عون: لمست في السعودية ما توقعت من حرصها على لبنان

قال لـ «الشرق الأوسط» إن الحل لقانون الانتخابات موجود في اتفاق الطائف

الرئيس ميشال عون خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ويبدو الزميل ثائر عباس ({الشرق الأوسط})
الرئيس ميشال عون خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ويبدو الزميل ثائر عباس ({الشرق الأوسط})
TT

عون: لمست في السعودية ما توقعت من حرصها على لبنان

الرئيس ميشال عون خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ويبدو الزميل ثائر عباس ({الشرق الأوسط})
الرئيس ميشال عون خلال حديثه للزميل غسان شربل رئيس التحرير ويبدو الزميل ثائر عباس ({الشرق الأوسط})

بدت العلاقات السعودية - اللبنانية، في طريقها إلى انطلاقة جديدة بعد المحادثات التي أجراها الرئيس ميشال عون أمس في الرياض مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وأكد الرئيس اللبناني في حديث إلى «الشرق الأوسط» بعد المحادثات أنه سمع ولمس ما كان يتوقعه من حرص السعودية على أمن لبنان واستقراره وازدهاره واللحمة بين أبنائه. وقال إن قرار عودة السعوديين إلى لبنان متخذ، وتوقع أن تظهر نتائج الزيارة بعد محادثات عبر القنوات الوزارية.
* كيف تصفون المحادثات مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؟
- وجدت أن العلاقات القديمة قادرة على تجاوز أي غيوم عكرتها سابقًا. تحدثنا بكل طبيعية وارتياح. ووجدت لديه غيرة على لبنان قد تكون أكبر من غيرة بعض اللبنانيين. لقد كان مهتمًا بإبداء حرصه على استقرار لبنان، وعلى التسامح بين الطوائف اللبنانية. ولم ألمس في توجهاته إلا الخير للبنان، وهذا شيء لا يمكن أن نقابله إلا بالخير، علمًا بأننا في الأساس لم نكن نريد إلا الخير للمملكة، ولم يكن لدينا أي خيارات مناوئة. قد تكون هناك بعض الظروف التي دفعتنا إلى التزام الصمت، بسبب الأوضاع التي كانت تحصل في بعض الدول العربية وفي ما يخص هذه الدول. وأنا أعتبر أنه انطلاقًا من هذه الزيارة كل شيء عاد إلى طبيعته.
* هل هذا يعني صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية - السعودية؟
- نعم. عندما تنجلي هذه المرحلة العابرة، سنتأكد أنه لم تكن لها جذور لدى الشعب اللبناني، ومن البديهي أن تكون العلاقات طبيعية، بغض النظر عن أي تباينات يمكن أن تنشأ ومن أي تباينات ظهرت سابقًا في النظرة إلى الملف السوري.
* كيف كانت أجواء الخلوة مع جلالة الملك؟
- تصور أنك كنت تعمل من أجل شيء، ووجدت أنه تحقق تمامًا كما ترغب وتريد، فكيف يكون إحساسك؟ هذا ما وجدته تمامًا. لقد وجدت عند جلالته ما توقعته من حرص على لبنان واستقراره وأمنه وازدهاره واستمرار اللحمة بين طوائفه.
* وكيف سيترجم الأمر؟ هل بعودة السياح وعودة الدعم؟
- القرار متخذ بشأن عودة السياح، أما متممات هذا الموضوع فسيتم بحثها بين المختصين من البلدين. هناك قطاعات تجب معالجتها، كموضوع قطاع الطيران الذي يحتاج إلى اهتمام، وأيضًا مسألة التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفارة (السعودية) في بيروت، ومواضيع أخرى.
* التوجه هو بعودة العلاقات الطبيعية؟
- نعم، تمامًا، عودة العلاقات الطبيعية.
* هل هناك في التوازنات اللبنانية ما قد يعيق عودة العلاقات اللبنانية - العربية إلى ما كانت عليه؟
- كلا، لا يوجد ما يحول دون ذلك، والدليل على ذلك أن العلاقات مع السعودية رجعت. وأنا أعتبر أن المملكة هي الدولة المحورية في الخليج.
علاقتنا مع إيران عادية
* هل إن العلاقات مع إيران ستبقى عائقًا أمام العلاقات مع العالم العربي؟
- لدينا علاقات عادية مع إيران، وهناك تمثيل دبلوماسي، ولا تتضمن هذه العلاقات ما يحول دون علاقات طبيعية مع العالم العربي. هناك نقطة لا يمكن تجاهلها وهي مساعدة إيران «حزب الله» في إطار سياسة دعم المقاومة، وهذه المساعدة تحولت إلى ما يوصف بالحرب على الإرهاب في سوريا، وقد يكون ذلك إلى أمد لا نعرفه. لكن ضمن الأراضي اللبنانية، هناك دولة هي المسؤولة عن أمن المواطن، وهي مسؤولة عن أمن الجماعات، وعن حفظ الحدود. أما خارج الحدود، فالأزمة تفوق قدرة لبنان، وهي متوقفة على لاعبين دوليين وإقليميين كثر. وبالعودة إلى موضوع العلاقات السعودية - اللبنانية، فهذه العلاقات تهمنا كثيرًا، ولا أذكر أبدًا أزمات في العلاقات مع المملكة في العقود الماضية.
* هل بحثتم في موضوع المساعدات للجيش اللبناني؟
- هذا موضوع يبحث بين وزيري الدفاع في البلدين.
* في ظل انفتاحكم على العالم العربي، ما الدور الذي يمكن للبنان أن يلعبه في المنطقة؟
- نحن نعيد لبنان إلى وضعه كبلد نموذجي في التعاون بين الطوائف في المنطقة. فلبنان فيه المسلمون والمسيحيون والدروز وغيرهم، لدينا مزيج من أبناء الطوائف الموجودة في المنطقة. المسيحيون في المشرق متعايشون مع المسلمين، وهذا التعايش يعود إلى بداية الدعوة الإسلامية. وهذا أدى إلى تراكم في التعايش الإسلامي المسيحي تحول إلى نموذج. وهذا النموذج أخذه العالم، لكنهم الآن يتركونه، وهم يحاولون اليوم أن يفصلوا بيننا، ويسعون للنجاح في ما فشلوا فيه تاريخيًا.
نحن نؤمن بالتعددية السياسية التي تعتبر نموذجًا للديمقراطية، وتعني احترام كل الشعوب، ونؤمن بحرية الأديان؛ أي حرية المعتقد، وبحرية الرأي؛ أي بحق الاختلاف. إذا كان المرء مختلفًا عني بشكله وبطعامه ولباسه، وكان نموذجًا مختلفًا، وقبلته أنا كما هو، فعليه أن يقبلني أيضًا. القبول المتبادل بالآخر هو من تقاليدنا. ومن النادر في لبنان أن يحصل اختلاف طائفي، فالأساس هو الاختلاف السياسي. وأكبر تجربة مررنا بها هي خلال الأحداث السورية، حيث كانت الخطابات النارية عالية النبرة إلى حد كبير، لكن لم تحصل ضربة كف، ولم تسقط نقطة دم.
* هل يمكن للبنان أن يكون وسيطًا في المنطقة؟
- نعم، ولمَ لا. ما الذي قد يقوله أي كان إذا دعوته إلى إنهاء الحرب. فالحرب منهكة للجميع والحرب تربح بالبقايا، لأن الطرفين يخسران ويفوز من خسر أقل من الآخر. وكلما طال أمد الحرب كبرت الخسائر، بسبب الأسلحة المتطورة التي تستخدم الآن.
* وكيف يمكن لهذا الدور أن يترجم؟
- أولاً على لبنان أن يتكلم مع الجميع في المنطقة. وبعدها يستطيع الاستفاضة إلى مواضيع أخرى، لكن هذا الشيء يتطلب رغبة وإرادة من الأطراف المعنية. أنا أتيت اليوم إلى المملكة، وفهمت ما يهمها، وأنا أعرف ما الذي يجرحها من الأساس، وعلينا الآن أن نتكلم مع الجميع. إذا كانت هناك إرادة للحل، فلا شيء يعجز عنه الإنسان. نحن مستعدون للمساهمة بأي شيء إذا كانت هناك رغبة في ذلك.
* كيف تقيم انطلاقة العهد الجديد؟
- «هناك التزام بآلية عمل، والأمور ماشية». قلنا إننا سنحارب الفساد، وبالتأكيد سوف نحاربه. والفساد ليس شبحًا نفتش عنه ولا نجده، بل إن الفساد موجود في الوزارات وهي خلايا الحكم. وعلى رأس كل وزارة وزير مسؤول عن محاربة الفساد، والمسؤولية المعنوية تقع على الوزير. أما إذا كان - لا سمح الله - متورطًا فتكون مسؤوليته معنوية ومادية.
* هل ستكون هناك آلية واضحة بهذا المعنى، أي خطة عمل محددة؟
- نعم... لا يوجد شيء لا يمكن كشفه.
* اللبنانيون ينتظرون قانونًا جديدًا للانتخاب، فكيف السبيل إليه؟
- التفاهم هو السبيل الوحيد. الأمر واضح، ويبدأ من تطبيق اتفاق الطائف الذي عارضناه ثم قبلنا به ونطالب الآن بتطبيقه. «الطائف» يقول بقانون انتخابات يحترم قواعد العيش المشترك، ويؤمن التمثيل الصحيح لمختلف شرائح الشعب اللبناني. وصحة التمثيل وفعاليته. نحن لا نطالب بأكثر من المناصفة وصحة التمثيل.
لقد نشأ وضع خلال الوجود السوري في لبنان، أعطى أرجحية في الانتخابات - من خلال القانون - لفئة من اللبنانيين، حكمت بواسطة هذا القانون ومنعت أي إمكانية للتغيير في السلطة من خلال الانتخابات ومن إيجاد أكثرية أخرى. حللنا الأمور ووجدنا النقاط التي لا تسمح بتأمين صحة التمثيل، لكن هناك أطرافًا في لبنان لا تقبل بذلك. ولهذا نحاول إيجاد حلول من خلال قوانين تؤمن القدر الممكن من صحة التمثيل، من خلال ما يسمى القانون المختلط. وهذا أيضًا لا يزال يواجه مشكلات، فبعض الأطراف تريد أن تتمثل في البرلمان بكتل أكبر من حجمها وعلى حساب آخرين.
* من خلال هذه المعطيات، هل ترون إمكانية للوصول إلى قانون انتخابات جديد قبل موعدها المقرر في الربيع المقبل، أم أننا سنذهب إلى ما يسمى التمديد التقني لولاية البرلمان؟
- يستطيع المرء من خلال المزايدات أن يربح الانتخابات، لا نقبل منهم أن يدفعونا إلى هذا. الربح ممكن بهذه الطريقة، لكن هذه وسيلة غير مشروعة. نحن نريد بناء أكثريات على أساس شرعي، لا بالمزايدات الطائفية والسياسية ولا بالصفقات. نحن نريد الاستقرار، والاستقرار لا يحصل بالبندقية، بل بالاستقرار السياسي. وهذا الاستقرار يتحقق من خلال إحساس كل مواطن أنه ممثل في السلطة، وبأن حقوقه لا يتم أكلها من قبل الآخرين. والاستقرار اللبناني مضروب بالفساد وبعدم صحة التمثيل وعدم انتظام الممارسة الديمقراطية.
* هل وجدت أن الرئاسة أصعب مما كنت تعتقد؟
- لغاية الآن كلا.
* ألم تفاجأ بحجم التعقيدات التي تواجه الرئيس؟
- كلا (ممازحًا) أنا لست معقدًا. الأمر كما لو أن ثلاثة يبحثون عن الكنز، وعندما يقتربون من إيجاده يقتل اثنان منهم الثالث، ثم يقتل أحدهما الآخر للفوز بالكنز. أنا لا أريد للأمور أن تكون هكذا، فلا أريد الكنز لنفسي، بل أريده أن يبقى للجميع، ولا أريد أن أختلف على الكنز مع أحد.
* ما كان شعورك عندما عدت إلى القصر الجمهوري بعد كل هذا الوقت؟
- شعرت بمزيج من الارتياح والرضا.
* هل هناك إحساس بأنك حققت ثأرك؟
- كلا. أنا لا أؤمن بالثأر. لقد حاولوا اغتيالي ثلاث مرات ولم أعاتب من حاول. أنا لا أثأر فالعدالة هي من تثأر، إذا استطعنا تسمية الأمر ثأرًا.
* هل عادت كيمياء التعاون بينك وبين أعدائك السابقين؟
- لا يوجد لدي أعداء. إذا كان هناك من عدائية، فهي تكون من طرف واحد.
* فلنقل إنهم خصوم إذا كنت لا تحب كلمة أعداء..
- خصوم هي أقصى وصف. عندما نحتكم للنظام الديمقراطي تنتهي المشكلة، وأبعد ما نصل إليه هو التنافس.
* هل هناك كيمياء بينك وبين الرئيس سعد الحريري؟
- سعد إنسان طيب. ليس سيئًا.
* هل الزيارة إلى سوريا مطروحة؟
- لغاية الآن غير مطروحة، لكن هناك مشكلات بين لبنان وسوريا كقضية النازحين، قد تستلزم ذلك. الحمل ثقيل ولا أحد يساعدنا. حين يكون هناك مشكلة عالقة يجب أن يكون هناك اتصالات لحلها.
* هل تم التطرق إلى الموضوع السوري في المحادثات؟
- كلا. الموضوع السوري معروفة حيثياته.
* لماذا لم تعتبر الحكومة الحالية حكومة العهد الأولى؟ وما مواصفات هذه الحكومة برأيك؟
- لا أريد أن أدخل في تصنيفات وتحليل طبائع. هناك أسلوب عمل، ويبدو أن هذا الأسلوب يتم تطبيقه الآن وهذا أمر جيد جدًا.
* هل يمكننا القول إذن إن هذه الحكومة هي حكومة العهد الأولى؟
- الحكومة تعمل، ونقوم بإنجازات ونصل إلى نتائج.
* هل تعتقد أن صلاحيات الرئاسة هي أقل مما يجب، وأنك تعطيها من رصيدك الشخصي كزعيم شعبي؟
- لغاية الآن لم أستعن بالشعب لأقول إن قوتي من الشعب. لكن مثل هذه الاستعانة جائزة في الديمقراطية. عندما يكون الرئيس لا يريد أي شيء من الحكم إلا تطبيق القوانين والنظافة، فلا يمكن لأحد أن يعارضه.

بري والحب
* هل يمكن أن تعتاد على حب الرئيس بري؟
- (ضاحكًا) المهم أن يعتاد هو أن يحبني. أنا صوّت له أكثر من مرة في انتخابات رئاسة البرلمان، لكن هو لم يصوّت لي. لا أعرف لماذا حصل هذا؟.
* وكيف هي العلاقات الآن؟
- «منيحة». انتهت الأمور وأصبحت طبيعية.
* هل إن دور «حزب الله» في سوريا نقطة ضعف لعهدك؟
- هذا أمر ورثته، كما أن هذا الأمر جزء من صراع دولي - إقليمي كبير، فماذا يمكن للبنان أن يفعل؟ خلال السياق الحالي لا يمكن القيام بأكثر مما نفعل، وهو قائم على التفاهم والاستقرار والأمن وحفظ الحدود.
* هل تفكر بزيارة إلى روسيا التي أصبحت لاعبًا في المنطقة؟
- إذا أتتني دعوة فسألبيها. لبنان يسعى إلى صداقة الجميع.
* يحكى أنك كنت معنيًا بموضوع تحالف الأقليات، فهل ترى أن الأمور سائرة في هذا الاتجاه؟
- تستطيع أن تعطيها هذا المعنى، لكن السؤال هل تنجح؟ أنا لا أعتقد بنجاح تحالف الأقليات. النظام غير العادل هو غير عادل بحق الأكثرية والأقلية على حد سواء.
* هل لمست اهتمامًا سعوديًا بدور المسيحيين في لبنان؟
- لمست حرصهم على الثقافة المشتركة، وعلى اللحمة بين الطوائف المختلفة.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended