كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية تكتسي طابعًا ثقافيًا ضيقًا

فيرابند
فيرابند
TT

كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

فيرابند
فيرابند

لا يتبلور العلم في الفراغ، بل في محيط ثقافي وتاريخي. إنه ككل فعل وخطاب، ينجز في سياق معرفي، بفضل الفعل التعقلي في تفاعله مع الوقائع التجريبية. إن أي عرض حول طبيعة العلم وموقعه ومناهجه، يريد أن يكون «كاملا»، لا بد له ألا يغفل هذا التحليل الفريد والمتميز... إنها «الفوضوية الإبستيمولوجية»، التي تبناها الإبستيمولوجي النمساوي بول فيرابند، وما عناوين مؤلفاته إلا دليل على كونه «ظاهرة» فريدة ومعبرة عن بعض جوانب الرفض للفكر العلمي، ومآلاته في المشروع الحداثي الغربي، الذي يعتبر العلم ركنه الأساسي؛ فعناوين مؤلفاته مثلا: «ضد المنهج»، «وداعا للعقل»، «قتل الوقت»، «العلم كفن»، «كيف ندافع عن المجتمع ضد العلم»، «استبداد العلم»... عبارة عن دليل على أن هناك أزمة في الفكر الإبستيمولوجي الغربي، ومساءلة نقدية لأطروحاته ولمفاهيمه ولمناهجه ولقضاياه، إلا أن مواقف فيرابند تتميز بالطرافة والإثارة، إلى درجة أنه يصدم القارئ بالحلول التي يقدمها والبدائل التي يطرحها. إننا أمام تجل من تجليات النقد الإبستيمولوجي المعاصر، الذي يصدع الثوابت الإبستيمولوجية إلى درجة نقضها.
إن العلم في نظر فيرابند عمل فوضوي، لا يتميز عن باقي أشكال المعرفة الأخرى ولا يتفوق عليها، فهو حقل كباقي الحقول المعرفية، إلى جانب الأسطورة والسحر والدين... فليس له منهج خاص به يميزه عن أي نشاط فكري آخر، يجعله يستحق درجة أرقى مقارنة بالأنشطة الأخرى. يقول فيرابند: «العلم لا يختار بسبب تميز معين مثبت بواسطة الدليل، بل لأن كل الناس شغفوا به، نتيجة للدعاية الإعلامية والضغوط السياسية والمؤسسية، وحتى العسكرية»، بهذا المعنى، يكشف فيرابند، عن العلاقة المثبتة بين العلم والسلطة، ويشجب التحالف غير «المقدس بين العلم والعقلانية والرأسمالية»، باعتبارها مقومات الحداثة الغربية والمجتمع الليبرالي؛ فهذا الارتباط المفصلي بين العلم والدولة، جعل فيرابند يقول: «لقد تم اليوم الفصل بين العلم والكنيسة بصورة صارمة، لكن العلم والدولة ما يزالان يعملان مشتركين». إن النظريات العلمية طرق في النظر إلى العالم، والأخذ بها يؤثر على عموم اعتقاداتنا وتفسيراتنا، ومن ثم على خبراتنا ومفهومنا عن الواقع؛ بمعنى أن العلم أصبح يتحكم في أدق تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد، ويحكم سيطرته عليهم باسم الحقيقة والموضوعية، بعد أن كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر قوة تحررية. في نظر فيرابند، لا يختلف العلم عن أي نسيج ديني أو فلسفي. فهو آيديولوجيا كباقي الآيديولوجيات الأخرى، وسيف ذو حدين يمكنه أن يكون أداة للتحرر والتنوير، كما يمكنه أن يكون أداة للخراب والتدمير. فليس العلم شرط الحرية ولا خلفية ضرورية للتربية؛ إذ يمكن أن يكون أداة للغش والتزوير والكذب كذلك. ولتجاوز الصورة القاتمة التي يقدمها عن العلم والعلماء، اقترح فيرابند وصفته السحرية، التي تقتضي إخضاع العلم للرقابة الشعبية وللمؤسسات الديمقراطية، مثل ما يحدث في باقي المجالات الاقتصادية والعسكرية والدينية. يقول فيرابند: «هذا واحد من الأسباب التي جعلتني أقترح، أن نأخذ المسائل الأساسية والمسائل الإبستيمولوجية ومسائل المنهج من ضمنها، من أيدي الخبراء (أطباء وفلاسفة العلم وغيرهم) وإعادتها إلى المواطنين لحلها... سيلعب الخبراء دورا استشاريا. سيستشارون، لكن لن تكون لهم الكلمة النهائية، مبادرات المواطنين بدل الإبستيمولوجيا، هذا هو شعاري».
في إطار نقده للعلم، وتسويته بين كل القطاعات المعرفية، من دين وفن وعلم وفلسفة وأسطورة... حاول فيرابند أن يكشف عن العلاقة بين العلم والفن، واعتبر أنه لا توجد «أنشطة علمية خالصة»، ولا «أنشطة فنية خالصة»؛ فهناك ارتباط وتداخل بين النشاطين. ففي العلم، يحضر الفن، خصوصا في حالات الإبداع، إلى درجة أنه يعتبر أن كل المجالات المعرفية تجد أصولها في الفنون؛ لهذا فالتماثلات بين الفن والعلم، تظهر في كونهما لا يملكان حدودا ثابتة تمكننا من رسم خط فاصل نهائيا، لكي يجري تجاوز مرحلة الآراء البسيطة. فلا العلم ولا الفن قادران على القول الفصل بطريقة قطعية، أين تؤدي بنا فكرة ما أو منهجا محددا. إن الارتباط الحميمي بين العلم والفن، جعل فيرابند يعتبر «العلم فنا» و«الفن علما»، ويقدم مثال «الرسم» باعتباره علما مندمجا بشكل كلي وكامل، في الوحدة المكونة بواسطة العلوم الأخرى.
يثير فيرابند قضية أساسية تتعلق بالتفاعل والتداخل، بين مجالات المعرفة الإنسانية ومختلف الأنشطة المنتجة لها؛ فكل من العلم والفن يستعملان أدوات مفهومية، ويؤسسان أنساقا استدلالية بدرجات تتفاوت في القوة والوضوح والدقة، لكن فيرابند يصر على أن يطابق بينهما، متجاهلا خصوصياتهما في بناء تعقلهما.
إن الملاحظات التي يقدمها فيرابند، تثير كثيرا من التساؤلات، خصوصا حينما يرى فيها إنجازات واضعي الأسطورة في العصور الماضية، أفضل من إنجازات العلماء في العصور. وأن مخترعي الأسطورة الأوائل، بدأوا الحضارة بينما اكتفى العلماء بتغييرها. فالأساطير لها تأثير عميق على المجتمعات القديمة، حيث كانت تحمل تصورا عن الإنسان والعالم، وعن مختلف العلاقات التي كان يؤسسها، بينما العقلانية الحداثية رسخت فكرة «دونية الأسطورة»، وحملت معرفة أكثر تجريدا وأكثر انعزالا وأكثر ضيقا بكثير، ويدعو إلى تبنيها في المدارس من خلال برمجتها في الكتب المدرسية، إلى جانب الفيزياء والكيمياء وغيرهما.
إن «الإبستيمولوجيا الفوضوية توجهها فلسفة محددة وتعرف بـ(النسبانية)، أي نسبة المعرفة إلى ظروف نشأتها وتطورها وسياقاتها». لقد ثار فيرابند ضد ما يسميه العقلانية الغربية، ضد العلوم وأخلاقها، إلى درجة أنه تبنى موقفا خطيرا وآيديولوجيا نسبانية، انطلاقا منها يمكن أن نثبت «كل شيء ولا شيء». إن نسبانية فيرابند، تنكر موضوعية بعض القيم الأخلاقية، باسم التنوع والتعدد، في حين أن التنوع لا يمكن أن يكون دليلا ضد الموضوعية، ولصالح النسبانية. يمكن القول إن نسبية العلم وكذلك إطلاقيته، تؤدي إلى تصور ذاتي للقيم الأخلاقية. ويرفض فيرابند كون العلم والنسبانية يخضعان لشروط يمكن صياغتها في غياب السياقات الثقافية والرغبات الشخصية، ويقر بأن الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية، تكتسي طابعا ثقافيا ضيقا، وتعتبر إمكانا من بين إمكانات أخرى ولا داع لجعلها ذات شرعية شمولية. إن تنوع الآراء في نظره، سمة ضرورية للمعرفة الموضوعية، والمنهج الذي يشجع التنوع، هو كذلك المنهج الوحيد الذي يساير النظرة الإنسانية.
بشكل عام، إن المنطلق الأساسي لنسبانية فيرابند، يتمثل في تقدير جميع الثقافات وجميع التقاليد المعرفية، يقول: «يجب على المجتمعات الديمقراطية أن تعطي لكل التقاليد حقوقا متساوية، وليس فقط حظوظا متساوية». إن محاولة فيرابند التأصيل لمفهوم النسبانية، جعله يقدم، في كتابه «وداعا للعقل»، كثيرا من الملاحظات التي تعبر، بالفعل، عن غموضه، الشيء الذي جعله يثيره في كثير من المؤلفات اللاحقة. إلا أن تأويلين أساسيين لنسبانيته، يمكن استنتاجهما من خلال نصوصه وهما:
- لا شيء مطلق، وكل شيء صادق وحقيقي، وإن كل حكم أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي أو معرفي، يتوقف على الثقافة التي يوجد فيها ويتحدد بها. وهكذا تكون كل الثقافات مطلقة، وهذا النوع من النسبانية يرفضه فيرابند، ليس بسبب عدم انسجامه، ولكن للخطر الذي يمثله، وينتج عنه بلقنة النوع الإنساني، وقبول باسم احترام الثقافات، كل شيء وأي شيء، بدعوى أنها ثقافتهم وليس لدينا ما نقوله أو نفعله. وهذا النوع من النسبانية المطلقة، يتعارض مع الموضوعاتية المطلقة، التي ترى أن هناك وجهة نظر واحدة ممكنة للأشياء والموضوعات، وأن كل مشكلة يمكن حلها بشكل بسيط، من خلال معادلات رياضية محددة بشكل دقيق. إذن، إن الذي لا يرى العالم من خلال هذه الرؤية فهو خاطئ ومن الواجب عليه أن يعتنقها من خلال الوصول إلى الحقيقة.
- الأخذ بعين الاعتبار غنى العالم وتعقده، وعدم اختزاله لا في المعنى الأول للنسبانية، ولا في الموضوعاتية المطلقة، بل في كونه يزخر بخصوصية تفتح له دروب وإمكانيات المعرفة الجديدة والمتنوعة. فقد تطورت تقاليد ثقافية منذ أزمنة قديمة، في بناء ما يسمى الحضارة المعاصرة، نتاجا للتفاعل المتعدد الأبعاد. وبالتالي، لا يمكن الحكم على سمات جوهرية ثابتة، عرقلت وتعرقل نمو المعارف وتطور الثقافات... إن غموض مفهوم النسبانية عند فيرابند، يجعله عرضة لتأويلات كثيرة ومتضاربة، تجمع بين مفهوم النسبانية بوصفه موقفا للامبالاة وتعليق الحكم، وتساوي الأفكار وغياب النقد، وبين النسبية بوصفها خاصية مكونة للفكر العلمي المعاصر، تنتج من خلال دينامية النقد والمقارنة بين التقاليد الثقافية، باعتبار النقد يعمل على غربلة الأفكار ومدى تأثيرها أو محدوديتها في تطوير الأنساق الثقافية.



كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.

عاجل مونديال 2026: أستراليا تتعادل سلبا مع الباراغواي وتتأهل إلى دور الـ32