من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

كل ملاحظة قدرها أن تكون انتقائية

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز
TT

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

لنتصور أن لدينا راعيًا للغنم، يخرج صباحًا باكرًا بماشيته بحثًا عن المرعى. ويجد، بعد بحث طويل، أرضًا بها عشب أخضر كثيف. أكيد سيصرخ فرحًا وسيثيره المشهد، لأنه وجد ما سيشبع غنمه. لكن في مقابل ذلك، لنتصور المشهد نفسه، لكن الناظر للعشب الأخضر، هذه المرة، لن يكون الراعي، بل عالِم نبات. في هذه الحالة، ستنقلب الرؤية رأسًا على عقب. فما سيثير انتباه هذا العالم، ليس كون العشب صالحًا كغذاء للماشية، بل سيرى في اخضرار العشب علامة على إنتاج الطاقة. فالنبات الأخضر هو معمل «للتركيب الضوئي». والآن، لنأخذ، افتراضًا، عين الراعي ونقوم بتشريحها في المختبر، ونقارنها، بعد ذلك، بتشريح عين عالم النبات، فماذا سنجد؟ بالطبع، التكوين نفسه والبنية نفسها. إذن فالرؤية (أي الفهم والمعرفة)، لا تتحدد بالفيزيولوجيا فقط، بل هي مرتبطة بالخلفية النظرية أيضًا. فالراعي لا ولن يتمكن من رؤية التركيب الضوئي في النبات، لأنه، باختصار، لا يمتلك العدة النظرية المسعفة والمخولة لذلك، بعكس عالم النبات، الذي وجراء تكوينه الأكاديمي، تشكل في ذهنه ركامًا وطبقات معرفية سمحت له برؤية مختلفة تمامًا.
إننا لا نرى بعيوننا، بل بعقولنا، أو بتعبير أكثر دقة نقول: إن كل ملاحظة ليست بريئة أبدًا، بل هي مثقلة ومحملة بخلفية نظرية صريحة أو ضمنية، واعية أو غير واعية، هي التي تدفع نحو رؤية محددة وتطرد أخرى. أو لنقل إن قدر أي ملاحظة أن تكون انتقائية.
إن هذا المعطى أعلاه، هو ما يفسر لنا لماذا نتضارب في فهم الأشياء حد التناقض. فحين تقول لصاحبك: انظر معي إلى ما أراه! حاول أن تفهم ما اكتشفته! ويرد عليك: معذرة لا أستطيع نهائيًا أن أرى ما تبصره أنت، وأعجز عن استيعاب ما تفهمه! فيجب أن نعلم مباشرة، أن الأمر، في هذه الحالة، لم يعد مسألة نظر حسي، بل يتجاوز ذلك ليصبح نظرًا عقليًا. إننا قد نلاحظ بالعين الشيء نفسه، لكننا لا نراه بالضرورة الشيء عينه. فالأمر يتعدى العين المكونة من بؤبؤ وقرنية وشبكية وعصب بصري... إلى محتوى العقل بالأساس.
نفهم من خلال هذا التصور، الذي يرى أن الملاحظة تحتاج إلى جواز مرور نظري لكي تتم، كثيرًا من الاكتشافات المعرفية التي ظهرت في حقبة زمنية ولم تظهر في أخرى، لأنها احتاجت إلى تراكمات معرفية تؤهل إلى اكتشافها. وخير مثال على ذلك، فكرة دوران الأرض وحركية الشمس. فلماذا فلكي القرن السابع عشر، وليكن «غاليليو» نموذجًا، يرى الشمس ثابتة؟ بينما فلكي القرون الوسطى، وليكن «البتاني» مثلاً، يرى الشمس متحركة؟ على الرغم من أنهما ينظران إلى الشيء نفسه، حيث تسقط الشمس على شبكية عينهما بالشاكلة نفسها. إن المسألة ليست تحديقًا في الشيء أبدًا، بل هي نظرية بالأساس. ففلكي القرن السابع عشر، مسلح بنظرية جديدة هي مركزية الشمس الكوبيرنيكية. أما فلكي القرون الوسطى، فهو موجه بإطار نظري مختلف يقوم على مركزية الأرض الأرسطية. إذن، إذا غيرت مرجعيتك وافتراضك وأسئلتك، ستغير بالضرورة نظرتك. إنه الأمر نفسه الذي حدث مع العالم إسحاق نيوتن. فهو اكتشف الجاذبية، ليس لأنه رأى التفاحة تسقط، فهذه مجرد خرافة وتبسيط مخل لكيفية اكتشاف الحقائق وفهم الطبيعة. فالأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. إن الناس قد رأت التفاح يسقط منذ آلاف السنين، من دون أن توحي لهم واقعة السقوط هذه بفرضية الجاذبية. فالأمر إذن ليس مرتبطًا بملاحظة خام وعفوية. بل لا بد من مرجعية وإطارات ذهنية تسمح بالرؤية المناسبة. فواقعة سقوط الأجسام في القرن السابع عشر، كانت الشغل الشاغل للعلماء. فغاليليو مثلا، تمكن من وضع قوانين سقوط الأجسام. كما أن العلماء آنذاك، اهتموا بمسألة دوران الأجسام في السماء، وما العالم كبلر إلا نموذج منهم. فأصبح بحوزة العلم قوانين متعلقة بحركة السقوط في الأرض (التفاحة مثلا)، وقوانين متعلقة بحركة الدوران في السماء (القمر مثلا). في هذه الظروف بالضبط، وبهذه الإمكانات النظرية، وبهذه الخلفية والأفق الذهني، جاء نيوتن متسائلا: لماذا تسقط التفاحة ولا يسقط القمر؟ فعبقرية نيوتن لا تكمن في كونه لا حظ التفاحة تسقط، بل في تخيله لنظرية الجاذبية، التي بواسطتها حل اللغز، مكتشفا أن السقوط دوران والدوران سقوط. فالمسألة مرتبطة فقط بتغير الكتلة والمسافة. بل إنه اعترف شخصيًا، بأن ما أقامه من منجز، كان على أكتاف هذين العملاقين، أي غاليليو وكبلر. نخلص إلى أن قصة سقوط التفاحة، قصة ساذجة وبسيطة لا تشرح حقيقة كيف تصنع المعرفة. فنيوتن لو ولد في زمن قبل القرن السابع عشر، ما كان ليقدر على تخيل فكرة الجاذبية نهائيًا، فالأمر كان يحتاج إلى نضج وإلى سياق خاص، هو سياق العلم الحديث فلكل نبأ مستقر.
* نحو فهم عالم النصوص
ما قدمناه أعلاه، هو ما تعلنه الإبستمولوجيا (علم العلم) في مجال العلوم الطبيعية. أي أن الملاحظة ليست بريئة، ودائمًا موجَّهة بإطارات نظرية تحملها الذات في جوفها. وهي الفكرة نفسها التي ستعلنها الهرمينوطيقا، أي نظرية التأويل، باعتبارها مبحثا خاصا بدراسة عمليات الفهم، أو لنقل إنها تدرس «فهم الفهم»، لكن، هذه المرة مع وجهة أخرى هي: النصوص.
فمن أهم فتوحات الهرمينوطيقا، إعلانها أنه لا فهم من دون فهم سالف، أي من دون موقف مسبق. فأنا أعرف إذا كنت مؤهلاً لذلك. وهو ما يسقطنا بالضرورة، في تعدد التأويلات، نظرا لتعدد المسبقات المنطلق منها. وهذا ما دفع نيتشه إلى القول، إنه «لا توجد حقائق بل توجد تأويلات»، كما أعلن جادامر أيضا، أنه ينبغي علينا أن ندرك أن كل فهم لا بد له من بعض «التحيز»، إذ لا قراءة مطلقة، فهي محدودة بسقف الذات وأفقها ومسبقاتها. فسعي عصر الأنوار إلى التخلص من كل التحيزات أمر صعب المنال. بل هو تحيز في حد ذاته. بعبارة أخرى نقول، إن فهم القارئ لنص معين لا يتم بطريقة آلية. فلا يكفي أن تقرأ نصًا لتقبض على معناه بتلقائية. بل نحن نقتحم النصوص بمضمراتنا وإطاراتنا الثقافية. فالذات القارئة ليست صافية كما قد يعتقد البعض. بل هي تجمع في كيانها طبقات نفسية واجتماعية وتاريخية وآفاقا نظرية وغيرها، تلقي بظلها على الفهم. فهي بمثابة الموجه في القراءة. وهو ما يجعل المعنى يكون بصيغة الجمع. ومن ثم قدرنا هو التأويل ولا شيء غير التأويل. فالاختلاف في الآفاق والأطر الذهنية، يحد من القراءة ويسيجها ويضع لها سقفًا.
سنفهم إذن، لماذا تؤكد الهرمينوطيقا على أن استعادة المعنى التاريخي الأصلي للنص، هو مثالية صعبة التحقق. إنها طمع في محال. بل هي خرافة. يقول الدكتور عادل مصطفى، في كتابه الشيق «فهم الفهم»، الصادر عن دار «رؤية»: «لا يحكم الأصل إلا يومًا واحدًا، ليخلع بعد ذلك، ويصبح سبيًا للحاكم الأبدي الفعلي... التأويل».
إن المعرفة الإنسانية ومحاولة فهمها للنصوص، القديمة بالخصوص، قدرها أن تكون ذاتية. ما يطرح إحراجا كبيرا لمسألة الموضوعية، التي تعني النزاهة والحياد القيمي، وإبعاد شوائب الذات عن الموضوع المدروس. بعبارة أخرى، فالموضوعية التي هي مطلب كل عالم، والتي هي السعي الدؤوب نحو إلغاء تأثيرات الذات، تصبح جراء التصور المذكور أعلاه، صعبة المنال. لأن المعرفة يعلق بها دائمًا ما هو ذاتي. إن القارئ له تاريخيته الخاصة، والمتمثلة في هموم عصره التي سيسقطها، لا محالة، على نص غريب عنه وينتمي إلى حقبة تاريخية أخرى، مشحونة بهموم أخرى وآفاق مختلفة، مما يضع حدًا للموضوعية، ويقحمنا في تحيز محتوم.
إن الهرمينوطيقا، تلح على أن الفهم يجري بالمواجهة بين تاريخيتين: تاريخية القارئ وتاريخية النص. وإذا اقتنعنا بذلك، فهذا يعني أن اختراق النصوص من أجل القبض على المعنى، سيكون انتقائيا بالضرورة، وليس بريئًا أبدًا، ما دام موجهًا بمرجعية وافتراض معين، وفي أحيان كثيرة بشاكلة تتجاوزنا. الأمر الذي سيفضي إلى القول، بالنسبية عوض المطلق. فما يسميه المرء حقيقة النص، هو حقيقة بحسب نظرية معينة، ستنافسها حقيقة أخرى ستنطلق من نظرية أخرى. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الأحسن الحديث عن التأويلات.
في الختام، قد يقول قائل: أليس في هذا ميوعة وإفراطًا في سيولة المعنى الذي لن يتوقف، ما سيؤدي إلى الفوضى؟ سنقول إن المشكلة ليست في تعدد المعاني التي هي قدر محتوم. بل في أيها أفضل وأيها أحسن. وهو السؤال الذي سيبقى عالقًا نطرحه كالآتي: كيف نفاضل بين النظريات الموجهة للرؤية؟ وما المعايير التي نحتاج إليها لاختيار أحسن التأويلات؟ وهذه قصة أخرى.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.