ردود فعل متباينة بعد تنصيب ترمب رئيسًا للولايات المتحدة

تطابق روسي وحذر ألماني وإعجاب يميني أوروبي وسط تكهنات للسياسة الأميركية الجديدة

الرئيس الروسي بوتين (رويترز) ... رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي (أ.ب)
الرئيس الروسي بوتين (رويترز) ... رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي (أ.ب)
TT

ردود فعل متباينة بعد تنصيب ترمب رئيسًا للولايات المتحدة

الرئيس الروسي بوتين (رويترز) ... رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي (أ.ب)
الرئيس الروسي بوتين (رويترز) ... رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي (أ.ب)

لم تمر أيام عدة على تنصيب الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، إلا وبدأت ردود الفعل العالمية تتفاعل مع المشهد الجديد والذي يتصدره رئيس أقوى بلدان العالم.
ردود الفعل جاءت متفاوتة ومغايرة ولكن في مجمل الأمور هناك محاولات للتقرب للرئيس الجديد وفتح صفحة جديدة، إلا أن الإدارة الأميركية الجديدة لديها مجرد ساعات في المكتب البيضاوي وحتى الآن ليس لدى العالم سوى الانتظار ومتابعة التحولات الجديدة في السياسات الأميركية.
الأحزاب اليمنية الشعبوية الأوروبية والتي اجتمعت في ألمانيا أعربت عن تحمسها لتولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة. خلال مؤتمرها في كوبلنتس غربي ألمانيا أمس السبت من جانبها، قالت فراوكه بيتري، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، إن ترمب أشار إلى «مخرج من طريق مسدود، وهذا بالضبط ما نعتزم فعله بالنسبة لأوروبا».
من جانبها، قالت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني في فرنسا إن بعض النقاط التي تحدث عنها ترمب في خطابه الأول، أول من أمس الجمعة، تظهر قواسم مشتركة «مع ما نقوله». من جانبه، قال خيرت فيلدرز اليميني الشعبوي الهولندي والمعروف بمعاداته للإسلام إن هذه المرحلة تعد بمثابة «الربيع الوطني».
وأعربت لوبان عن ارتياحها حيال التقارب، الذي يلوح من وجهة نظرها، بين ترمب وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
روسيا من جانبها والتي ذكرت على لسان لوبان، أبدت نيات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتصال قريبًا مع دونالد ترمب للتهنئة بتنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، وهذا ما أكده دميتري بيسكوف، المتحدث الصحافي باسم الرئاسة الروسية، في حوار على وسائل إعلام روسية، وفي حوار آخر على قناة «بي بي سي» البريطانية أكد بيسكوف استعداد الرئيس الروسي للقاء ترمب، موضحًا أن لقاء كهذا لن يكون بالطبع خلال الأسبوع القادم، لأن «الرئيس الأميركي يولي الاهتمام بالدرجة الأولى بالشؤون الأميركية (الداخلية)». وإذ لم يستبعد بيسكوف أن يتم بحث مسألة اللقاء بين الرئيسين خلال اتصال بوتين مع ترمب للتهنئة، فقد أشار في الوقت ذاته: «حتى اللحظة، للأسف، لا يوجد لدينا أي تلميحات بخصوص مكان وموعد اللقاء بين الرئيسين».
وكان بيسكوف قد حرص في تصريحاته على توضيح بعض «الحقائق الروسية» في النظرة إلى ترمب، حين وصف اعتقاد بعض السياسيين والخبراء في الغرب وروسيا بأن ترمب «رجل روسيا» بأنه خطأ كبير، مؤكدًا أن «ترمب ليس رجل روسيا، بل رجل الولايات المتحدة. إنه رئيس الولايات المتحدة الأميركية». ولم تخرج تصريحات بيسكوف هذه عن الحذر الذي تميزت به تصريحاته الأخيرة بشأن مستقبل العلاقات الروسية - الأميركية في عهد إدارة ترمب، إذ دعا بيسكوف إلى التريث «لننتظر لحظة تنصيب السيد ترمب، وبداية عمله رئيسا للولايات المتحدة، ومن ثم نقيم».
وفي لندن أشارت وسائل الإعلام البريطانية إلى أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قالت إنها ستؤكد على أهمية منظمة حلف الشمال الأطلنطي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي قالت فيه تقارير أخرى إن ترمب وماي يمكن أن يلتقيا الأسبوع المقبل. ورغم إشارة ترمب قبل تنصيبه إلى أن حلف الناتو لم يعد مفيدًا، قالت ماي لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إنها تعتقد أن الرئيس الأميركي الجديد ترمب يعترف بأهمية ومكانة الناتو، وقالت إنها واثقة من أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تعترف بأهمية التعاون مع أوروبا لضمان الدفاع والأمن المشترك. وكانت أشارت وسائل إعلام بريطانية عن أنباء لزيارة ماي تعتزم إلى واشنطن يوم الخميس المقبل، مما قد يجعلها أول مسؤولة أجنبية محتملة تجري محادثات ثنائية مع ترمب منذ تنصيبه. أما المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، فقد حثت على التعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة باحترام وعلى أساس القيم المشتركة. وخلال اجتماع مغلق لحزبها المسيحي الديمقراطي في ولاية بادن فورتمبرج، قالت ميركل إن «العلاقة عبر جانبي الأطلسي لن تكون خلال السنوات المقبلة أقل أهمية مما كانت عليه في الماضي». وأضافت أن ترمب أوضح قناعاته مرة أخرى بصورة جلية خلال خطاب التنصيب، وأكدت أن الأفضل للجميع الآن هو العمل المشترك على أساس القيم المشتركة، ولفتت إلى أن هذا الأمر ينطبق على النظام الاقتصادي والتجارة، بالإضافة إلى الدفاع أيضًا. ورأت ميركل أن «تبادل وجهات النظر باحترام» هو أفضل الطرق للتوصل إلى حلول توافقية عند اختلاف الآراء.
أما على الصعيد العربي فقد ذكر وزير الخارجية المصري سامح شكري في المؤتمر الصحافي الذي عقده اليوم عقب اجتماعات دول جوار ليبيا، ردًا على سؤال حول الاتصالات المصرية الأميركية فقال إن هناك «تعاونًا مصريًا أميركيًا لتحقيق ما يعود على البلدين من مصلحة». وأضاف أنه «كان لمصر تواصل وتشاور مع الإدارة الأميركية الجديدة قبل توليها مقاليد الأمور بشكل رسمي، ونحن ننتظر تولى الإدارة الجديدة لمسؤولياتها حتى نبدأ في حوار مكثف معها لدعم العلاقات الثنائية وتناول القضايا الإقليمية، ووضع تصور مشترك لكيفية معالجة المشكلات المزمنة القائمة ومواجهة التحديات القائمة حاليًا».
من جهته قلل رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي من أي تداعيات محتملة على الأحزاب الإسلامية. وصرح الغنوشي، بأنه لا يتعين على الأحزاب الإسلامية الشعور بالخطر مع تولي دونالد ترمب الرئاسة في البيت الأبيض. وقال إن من يشعر بالخطر إزاء سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هم الإرهابيون، وليس المسلم الملتزم بدينه والداعي إلى السلم.
أما أفغانستان والتي يلعب فيها الوجود الأميركي دورا مهما لمساعدة البلاد هناك لتحقيق التوازن السياسي ومواجهة التحديات، فقد عبر عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي للبلاد عن أمله في أن تواصل الولايات المتحدة دعمها للحكومة الأفغانية بعدما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قوات أميركية متمركزة في أفغانستان عقب تنصيبه.
وقال عبد الله في تجمع لإطلاق مسعى لجمع مساعدات إنسانية دولية لأفغانستان إنه تابع رسالة الرئيس الأميركي لجنوده في باجرامو، وهو ما يعتبر خطوة طيبة تدفع للتعاون المستمر في كل المجالات. الجدير بالذكر أن ترمب كان تحدث مع الرئيس الأفغاني أشرف عبد الغني عبر الهاتف في مطلع ديسمبر (كانون الأول) لكنه لم يقدم تفاصيل كثيرة عما إذا كان سيواصل دفع مليارات الدولارات سنويا في شكل مساعدات عسكرية وتنموية لأفغانستان، كما لم يؤكد مصير قرابة تسعة آلاف جندي أميركي ما زالوا هناك.
أما على الصعيد الشعبي فقد توجه آلاف الأشخاص بينهم غالبية من النساء أمس إلى وسط واشنطن للتظاهر ضد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، وتعكس هذه «المسيرة النسائية» الانقسام داخل المجتمع الأميركي. كما، تظاهر الآلاف من الرجال والنساء في أستراليا ونيوزيلندا، بالإضافة إلى بريطانيا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...