كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية تكتسي طابعًا ثقافيًا ضيقًا

فيرابند
فيرابند
TT

كل المجالات المعرفية تجد أصلها في الفنون

فيرابند
فيرابند

لا يتبلور العلم في الفراغ، بل في محيط ثقافي وتاريخي. إنه ككل فعل وخطاب، ينجز في سياق معرفي، بفضل الفعل التعقلي في تفاعله مع الوقائع التجريبية. إن أي عرض حول طبيعة العلم وموقعه ومناهجه، يريد أن يكون «كاملا»، لا بد له ألا يغفل هذا التحليل الفريد والمتميز... إنها «الفوضوية الإبستيمولوجية»، التي تبناها الإبستيمولوجي النمساوي بول فيرابند، وما عناوين مؤلفاته إلا دليل على كونه «ظاهرة» فريدة ومعبرة عن بعض جوانب الرفض للفكر العلمي، ومآلاته في المشروع الحداثي الغربي، الذي يعتبر العلم ركنه الأساسي؛ فعناوين مؤلفاته مثلا: «ضد المنهج»، «وداعا للعقل»، «قتل الوقت»، «العلم كفن»، «كيف ندافع عن المجتمع ضد العلم»، «استبداد العلم»... عبارة عن دليل على أن هناك أزمة في الفكر الإبستيمولوجي الغربي، ومساءلة نقدية لأطروحاته ولمفاهيمه ولمناهجه ولقضاياه، إلا أن مواقف فيرابند تتميز بالطرافة والإثارة، إلى درجة أنه يصدم القارئ بالحلول التي يقدمها والبدائل التي يطرحها. إننا أمام تجل من تجليات النقد الإبستيمولوجي المعاصر، الذي يصدع الثوابت الإبستيمولوجية إلى درجة نقضها.
إن العلم في نظر فيرابند عمل فوضوي، لا يتميز عن باقي أشكال المعرفة الأخرى ولا يتفوق عليها، فهو حقل كباقي الحقول المعرفية، إلى جانب الأسطورة والسحر والدين... فليس له منهج خاص به يميزه عن أي نشاط فكري آخر، يجعله يستحق درجة أرقى مقارنة بالأنشطة الأخرى. يقول فيرابند: «العلم لا يختار بسبب تميز معين مثبت بواسطة الدليل، بل لأن كل الناس شغفوا به، نتيجة للدعاية الإعلامية والضغوط السياسية والمؤسسية، وحتى العسكرية»، بهذا المعنى، يكشف فيرابند، عن العلاقة المثبتة بين العلم والسلطة، ويشجب التحالف غير «المقدس بين العلم والعقلانية والرأسمالية»، باعتبارها مقومات الحداثة الغربية والمجتمع الليبرالي؛ فهذا الارتباط المفصلي بين العلم والدولة، جعل فيرابند يقول: «لقد تم اليوم الفصل بين العلم والكنيسة بصورة صارمة، لكن العلم والدولة ما يزالان يعملان مشتركين». إن النظريات العلمية طرق في النظر إلى العالم، والأخذ بها يؤثر على عموم اعتقاداتنا وتفسيراتنا، ومن ثم على خبراتنا ومفهومنا عن الواقع؛ بمعنى أن العلم أصبح يتحكم في أدق تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد، ويحكم سيطرته عليهم باسم الحقيقة والموضوعية، بعد أن كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر قوة تحررية. في نظر فيرابند، لا يختلف العلم عن أي نسيج ديني أو فلسفي. فهو آيديولوجيا كباقي الآيديولوجيات الأخرى، وسيف ذو حدين يمكنه أن يكون أداة للتحرر والتنوير، كما يمكنه أن يكون أداة للخراب والتدمير. فليس العلم شرط الحرية ولا خلفية ضرورية للتربية؛ إذ يمكن أن يكون أداة للغش والتزوير والكذب كذلك. ولتجاوز الصورة القاتمة التي يقدمها عن العلم والعلماء، اقترح فيرابند وصفته السحرية، التي تقتضي إخضاع العلم للرقابة الشعبية وللمؤسسات الديمقراطية، مثل ما يحدث في باقي المجالات الاقتصادية والعسكرية والدينية. يقول فيرابند: «هذا واحد من الأسباب التي جعلتني أقترح، أن نأخذ المسائل الأساسية والمسائل الإبستيمولوجية ومسائل المنهج من ضمنها، من أيدي الخبراء (أطباء وفلاسفة العلم وغيرهم) وإعادتها إلى المواطنين لحلها... سيلعب الخبراء دورا استشاريا. سيستشارون، لكن لن تكون لهم الكلمة النهائية، مبادرات المواطنين بدل الإبستيمولوجيا، هذا هو شعاري».
في إطار نقده للعلم، وتسويته بين كل القطاعات المعرفية، من دين وفن وعلم وفلسفة وأسطورة... حاول فيرابند أن يكشف عن العلاقة بين العلم والفن، واعتبر أنه لا توجد «أنشطة علمية خالصة»، ولا «أنشطة فنية خالصة»؛ فهناك ارتباط وتداخل بين النشاطين. ففي العلم، يحضر الفن، خصوصا في حالات الإبداع، إلى درجة أنه يعتبر أن كل المجالات المعرفية تجد أصولها في الفنون؛ لهذا فالتماثلات بين الفن والعلم، تظهر في كونهما لا يملكان حدودا ثابتة تمكننا من رسم خط فاصل نهائيا، لكي يجري تجاوز مرحلة الآراء البسيطة. فلا العلم ولا الفن قادران على القول الفصل بطريقة قطعية، أين تؤدي بنا فكرة ما أو منهجا محددا. إن الارتباط الحميمي بين العلم والفن، جعل فيرابند يعتبر «العلم فنا» و«الفن علما»، ويقدم مثال «الرسم» باعتباره علما مندمجا بشكل كلي وكامل، في الوحدة المكونة بواسطة العلوم الأخرى.
يثير فيرابند قضية أساسية تتعلق بالتفاعل والتداخل، بين مجالات المعرفة الإنسانية ومختلف الأنشطة المنتجة لها؛ فكل من العلم والفن يستعملان أدوات مفهومية، ويؤسسان أنساقا استدلالية بدرجات تتفاوت في القوة والوضوح والدقة، لكن فيرابند يصر على أن يطابق بينهما، متجاهلا خصوصياتهما في بناء تعقلهما.
إن الملاحظات التي يقدمها فيرابند، تثير كثيرا من التساؤلات، خصوصا حينما يرى فيها إنجازات واضعي الأسطورة في العصور الماضية، أفضل من إنجازات العلماء في العصور. وأن مخترعي الأسطورة الأوائل، بدأوا الحضارة بينما اكتفى العلماء بتغييرها. فالأساطير لها تأثير عميق على المجتمعات القديمة، حيث كانت تحمل تصورا عن الإنسان والعالم، وعن مختلف العلاقات التي كان يؤسسها، بينما العقلانية الحداثية رسخت فكرة «دونية الأسطورة»، وحملت معرفة أكثر تجريدا وأكثر انعزالا وأكثر ضيقا بكثير، ويدعو إلى تبنيها في المدارس من خلال برمجتها في الكتب المدرسية، إلى جانب الفيزياء والكيمياء وغيرهما.
إن «الإبستيمولوجيا الفوضوية توجهها فلسفة محددة وتعرف بـ(النسبانية)، أي نسبة المعرفة إلى ظروف نشأتها وتطورها وسياقاتها». لقد ثار فيرابند ضد ما يسميه العقلانية الغربية، ضد العلوم وأخلاقها، إلى درجة أنه تبنى موقفا خطيرا وآيديولوجيا نسبانية، انطلاقا منها يمكن أن نثبت «كل شيء ولا شيء». إن نسبانية فيرابند، تنكر موضوعية بعض القيم الأخلاقية، باسم التنوع والتعدد، في حين أن التنوع لا يمكن أن يكون دليلا ضد الموضوعية، ولصالح النسبانية. يمكن القول إن نسبية العلم وكذلك إطلاقيته، تؤدي إلى تصور ذاتي للقيم الأخلاقية. ويرفض فيرابند كون العلم والنسبانية يخضعان لشروط يمكن صياغتها في غياب السياقات الثقافية والرغبات الشخصية، ويقر بأن الحلول التي قدمها علماء الغرب للمشكلات المجتمعية، تكتسي طابعا ثقافيا ضيقا، وتعتبر إمكانا من بين إمكانات أخرى ولا داع لجعلها ذات شرعية شمولية. إن تنوع الآراء في نظره، سمة ضرورية للمعرفة الموضوعية، والمنهج الذي يشجع التنوع، هو كذلك المنهج الوحيد الذي يساير النظرة الإنسانية.
بشكل عام، إن المنطلق الأساسي لنسبانية فيرابند، يتمثل في تقدير جميع الثقافات وجميع التقاليد المعرفية، يقول: «يجب على المجتمعات الديمقراطية أن تعطي لكل التقاليد حقوقا متساوية، وليس فقط حظوظا متساوية». إن محاولة فيرابند التأصيل لمفهوم النسبانية، جعله يقدم، في كتابه «وداعا للعقل»، كثيرا من الملاحظات التي تعبر، بالفعل، عن غموضه، الشيء الذي جعله يثيره في كثير من المؤلفات اللاحقة. إلا أن تأويلين أساسيين لنسبانيته، يمكن استنتاجهما من خلال نصوصه وهما:
- لا شيء مطلق، وكل شيء صادق وحقيقي، وإن كل حكم أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي أو معرفي، يتوقف على الثقافة التي يوجد فيها ويتحدد بها. وهكذا تكون كل الثقافات مطلقة، وهذا النوع من النسبانية يرفضه فيرابند، ليس بسبب عدم انسجامه، ولكن للخطر الذي يمثله، وينتج عنه بلقنة النوع الإنساني، وقبول باسم احترام الثقافات، كل شيء وأي شيء، بدعوى أنها ثقافتهم وليس لدينا ما نقوله أو نفعله. وهذا النوع من النسبانية المطلقة، يتعارض مع الموضوعاتية المطلقة، التي ترى أن هناك وجهة نظر واحدة ممكنة للأشياء والموضوعات، وأن كل مشكلة يمكن حلها بشكل بسيط، من خلال معادلات رياضية محددة بشكل دقيق. إذن، إن الذي لا يرى العالم من خلال هذه الرؤية فهو خاطئ ومن الواجب عليه أن يعتنقها من خلال الوصول إلى الحقيقة.
- الأخذ بعين الاعتبار غنى العالم وتعقده، وعدم اختزاله لا في المعنى الأول للنسبانية، ولا في الموضوعاتية المطلقة، بل في كونه يزخر بخصوصية تفتح له دروب وإمكانيات المعرفة الجديدة والمتنوعة. فقد تطورت تقاليد ثقافية منذ أزمنة قديمة، في بناء ما يسمى الحضارة المعاصرة، نتاجا للتفاعل المتعدد الأبعاد. وبالتالي، لا يمكن الحكم على سمات جوهرية ثابتة، عرقلت وتعرقل نمو المعارف وتطور الثقافات... إن غموض مفهوم النسبانية عند فيرابند، يجعله عرضة لتأويلات كثيرة ومتضاربة، تجمع بين مفهوم النسبانية بوصفه موقفا للامبالاة وتعليق الحكم، وتساوي الأفكار وغياب النقد، وبين النسبية بوصفها خاصية مكونة للفكر العلمي المعاصر، تنتج من خلال دينامية النقد والمقارنة بين التقاليد الثقافية، باعتبار النقد يعمل على غربلة الأفكار ومدى تأثيرها أو محدوديتها في تطوير الأنساق الثقافية.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.