أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

اختاره ترامب وزيرا للدفاع والبيت الأبيض رفض اقتراحه بضرب طهران في 2011

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)

كانت الصواريخ التي أرسلتها إيران تنهمر بكثافة فوق رؤوس الجنرال جيمس ماتيس وجنوده طوال فصلي الربيع والصيف عام 2011. ولقي ستة جنود أميركيين حتفهم جراء القصف المتواصل شرق بغداد بداية شهر يونيو (حزيران) من ذلك العام. وبعد أسابيع قليلة، قتل ثلاثة جنود آخرين جراء قصف مماثل، ليرتفع عدد القتلى خلال شهر واحد إلى 15 قتيلاً. كان ذلك الشهر الأسوأ للقوات الأميركية في العراق خلال عامين، وتعهدت الميليشيات التي تدعمها إيران بشن المزيد من الهجمات الصاروخية وإراقة المزيد من الدماء.
وشدد الجنرال ماتيس، القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، آنذاك أن يرسل رسالة واضحة لطهران لكي تتوقف عن ممارساتها. وبحسب مسؤول أميركي رفيع سابق، حضر جلسة وجد فيها السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية في العراق اللذان أيدا ماتيس في طرحه، كان المقترح هو الرد على إيران في عقر دارها.
وكان من ضمن المقترحات، توجيه ضربة جوية أميركية في منتصف الليل لمحطة كهرباء أو لمصفاة نفط إيرانية، وفق المسؤولين اللذين طلبا عدم ذكر اسميهما. وأفاد أحد المسؤولين بأن ماتيس أبلغ واشنطن بقوله: «علينا أن نجعلهم يدركون أن لدينا صواريخ كذلك». سرعان ما وصلت مقترحات ماتيس البيت الأبيض، الذي تبنى وجهة نظر مختلفة إزاء كبح جماح إيران لكي تتوقف عن ممارساتها العدوانية.
فبالنسبة للرئيس باراك أوباما، لن يؤدي ضرب إيران إلا إلى تفاقم الأوضاع وتوسيع نطاق الصراع الذي وعد بإنهائه، فيما رأى آخرون في البيت الأبيض أن مقترحات ماتيس تحمل في طياتها بوادر حرب جديدة في الشرق الأوسط.
عكست معركة الرد على الخسائر التي تكبدتها القوات الأميركية صيف عام 2011 الانقسام الكبير الذي نشأ بين الرئيس أوباما وكبار قادة قواته في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي استشعر فيه البيت الأبيض مخاطر مغامرة القيام بعمل عسكري، كان ماتيس يمثل الصوت الآتي من الميدان والمصمم على رد فعل قوي.
وفي السياق نفسه، قال ليون بانيتا، وزير الدفاع في تلك الفترة: «كان هناك بالبيت الأبيض من يرون أن مقترحات ماتيس تمثل مغامرة. لكن بالنسبة لي، كنت أرى أن أيًا من تلك المقترحات كانت بالنضج الكافي، أو أنها تستحق أن ينظر الرئيس فيها ليتخذ قرارًا بشأنها». في النهاية، لم يرق مقترح ماتيس وأسلوبه العدواني للبيت الأبيض ولا للرئيس.
والآن سيلعب ماتيس دورًا مختلفًا بعدما أصبح اختيار دونالد ترامب لوزارة الدفاع، إذ إنه سيتولى قيادة قوة قوامها نحو 1.3 مليون جندي موزعة على أكثر من 150 دولة. وسيخدم ماتيس رئيسًا سبق وأن شكك في حيادية وكالات الاستخبارات الأميركية، ودعم أحيانًا أطرافًا لطالما كانت تعتب خصوما، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فترامب رئيس يميل دومًا لغير المتوقع، ويفضل ذلك على النقاش المتأني، ويميل للقوة أكثر من الدبلوماسية.
طبيعة خلاف ماتيس مع إدارة أوباما، وتحديدًا إزاء إيران، تعطي مؤشرًا على الأسلوب الذي سيقود به الجنرال البحري المتقاعد أكبر قوة عسكرية في العالم، والنصيحة التي سيسديها لترامب في الأوقات الحساسة عند لقائهما بغرفة الاجتماعات بالبيت الأبيض. فالنقاشات الحامية عام 2011 بشأن طريقة التعامل مع مسألة الصواريخ الإيرانية استمرت لأسابيع.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول سابق بالبنتاغون شارك في النقاشات إنه «كان هناك قلق بشأن حجم رد الفعل وتأثيره، وما إذا كان الإيرانيون سيصعدون الموقف. هل تستطيع فعليًا تحديد المسؤولين عن ذلك بدلاً من توجيه اتهامات عشوائية؟ ما ستفعله لن يكون أكثر من محاولة وخز، هل يمكنك أن تفعل ما هو أكبر من الوخز من دون أن تتسبب في نشوب صراع؟» في النهاية، سمح لماتيس بالتصرف داخل العراق ضد قادة الميليشيات الذين تقودهم إيران.
وبرزت إيران خلال أغلب فترات رئاسة أوباما، كإحدى أكبر مشكلات السياسة الخارجية الأميركية وأكثرها اشتعالاً. ومن أهم أوجه هذا التحدي، كان أسلوب إدارة إسرائيل بوصفها أقرب الحلفاء بالمنطقة، بل والاعتداء الذي تستطيع القيام به بمفردها ضد إيران.
كان القادة الإسرائيليون يرسلون رسائل مختلطة إلى إدارة أوباما وكبار مستشاريه عن رغبتهم في منع إيران من تطوير سلاح نووي. وأبلغ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك نظراءه بالبنتاغون عن خطط سرية لشن هجمات، على غرار عمليات القوات الخاصة (الكوماندوز) على أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، فيما أبلغ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد، الأميركيين سرًا بأن إسرائيل لن يمكنها اتخاذ إجراء أحادي ضد إيران، مما وضع البيت الأبيض في حيرة إزاء تصديق أي من الرأيين.
فعمل ماتيس بالقيادة المركزية كان الاستعداد في حال أشعلت إسرائيل حربا، وإعطاء إشارة للإيرانيين بأن العواقب ستكون وخيمة عليهم حال قرروا توسيع نطاق الصراع مع الولايات المتحدة. حمل ماتيس تلك المسؤولية على عاتقه بجدية، وأحيانًا بجدية أكبر من تلك التي تعامل بها البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية مع الأمر، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين.
فبعد تعيين ماتيس قائدًا للقوات الأميركية بالشرق الأوسط مباشرة في أغسطس (آب) 2010، وعندما طلب منه أوباما توضيح مهامه وأولوياته في الشرق الأوسط، أجاب: «الأولوية الأولى إيران، والثانية إيران، والثالثة إيران»، وفق مسؤول رفيع حضر اللقاء. أثار تركيز الجنرال على أمر واحد فقط أعصاب بعض القادة المدنيين الذين قالوا إنه من الواجب عليه توسع نظرته لتشمل تهديدات أخرى. فأسلوب ماتيس وتباهيه دوما بسلاح البحرية الذي ينتمي إليه، غالبًا ما ضرب الوتر الخطأ في البيت الأبيض الذي كان يركز على الدبلوماسية، وهو الأمر الذي لم يتوافر بوضوح لدى كبار المسؤولين ذوي الخلفية والخبرات العسكرية. غير أن ماتيس ومساعديه كانوا يمثلون الصوت العالي في أي خطة عسكرية أميركية بشأن إيران.
وكانت استعدادات ماتيس لصراع محتمل تثير بعض المسؤولين الأميركيين، الذين دعاهم لحضور اجتماع بمقر القيادة المركزية في أحد بلدان الشرق الأوسط عام 2011 ليسمع وجهات نظرهم بشأن أسلوب رد إيران المحتمل ضد حلفاء الولايات المتحدة، ومنشآتها الحيوية. وبحسب سفير حضر اللقاء، شعر بعض الدبلوماسيين بأن ماتيس بدا وكأنه يصف سيناريو «الحرب العالمية الثالثة».
في بعض الأحيان، كان الجيش الأميركي يجري تدريبات بهدف إرسال رسائل للحرس الثوري الإيراني للإيحاء بجدية الولايات المتحدة. وكان يحدث أحيانًا خلال وبعد هذه المناورات أن ترصد وكالات التجسس الأميركية رد الفعل الإيراني، وأحيانًا لم يكن الإيرانيون ينتبهون للإشارة المقصودة، وكان الأميركيون يفهمون أن إيران لم تلتقط إشارتهم ومقصدهم. وفي مرات أخرى، كان الإيرانيون يظهرون رد فعل لممارسات أميركية رغم أن الأميركيون لم يقصدوا شيئًا من ورائها.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول كبير بالبنتاغون إن «ضباب وغيوم الحرب كانت كبيرة». فوسط هذا الجو المليء بالتوتر، بدأ ماتيس في الضغط للحصول على صلاحيات لضرب الإيرانيين بقوة في حال ظهرت بوادر التحول للحرب على إيران. وكان من المحتمل أن تبدأ أول بوادر الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل بإلقاء إيران لألغام بحرية في مضيق هرمز، لخنق إمدادات النفط بالشرق الأوسط.
طالب ماتيس الموافقة على ضرب الزوارق الإيرانية السريعة بمجرد أن يصل لمسامع الاستخبارات الأميركية معلومات مؤكدة عن شروع إيران في وضع الألغام بالمضيق. فوفق تفكيره، الزوارق الإيرانية ستكون الهدف الأسهل عندما تكون في موانئها، وأن ضربة كهذه سوف تتسبب في شلل قدرات إيران العسكرية قبل أن تتحرك من مكانها. غير أن البيت الأبيض شعر بقلق من أن معلومات استخباراتية مغلوطة أو أن تقييمًا متسرعًا قد يشعل حربًا مع إيران من دون داعٍ. وبحسب بانيتا: «مفهوم أننا في حال قررنا خوض حرب بمضيق هرمز، يجب أن يكون للرئيس دور».
اختتم ليون بانيتا كلامه قائلاً إن القرار الأخير الذي أعقب نقاشات ساخنة نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 كان يتجه لتبني حل وسط، بأن يتخطى أوباما البيت الأبيض بإجراءاته الحذرة والمتثاقلة، ويقرر هو بنفسه ما إذا كان سيتخذ قرارًا على وجه السرعة بشأن ضرب الزوارق الإيرانية، إذا احتاج الأمر ذلك.

خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».