن كل فرد بتجربته ومشواره المهني يخلق بداخله معلمه الخاص لأنني في أثناء المسيرة وجدت أشخاصًا أخطأوا أخطاء كبيرة، ويمارسون انتهاكات صارخة في حق المهنة، ودائما أحمد الله على أنني لم أرتكبها.
* ما النصيحة التي توجهها للمراسلين البريطانيين في أثناء عملهم في مصر؟
بشكل عام، نحن نعمل بحرية تامة في مصر، ولا توجد علينا أي ضغوط، ونمارس عملنا بحرية تامة في إطار القواعد والضوابط الحاكمة لعملنا، ونقول ما نقول بكل دقة، وعلاقتنا بالسلطات المصرية علاقة جيدة جدًا. صحيح أننا نختلف معهم بين الحين والآخر، لكنهم يعرفون أننا نعرض الرأي والرأي الآخر. ودوما أقول للزميلة المراسلة الإنجليزية التي تغطي أحداث مصر أنه ما دمنا نؤدي عملنا بالمهنية والدقة والتوازن والحرفية المطلوبة، فإنه لا داعي للقلق.
* ما أهم قاعدة تنطلقون منها في عملكم؟
- أهم قاعدة لدينا «الصحافي أهم من السبق»، ودائمًا ما أحرص على الإنسان أو الصحافي، خصوصًا في مناطق الاشتباكات أو العنف أو المظاهرات، وألا يضع نفسه أبدًا في طريق الخطر، وألا يعرض نفسه أو فريقه لأي خطر من أجل السبق، لأن الأهم هو الإنسان.
* من خلال خبرتك الإعلامية، كيف كنت ستتصرف لو كنت في المؤتمر الصحافي الأول لترامب؟
- أعتقد أنه لا يوجد ما يمكن أن يمنع الصحافي من أداء عمله، وجميعنا نحاول أن نؤدي دورنا وسط ظروف صعبة حيثما كنا، وأينما كنا، وفقًا لما يمليه علينا ضميرنا، وخصوصًا في الوطن العربي حيث إن هناك أوضاعًا سيئة، ولكن في النهاية الصحافي يجب أن يؤدي دوره بغض النظر عن أي شيء.
* كيف توازن بين عملك الإعلامي بوصفك مدير مكتب ومقدم برنامج وحياتك الشخصية؟
أعمل من 8 إلى 10 ساعات في المكتب، ويومي يبدأ من العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساء، ودائمًا ما أتابع العمل من المنزل، عبر نظام البريد الداخلي. ولديّ نحو 103 صحافيين من أفضل الصحافيين؛ على أعلى مستوى من الكفاءة. وكلنا مع فريق لندن نعزف في أوركسترا واحدة لتقديم أفضل منتج تلفزيوني وإلكتروني وإذاعي.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.