قلم صاحبة أكبر خبطة صحافية في القرن العشرين يؤرخ الشرق الأوسط

كلير هولينغوورث ترحل عن 105 أعوام وفي أرشيفها أول وآخر مقابلة مع شاه إيران

كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
TT

قلم صاحبة أكبر خبطة صحافية في القرن العشرين يؤرخ الشرق الأوسط

كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان

في عدد الـ30 من أغسطس (آب) في عام 2009، كرست صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية عددها لإعادة إحياء الذكرى السبعين للحرب العالمية الثانية. وتفاخرت المطبوعة العريقة آنذاك بأشهر صحافييها، كلير هولينغوورث صاحبة أكبر سبق صحافي في القرن الماضي، التي كشف انطلاق الحرب عام 1939.
سافرت هولنغوورث (26 عاما) آنذاك وحدها إلى الحدود الألمانية وشاهدت القافلة الأولى من الدبابات الألمانية وهي تتحرك لغزو بولندا.
وبعد ذلك بثلاثة أيام كانت أول من كتب عن بدء القتال. وقالت هولنغوورث للـ«تلغراف» آنذاك: «كشفت هذه القصة عندما كنت صغيرة جدًا جدًا. ذهبت إلى هناك لرعاية اللاجئين والعميان ومن يعانون الصمم وضعف القدرات الذهنية. ولكن أثناء وجودي هناك فجأة باتت الحرب واقعًا».
كلير التي رسخت في ذاكرة الصحافيين والناس واندرجت تحت قائمة أهم مراسلي الحرب في العالم، رحلت عنا الأسبوع الماضي عن عمر يناهز 105 أعوام في منزلها بهونغ كونغ. سارعت الصحافة الغربية لنقل خبر موتها بعد عقود من العطاء الصحافي واستذكار مسيرتها الحافلة التي بدأت بخبطة صحافية تاريخية. ولكن عند البحث في أرشيفها والتعمق بكتبها، نرى أن أبرز محطات وكتابات كلير كانت بالفعل في منطقة الشرق الأوسط، حيث أمضت المراسلة معظم سنوات عملها في بيروت والقاهرة تتنقل بين الدول العربية تحاور الملوك وصناع القرار العرب فينة، ثم تعرج على طهران للجلوس مع الشاه والأميرة فوزية في مكتب مكتظ بالكتب الحربية.
* فرشاة أسنان وآلة كاتبة... ومسدس
وكما بدأت كلير مسيرتها المهنية بخبطة صحافية، أمضت الأربعة عقود التي تلتها وهي تحقق إنجازات مماثلة من خلال عملها كمراسلة لـ«ديلي تلغراف» والـ«غارديان» في الشرق الأوسط والشرق الأقصى. استطاعت كلير أن تلف العالم لتكشف خفاياه وفي حقيبة سفرها فرشاة أسنان وآلة كاتبة.. ومسدس أحيانًا، حسبما كشفت صفحات مذكراتها. وفي مناطق النزاع اختبأت في شاحنات الجيش ونامت مع عناصره في الخنادق وكان الرمل لحافها في ليالٍ أمضتها في الصحراء القارسة البرد.
ووسط إطلاق الرصاص الحي والاعتقالات المغلوطة، طغى حس صحافي استقصائي على كلير، واستطاعت تحصيل قصص صعب على غيرها اكتشافها. حبها للتحقيق والتدقيق جعل منها ضحية اتهامات بالتجسس من قبل الحكومات الأجنبية والبريطانية وكانت حديث صالونات صناع القرار. كلير كانت شاهدة على الحرب العالمية الثانية وأرختها من أوروبا الشرقية، كما كتبت عن الثورة الجزائرية والنكبة الفلسطينية وحرب فيتنام وغيرها من أهم أحداث القرن الماضي.
وعلاقاتها مع كبار صناع القرار فتحت لها أبواب لإنتاج قصص مميزة، لم يستطع غيرها تحصيلها. في عام 1965، أرادت كلير تغطية الحرب الهندية - الباكستانية ولكن جرى حظر لجميع المراسلين من الخطوط الأمامية، ولكن معرفتها بأنديرا غاندي، وزيرة الإعلام في الهند آنذاك، منحها إذنًا خاصًا لتكون هي الوحيدة على خط النار. كما كانت كلير من أوائل الصحافيين الغربيين الذين يعملون كمراسلين من الصين عندما افتتحت الـ«تلغراف» مكتبها في بكين عام 1973 وكانت شاهدة على عصر الصين تحت حكم ماو تسي تونغ.
* أول وآخر من حاورت شاه إيران
واستطاعت كلير أن تكون الصحافية الأولى التي تجري مقابلة مع شاه إيران محمد رضا بهلوي بعدما تسلم الحكم عام 1941 كما كانت الصحافية الوحيدة التي اقتنع الشاه بإجراء مقابلة معها بعد عزله من الخميني عام 1979 جراء الثورة الإسلامية في البلاد.
وكتب الصحافي باتريك غاريت (كلير عمته) في كتابه تحت عنوان: «عن الحظ والحرب: كلير هولينغوورث أول مراسلات الحرب» أن الصحافية استطاعت تأمين مقابلتها الأولى مع شاه إيران عام 1943 عن طريق صديقتها آن لامبتون التي كانت تعمل في الملحقة الإعلامية بالسفارة البريطانية لدى طهران. ودعيت كلير إلى القصر لمقابلة الشاه الذي اصطحبها إلى داخل مكتبه الخاص المكتظ بكتب التاريخ الحربي. ومع أن الشاه لم يتحدث الإنجليزية بطلاقة، استطاعت كلير إجراء حديث مطول معه بعدما اكتشفا أنهما يتشاطران ولعا بالجيش والأدوات الحربية. والتقت كلير بزوجة الشاه آنذاك الأميرة فوزية شقيقة الملك فؤاد، ملك مصر التي كانت قد سئمت الجلوس بالقصر بعيدًا عن مجتمعها المصري. ولأن كلير كانت منخرطة بذاك المجتمع آنذاك، جلست مع الأميرة فوزية لتحدثها عن آخر «سواليف» الطبقة المخملية.
وعندما عزل المرشد الإيراني الشاه عام 1979، كان رافضًا الحديث مع الصحافيين، ولكن علاقته الوطيدة بكلير سمحت لها بتحصيل حوار خاص معه، فزارته في المغرب. وخلال المقابلة، قال الشاه إن من تسلم منه الحكم هم زمرة من الإرهابيين والمتطرفين الذين سيدفعون البلاد إلى الهاوية بعدما كانت في أوج ازدهارها. ولام الغرب الذي جلس مكتوف الأيدي أمام الذي جرى في إيران، بحسب ذكره. واتهمت كلير بعد نشر الحوار على تأييدها «الأعمى» للشاه، ولكنها تنبأت بسقوط إيران من بعده، حسب ما كتبه غاريت.
* كلير والشرق الأوسط.. خبطات صحافية وكتاب تحليلي
وخلال عمل كلير كمراسلة لـ«غارديان» في الشرق الأوسط، استطاعت تحصيل الكثير من الخبطات الصحافية ومنها القصة التي فضحت العميل البريطاني كيم فيلبي وكشفت أنه جاسوس للاتحاد السوفياتي. ففي عام 1963، كانت كلير مراسلة الـ«غارديان» في بيروت وكان فيلبي يعمل في الـ«أوبسيرفر» التابعة لـ«غارديان»، في بيروت أيضًا. وكانا سيتقابلان للغداء، ولكنه اختفى، وبعد تحرياتها، اكتشفت كلير أنه سافر إلى روسيا. وكتبت قصة لـ«غارديان»، ولكن الصحيفة رفضت نشرها إلا بعد التحقق، مما أشعر كلير بالإهانة لعدم ثقة المطبوعة بمصادرها. وبعدها بقليل، أكدت الحكومة البريطانية سفر فيلبي إلى روسيا، ومع أن الـ«غارديان» تأخرت في النشر، إلا أن كلير هي التي كشفت حقيقة الجاسوس.
وخلال وجودها في الشرق الأوسط، اقتربت كلير من الموت مرارًا وكانت أسوأ حادثة وجودها على مقربة من تفجير فندق الملك داود في القدس عام 1946 هي وزوجها. لم يحدث لهم شيء، ولكن التفجير أودى بحياة مائة شخص آنذاك.
توفيت كلير وفي حصيلتها أربعة كتب وعمل أخير تضمن مذكراتها. ومن أهم أعمالها كتاب تحت عنوان «العرب والغرب» الذي صدر عام 1952 في وقت كانت تتنقل فيه بين القاهرة وبيروت. ناقشت كلير في صفحاته تاريخ الشرق الأوسط وتأسيس الدول العربية. وتنوعت أبوابه لتتناول نسيج مصر الاجتماعي والكيان الأردني وثورة النفط السعودي وقلاقل اليمن. كما تطرقت إلى «وعد بلفور»، الذي خسَّر الفلسطينيين دولتهم، وتداعيات النكبة. كما كرست الجزء الأخير لتقييم حال الشرق الأوسط حينذاك وسط موجة ظهور آيديولوجيات القومية والشيوعية وحماس ازدهار الصناعة. وفي مطلع الكتاب اقتبست كلير من كتاب المؤرخ الراحل جورج أنطونيوس يقظة العرب: «وثيقة سايكس بيكو كانت صادمة، فهي نتاج أسوأ درجات الطمع والاتفاقيات المزدوجة التي قسمت المنطقة لصالح الإنجليز والفرنسيين».
** هونغ كونغ تشهد آخر أيامها
اختارت هولينغوورث الإقامة في هونغ كونغ عند تقاعدها عام 1989 في شقة على مقربة من نادي الصحافيين الأجانب الذي كانت تزوره يوميًا. كما تلقت كلير عدة جوائز منها جائزة جيمس كاميرون لصحافة عام 1994.
وحتى في عقدها التسعين، اختارت كلير النوم على الأرض ليظل جسدها جامدًا ولا يستسلم، بحسب قولها. وفي آخر سنواتها، كلما جلست لإجراء مقابلة مع الصحافيين، أكدت أن سنها يمنعها من تغطية حروب كالسابق، ولكن حتى آخر أيامها، كشف مقربون لها أنها نامت وتحت وسادتها جواز سفرها، وإلى جانبها حذاؤها، كإجراء احتياطي، فلربما عادت يومًا وآلتها الكاتبة إلى خط النار.
أبرز مقالات كلير في منطقة الشرق الأوسط
* مقابلة مع الملك عبد الله الأول ملك الأردن في عمّان في أبريل (نيسان) عام 1948 أي قبل شهر واحد على النكبة. وقال الملك لكلير: «متخوف مما سيحصل بعد مغادرة البريطانيين فلسطين، عندي شعور أن الروس سيقومون بدعم اليهود، وأنا جاهز للتصدي وإرسال عشرة آلاف جندي للقتال».
* مقالة نشرتها الـ«غارديان» لكلير في مطلع مايو (أيار) 1949 من القاهرة تحت عنوان: «الإخوان يخططون للاستيلاء على السلطة في القاهرة». وتأتي هذه المقالة بعد شهرين من اغتيال مفكر الجماعة حسن البنا الذي أدى إلى تمرد الجماعة وقلاقل أمنية في العاصمة المصرية.
* مقالة تحليلية في عدد الـ«غارديان» ليوم 6 من مايو عام 1964 تحت عنوان «النفط في ليبيا». كتبت كلير: «اكتشاف النفط في ليبيا لم يغير من عاصمتها طرابلس المتلونة بألوان إيطالية إلى الآن، ولكن هذا الاكتشاف سيغير معالم بلد كبير جغرافيا بتعداد سكاني ضئيل». وأضافت: «الملك إدريس ينتابه شعور بالحزن، لأنه يعي أن الملكية لن تستمر بعده».
* مقال نشر أواخر عام 1966 عن إيران تحت عنوان «الشاه ووحوش النفط»، وقصدت هنا الشركات البريطانية والأميركية التي أرادت قطعة الكعك الأكبر من قالب مخزون إيران النفطي. وفيما كتبت عن التنافس هذا، اختتمت كلير مقالها بقولها، «سيحتفل الشاه والشعب الإيراني بحلول 2500 عام على حكم ملكي في البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لكن ذلك سيتم فقط إن لعب الشاه (كروته) بتروٍ».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.