أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

اختاره ترامب وزيرا للدفاع والبيت الأبيض رفض اقتراحه بضرب طهران في 2011

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)

كانت الصواريخ التي أرسلتها إيران تنهمر بكثافة فوق رؤوس الجنرال جيمس ماتيس وجنوده طوال فصلي الربيع والصيف عام 2011. ولقي ستة جنود أميركيين حتفهم جراء القصف المتواصل شرق بغداد بداية شهر يونيو (حزيران) من ذلك العام. وبعد أسابيع قليلة، قتل ثلاثة جنود آخرين جراء قصف مماثل، ليرتفع عدد القتلى خلال شهر واحد إلى 15 قتيلاً. كان ذلك الشهر الأسوأ للقوات الأميركية في العراق خلال عامين، وتعهدت الميليشيات التي تدعمها إيران بشن المزيد من الهجمات الصاروخية وإراقة المزيد من الدماء.
وشدد الجنرال ماتيس، القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، آنذاك أن يرسل رسالة واضحة لطهران لكي تتوقف عن ممارساتها. وبحسب مسؤول أميركي رفيع سابق، حضر جلسة وجد فيها السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية في العراق اللذان أيدا ماتيس في طرحه، كان المقترح هو الرد على إيران في عقر دارها.
وكان من ضمن المقترحات، توجيه ضربة جوية أميركية في منتصف الليل لمحطة كهرباء أو لمصفاة نفط إيرانية، وفق المسؤولين اللذين طلبا عدم ذكر اسميهما. وأفاد أحد المسؤولين بأن ماتيس أبلغ واشنطن بقوله: «علينا أن نجعلهم يدركون أن لدينا صواريخ كذلك». سرعان ما وصلت مقترحات ماتيس البيت الأبيض، الذي تبنى وجهة نظر مختلفة إزاء كبح جماح إيران لكي تتوقف عن ممارساتها العدوانية.
فبالنسبة للرئيس باراك أوباما، لن يؤدي ضرب إيران إلا إلى تفاقم الأوضاع وتوسيع نطاق الصراع الذي وعد بإنهائه، فيما رأى آخرون في البيت الأبيض أن مقترحات ماتيس تحمل في طياتها بوادر حرب جديدة في الشرق الأوسط.
عكست معركة الرد على الخسائر التي تكبدتها القوات الأميركية صيف عام 2011 الانقسام الكبير الذي نشأ بين الرئيس أوباما وكبار قادة قواته في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي استشعر فيه البيت الأبيض مخاطر مغامرة القيام بعمل عسكري، كان ماتيس يمثل الصوت الآتي من الميدان والمصمم على رد فعل قوي.
وفي السياق نفسه، قال ليون بانيتا، وزير الدفاع في تلك الفترة: «كان هناك بالبيت الأبيض من يرون أن مقترحات ماتيس تمثل مغامرة. لكن بالنسبة لي، كنت أرى أن أيًا من تلك المقترحات كانت بالنضج الكافي، أو أنها تستحق أن ينظر الرئيس فيها ليتخذ قرارًا بشأنها». في النهاية، لم يرق مقترح ماتيس وأسلوبه العدواني للبيت الأبيض ولا للرئيس.
والآن سيلعب ماتيس دورًا مختلفًا بعدما أصبح اختيار دونالد ترامب لوزارة الدفاع، إذ إنه سيتولى قيادة قوة قوامها نحو 1.3 مليون جندي موزعة على أكثر من 150 دولة. وسيخدم ماتيس رئيسًا سبق وأن شكك في حيادية وكالات الاستخبارات الأميركية، ودعم أحيانًا أطرافًا لطالما كانت تعتب خصوما، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فترامب رئيس يميل دومًا لغير المتوقع، ويفضل ذلك على النقاش المتأني، ويميل للقوة أكثر من الدبلوماسية.
طبيعة خلاف ماتيس مع إدارة أوباما، وتحديدًا إزاء إيران، تعطي مؤشرًا على الأسلوب الذي سيقود به الجنرال البحري المتقاعد أكبر قوة عسكرية في العالم، والنصيحة التي سيسديها لترامب في الأوقات الحساسة عند لقائهما بغرفة الاجتماعات بالبيت الأبيض. فالنقاشات الحامية عام 2011 بشأن طريقة التعامل مع مسألة الصواريخ الإيرانية استمرت لأسابيع.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول سابق بالبنتاغون شارك في النقاشات إنه «كان هناك قلق بشأن حجم رد الفعل وتأثيره، وما إذا كان الإيرانيون سيصعدون الموقف. هل تستطيع فعليًا تحديد المسؤولين عن ذلك بدلاً من توجيه اتهامات عشوائية؟ ما ستفعله لن يكون أكثر من محاولة وخز، هل يمكنك أن تفعل ما هو أكبر من الوخز من دون أن تتسبب في نشوب صراع؟» في النهاية، سمح لماتيس بالتصرف داخل العراق ضد قادة الميليشيات الذين تقودهم إيران.
وبرزت إيران خلال أغلب فترات رئاسة أوباما، كإحدى أكبر مشكلات السياسة الخارجية الأميركية وأكثرها اشتعالاً. ومن أهم أوجه هذا التحدي، كان أسلوب إدارة إسرائيل بوصفها أقرب الحلفاء بالمنطقة، بل والاعتداء الذي تستطيع القيام به بمفردها ضد إيران.
كان القادة الإسرائيليون يرسلون رسائل مختلطة إلى إدارة أوباما وكبار مستشاريه عن رغبتهم في منع إيران من تطوير سلاح نووي. وأبلغ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك نظراءه بالبنتاغون عن خطط سرية لشن هجمات، على غرار عمليات القوات الخاصة (الكوماندوز) على أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، فيما أبلغ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد، الأميركيين سرًا بأن إسرائيل لن يمكنها اتخاذ إجراء أحادي ضد إيران، مما وضع البيت الأبيض في حيرة إزاء تصديق أي من الرأيين.
فعمل ماتيس بالقيادة المركزية كان الاستعداد في حال أشعلت إسرائيل حربا، وإعطاء إشارة للإيرانيين بأن العواقب ستكون وخيمة عليهم حال قرروا توسيع نطاق الصراع مع الولايات المتحدة. حمل ماتيس تلك المسؤولية على عاتقه بجدية، وأحيانًا بجدية أكبر من تلك التي تعامل بها البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية مع الأمر، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين.
فبعد تعيين ماتيس قائدًا للقوات الأميركية بالشرق الأوسط مباشرة في أغسطس (آب) 2010، وعندما طلب منه أوباما توضيح مهامه وأولوياته في الشرق الأوسط، أجاب: «الأولوية الأولى إيران، والثانية إيران، والثالثة إيران»، وفق مسؤول رفيع حضر اللقاء. أثار تركيز الجنرال على أمر واحد فقط أعصاب بعض القادة المدنيين الذين قالوا إنه من الواجب عليه توسع نظرته لتشمل تهديدات أخرى. فأسلوب ماتيس وتباهيه دوما بسلاح البحرية الذي ينتمي إليه، غالبًا ما ضرب الوتر الخطأ في البيت الأبيض الذي كان يركز على الدبلوماسية، وهو الأمر الذي لم يتوافر بوضوح لدى كبار المسؤولين ذوي الخلفية والخبرات العسكرية. غير أن ماتيس ومساعديه كانوا يمثلون الصوت العالي في أي خطة عسكرية أميركية بشأن إيران.
وكانت استعدادات ماتيس لصراع محتمل تثير بعض المسؤولين الأميركيين، الذين دعاهم لحضور اجتماع بمقر القيادة المركزية في أحد بلدان الشرق الأوسط عام 2011 ليسمع وجهات نظرهم بشأن أسلوب رد إيران المحتمل ضد حلفاء الولايات المتحدة، ومنشآتها الحيوية. وبحسب سفير حضر اللقاء، شعر بعض الدبلوماسيين بأن ماتيس بدا وكأنه يصف سيناريو «الحرب العالمية الثالثة».
في بعض الأحيان، كان الجيش الأميركي يجري تدريبات بهدف إرسال رسائل للحرس الثوري الإيراني للإيحاء بجدية الولايات المتحدة. وكان يحدث أحيانًا خلال وبعد هذه المناورات أن ترصد وكالات التجسس الأميركية رد الفعل الإيراني، وأحيانًا لم يكن الإيرانيون ينتبهون للإشارة المقصودة، وكان الأميركيون يفهمون أن إيران لم تلتقط إشارتهم ومقصدهم. وفي مرات أخرى، كان الإيرانيون يظهرون رد فعل لممارسات أميركية رغم أن الأميركيون لم يقصدوا شيئًا من ورائها.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول كبير بالبنتاغون إن «ضباب وغيوم الحرب كانت كبيرة». فوسط هذا الجو المليء بالتوتر، بدأ ماتيس في الضغط للحصول على صلاحيات لضرب الإيرانيين بقوة في حال ظهرت بوادر التحول للحرب على إيران. وكان من المحتمل أن تبدأ أول بوادر الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل بإلقاء إيران لألغام بحرية في مضيق هرمز، لخنق إمدادات النفط بالشرق الأوسط.
طالب ماتيس الموافقة على ضرب الزوارق الإيرانية السريعة بمجرد أن يصل لمسامع الاستخبارات الأميركية معلومات مؤكدة عن شروع إيران في وضع الألغام بالمضيق. فوفق تفكيره، الزوارق الإيرانية ستكون الهدف الأسهل عندما تكون في موانئها، وأن ضربة كهذه سوف تتسبب في شلل قدرات إيران العسكرية قبل أن تتحرك من مكانها. غير أن البيت الأبيض شعر بقلق من أن معلومات استخباراتية مغلوطة أو أن تقييمًا متسرعًا قد يشعل حربًا مع إيران من دون داعٍ. وبحسب بانيتا: «مفهوم أننا في حال قررنا خوض حرب بمضيق هرمز، يجب أن يكون للرئيس دور».
اختتم ليون بانيتا كلامه قائلاً إن القرار الأخير الذي أعقب نقاشات ساخنة نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 كان يتجه لتبني حل وسط، بأن يتخطى أوباما البيت الأبيض بإجراءاته الحذرة والمتثاقلة، ويقرر هو بنفسه ما إذا كان سيتخذ قرارًا على وجه السرعة بشأن ضرب الزوارق الإيرانية، إذا احتاج الأمر ذلك.

خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.