قلم صاحبة أكبر خبطة صحافية في القرن العشرين يؤرخ الشرق الأوسط

كلير هولينغوورث ترحل عن 105 أعوام وفي أرشيفها أول وآخر مقابلة مع شاه إيران

كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
TT

قلم صاحبة أكبر خبطة صحافية في القرن العشرين يؤرخ الشرق الأوسط

كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان
كلير هولينغوورث جالت العالم وفي حقيبتها آلة كاتبة وفرشاة أسنان

في عدد الـ30 من أغسطس (آب) في عام 2009، كرست صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية عددها لإعادة إحياء الذكرى السبعين للحرب العالمية الثانية. وتفاخرت المطبوعة العريقة آنذاك بأشهر صحافييها، كلير هولينغوورث صاحبة أكبر سبق صحافي في القرن الماضي، التي كشف انطلاق الحرب عام 1939.
سافرت هولنغوورث (26 عاما) آنذاك وحدها إلى الحدود الألمانية وشاهدت القافلة الأولى من الدبابات الألمانية وهي تتحرك لغزو بولندا.
وبعد ذلك بثلاثة أيام كانت أول من كتب عن بدء القتال. وقالت هولنغوورث للـ«تلغراف» آنذاك: «كشفت هذه القصة عندما كنت صغيرة جدًا جدًا. ذهبت إلى هناك لرعاية اللاجئين والعميان ومن يعانون الصمم وضعف القدرات الذهنية. ولكن أثناء وجودي هناك فجأة باتت الحرب واقعًا».
كلير التي رسخت في ذاكرة الصحافيين والناس واندرجت تحت قائمة أهم مراسلي الحرب في العالم، رحلت عنا الأسبوع الماضي عن عمر يناهز 105 أعوام في منزلها بهونغ كونغ. سارعت الصحافة الغربية لنقل خبر موتها بعد عقود من العطاء الصحافي واستذكار مسيرتها الحافلة التي بدأت بخبطة صحافية تاريخية. ولكن عند البحث في أرشيفها والتعمق بكتبها، نرى أن أبرز محطات وكتابات كلير كانت بالفعل في منطقة الشرق الأوسط، حيث أمضت المراسلة معظم سنوات عملها في بيروت والقاهرة تتنقل بين الدول العربية تحاور الملوك وصناع القرار العرب فينة، ثم تعرج على طهران للجلوس مع الشاه والأميرة فوزية في مكتب مكتظ بالكتب الحربية.
* فرشاة أسنان وآلة كاتبة... ومسدس
وكما بدأت كلير مسيرتها المهنية بخبطة صحافية، أمضت الأربعة عقود التي تلتها وهي تحقق إنجازات مماثلة من خلال عملها كمراسلة لـ«ديلي تلغراف» والـ«غارديان» في الشرق الأوسط والشرق الأقصى. استطاعت كلير أن تلف العالم لتكشف خفاياه وفي حقيبة سفرها فرشاة أسنان وآلة كاتبة.. ومسدس أحيانًا، حسبما كشفت صفحات مذكراتها. وفي مناطق النزاع اختبأت في شاحنات الجيش ونامت مع عناصره في الخنادق وكان الرمل لحافها في ليالٍ أمضتها في الصحراء القارسة البرد.
ووسط إطلاق الرصاص الحي والاعتقالات المغلوطة، طغى حس صحافي استقصائي على كلير، واستطاعت تحصيل قصص صعب على غيرها اكتشافها. حبها للتحقيق والتدقيق جعل منها ضحية اتهامات بالتجسس من قبل الحكومات الأجنبية والبريطانية وكانت حديث صالونات صناع القرار. كلير كانت شاهدة على الحرب العالمية الثانية وأرختها من أوروبا الشرقية، كما كتبت عن الثورة الجزائرية والنكبة الفلسطينية وحرب فيتنام وغيرها من أهم أحداث القرن الماضي.
وعلاقاتها مع كبار صناع القرار فتحت لها أبواب لإنتاج قصص مميزة، لم يستطع غيرها تحصيلها. في عام 1965، أرادت كلير تغطية الحرب الهندية - الباكستانية ولكن جرى حظر لجميع المراسلين من الخطوط الأمامية، ولكن معرفتها بأنديرا غاندي، وزيرة الإعلام في الهند آنذاك، منحها إذنًا خاصًا لتكون هي الوحيدة على خط النار. كما كانت كلير من أوائل الصحافيين الغربيين الذين يعملون كمراسلين من الصين عندما افتتحت الـ«تلغراف» مكتبها في بكين عام 1973 وكانت شاهدة على عصر الصين تحت حكم ماو تسي تونغ.
* أول وآخر من حاورت شاه إيران
واستطاعت كلير أن تكون الصحافية الأولى التي تجري مقابلة مع شاه إيران محمد رضا بهلوي بعدما تسلم الحكم عام 1941 كما كانت الصحافية الوحيدة التي اقتنع الشاه بإجراء مقابلة معها بعد عزله من الخميني عام 1979 جراء الثورة الإسلامية في البلاد.
وكتب الصحافي باتريك غاريت (كلير عمته) في كتابه تحت عنوان: «عن الحظ والحرب: كلير هولينغوورث أول مراسلات الحرب» أن الصحافية استطاعت تأمين مقابلتها الأولى مع شاه إيران عام 1943 عن طريق صديقتها آن لامبتون التي كانت تعمل في الملحقة الإعلامية بالسفارة البريطانية لدى طهران. ودعيت كلير إلى القصر لمقابلة الشاه الذي اصطحبها إلى داخل مكتبه الخاص المكتظ بكتب التاريخ الحربي. ومع أن الشاه لم يتحدث الإنجليزية بطلاقة، استطاعت كلير إجراء حديث مطول معه بعدما اكتشفا أنهما يتشاطران ولعا بالجيش والأدوات الحربية. والتقت كلير بزوجة الشاه آنذاك الأميرة فوزية شقيقة الملك فؤاد، ملك مصر التي كانت قد سئمت الجلوس بالقصر بعيدًا عن مجتمعها المصري. ولأن كلير كانت منخرطة بذاك المجتمع آنذاك، جلست مع الأميرة فوزية لتحدثها عن آخر «سواليف» الطبقة المخملية.
وعندما عزل المرشد الإيراني الشاه عام 1979، كان رافضًا الحديث مع الصحافيين، ولكن علاقته الوطيدة بكلير سمحت لها بتحصيل حوار خاص معه، فزارته في المغرب. وخلال المقابلة، قال الشاه إن من تسلم منه الحكم هم زمرة من الإرهابيين والمتطرفين الذين سيدفعون البلاد إلى الهاوية بعدما كانت في أوج ازدهارها. ولام الغرب الذي جلس مكتوف الأيدي أمام الذي جرى في إيران، بحسب ذكره. واتهمت كلير بعد نشر الحوار على تأييدها «الأعمى» للشاه، ولكنها تنبأت بسقوط إيران من بعده، حسب ما كتبه غاريت.
* كلير والشرق الأوسط.. خبطات صحافية وكتاب تحليلي
وخلال عمل كلير كمراسلة لـ«غارديان» في الشرق الأوسط، استطاعت تحصيل الكثير من الخبطات الصحافية ومنها القصة التي فضحت العميل البريطاني كيم فيلبي وكشفت أنه جاسوس للاتحاد السوفياتي. ففي عام 1963، كانت كلير مراسلة الـ«غارديان» في بيروت وكان فيلبي يعمل في الـ«أوبسيرفر» التابعة لـ«غارديان»، في بيروت أيضًا. وكانا سيتقابلان للغداء، ولكنه اختفى، وبعد تحرياتها، اكتشفت كلير أنه سافر إلى روسيا. وكتبت قصة لـ«غارديان»، ولكن الصحيفة رفضت نشرها إلا بعد التحقق، مما أشعر كلير بالإهانة لعدم ثقة المطبوعة بمصادرها. وبعدها بقليل، أكدت الحكومة البريطانية سفر فيلبي إلى روسيا، ومع أن الـ«غارديان» تأخرت في النشر، إلا أن كلير هي التي كشفت حقيقة الجاسوس.
وخلال وجودها في الشرق الأوسط، اقتربت كلير من الموت مرارًا وكانت أسوأ حادثة وجودها على مقربة من تفجير فندق الملك داود في القدس عام 1946 هي وزوجها. لم يحدث لهم شيء، ولكن التفجير أودى بحياة مائة شخص آنذاك.
توفيت كلير وفي حصيلتها أربعة كتب وعمل أخير تضمن مذكراتها. ومن أهم أعمالها كتاب تحت عنوان «العرب والغرب» الذي صدر عام 1952 في وقت كانت تتنقل فيه بين القاهرة وبيروت. ناقشت كلير في صفحاته تاريخ الشرق الأوسط وتأسيس الدول العربية. وتنوعت أبوابه لتتناول نسيج مصر الاجتماعي والكيان الأردني وثورة النفط السعودي وقلاقل اليمن. كما تطرقت إلى «وعد بلفور»، الذي خسَّر الفلسطينيين دولتهم، وتداعيات النكبة. كما كرست الجزء الأخير لتقييم حال الشرق الأوسط حينذاك وسط موجة ظهور آيديولوجيات القومية والشيوعية وحماس ازدهار الصناعة. وفي مطلع الكتاب اقتبست كلير من كتاب المؤرخ الراحل جورج أنطونيوس يقظة العرب: «وثيقة سايكس بيكو كانت صادمة، فهي نتاج أسوأ درجات الطمع والاتفاقيات المزدوجة التي قسمت المنطقة لصالح الإنجليز والفرنسيين».
** هونغ كونغ تشهد آخر أيامها
اختارت هولينغوورث الإقامة في هونغ كونغ عند تقاعدها عام 1989 في شقة على مقربة من نادي الصحافيين الأجانب الذي كانت تزوره يوميًا. كما تلقت كلير عدة جوائز منها جائزة جيمس كاميرون لصحافة عام 1994.
وحتى في عقدها التسعين، اختارت كلير النوم على الأرض ليظل جسدها جامدًا ولا يستسلم، بحسب قولها. وفي آخر سنواتها، كلما جلست لإجراء مقابلة مع الصحافيين، أكدت أن سنها يمنعها من تغطية حروب كالسابق، ولكن حتى آخر أيامها، كشف مقربون لها أنها نامت وتحت وسادتها جواز سفرها، وإلى جانبها حذاؤها، كإجراء احتياطي، فلربما عادت يومًا وآلتها الكاتبة إلى خط النار.
أبرز مقالات كلير في منطقة الشرق الأوسط
* مقابلة مع الملك عبد الله الأول ملك الأردن في عمّان في أبريل (نيسان) عام 1948 أي قبل شهر واحد على النكبة. وقال الملك لكلير: «متخوف مما سيحصل بعد مغادرة البريطانيين فلسطين، عندي شعور أن الروس سيقومون بدعم اليهود، وأنا جاهز للتصدي وإرسال عشرة آلاف جندي للقتال».
* مقالة نشرتها الـ«غارديان» لكلير في مطلع مايو (أيار) 1949 من القاهرة تحت عنوان: «الإخوان يخططون للاستيلاء على السلطة في القاهرة». وتأتي هذه المقالة بعد شهرين من اغتيال مفكر الجماعة حسن البنا الذي أدى إلى تمرد الجماعة وقلاقل أمنية في العاصمة المصرية.
* مقالة تحليلية في عدد الـ«غارديان» ليوم 6 من مايو عام 1964 تحت عنوان «النفط في ليبيا». كتبت كلير: «اكتشاف النفط في ليبيا لم يغير من عاصمتها طرابلس المتلونة بألوان إيطالية إلى الآن، ولكن هذا الاكتشاف سيغير معالم بلد كبير جغرافيا بتعداد سكاني ضئيل». وأضافت: «الملك إدريس ينتابه شعور بالحزن، لأنه يعي أن الملكية لن تستمر بعده».
* مقال نشر أواخر عام 1966 عن إيران تحت عنوان «الشاه ووحوش النفط»، وقصدت هنا الشركات البريطانية والأميركية التي أرادت قطعة الكعك الأكبر من قالب مخزون إيران النفطي. وفيما كتبت عن التنافس هذا، اختتمت كلير مقالها بقولها، «سيحتفل الشاه والشعب الإيراني بحلول 2500 عام على حكم ملكي في البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لكن ذلك سيتم فقط إن لعب الشاه (كروته) بتروٍ».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».