براءة العراق الملكي من ضياع فلسطين

كتاب يتهم الحزب الشيوعي وعبد الناصر وأمين الحسيني بإفشال الجهد العراقي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

براءة العراق الملكي من ضياع فلسطين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يسعى كتاب «العراق الملكي وقضية فلسطين 1914-1958» للدكتور أحمد باش أعيان الذي صدر أخيرا عن دار الحكمة بلندن في 1006 صفحات من القطع الكبير، لإجلاء الصورة التي شابها الكثير من الجدل (بحسب المؤلف) في ما يتعلق بمواقف وسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة خلال العهد الملكي من قضية فلسطين.
سواء كان هذا الجدال أثناء فترة العهد الملكي (1921 - 1958)، أو منذ سقوطه كنظام حكم يوم 14 يوليو (تموز) 1958م وحتى اليوم. مؤلف الكتاب هو أحمد برهان الدين باش أعيان، ابن أحد رجال العهد الملكي في العراق. وكان قد انتقل مع والده وعائلته إلى السعودية أواخر عام 1963، حين عمل والده (صاحب السيرة) كمستشار قانوني لدى حكومتها حتى وفاته في أواخر عام 1975، واكتسب المؤلف الجنسية السعودية، وعمل في شركة «أرامكو السعودية» في الظهران منذ عام 1984 حتى تقاعده عام 2010.
يرى المؤلف أن اهتمام العراقيين بقضية فلسطين ازداد منذ حصول العراق على استقلاله، «علما أن العراق كان لا يزال دولة ناشئة وضعيفة من كل الأوجه، ومحكوما بتسلط نفوذ بريطانيا». وقد تصاعدت النشاطات الشعبية والرسمية في العراق للتصدي للمشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين خلال الفترة بين عامي 1932 و1948، إذ بذل العراقيون، حكومة وشعبا، جهودا حثيثة لمقاومة هذا المشروع على كل الأصعدة.. الشعبية، والإعلامية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، ضمن حدود إمكاناتهم.

* دولة نوري السعيد
يتحدث المؤلف عن فكرة طرأت على نوري السعيد (1888-1958) الذي تولى رئاسة الوزراء في العهد الملكي 14 مرة، وذلك حين فشل في منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ورأى أن تلك الفكرة «من شأنها أن تحول دون قيام دولة يهودية في فلسطين أو طرد سكانها العرب الأصليين منها، وفي الوقت نفسه ترضي جميع الأطراف.. العربية والبريطانية والصهيونية». وكانت فكرته تتمحور حول إقامة دولة عربية مستقلة تشمل بلاد الشام كلها، بما فيها فلسطين (أي ما يسمى بـ«الهلال الخصيب» أو «سوريا الكبرى»)، وأن «يكون لليهود فيها مكان كمواطنين لهم حقوقهم الكاملة».
يقول المؤلف عن هذه الفكرة: «بعد اعتراضات عربية وبريطانية على الفكرة، تمكن نوري من التوصل إلى صيغة ترضي جميع العرب، وفي مقدمتهم القادة الفلسطينيون، والسلطات البريطانية في فلسطين والشرق الأوسط. ولكن المشروع ما لبث أن أحبط من قبل الصهيونية، سواء مباشرة، أو عن طريق ممثليها في فلسطين». لكن الدعم العراقي العسكري والاقتصادي للقضية الفلسطينية بقي، على الرغم من أنه كان «في معظم الأحيان متواضعا ومحدودا جدا خلال هذه الفترة». وقد كان من شأن فشل معاهدة بورتسموث في مطلع عام 1948 أن يتسبب في تقليص فرص تسليح وتدريب الجيش العراقي بشكل يتناسب مع حجم ونوعية الخطر الإرهابي والعسكري الصهيوني في فلسطين.

* اليهود العراقيون
يتوقف المؤلف عند قضية اليهود العراقيين، فرغم انقلاب بكر صدقي (1936-1937) وحركة رشيد عالي الكيلاني (1941م)، اللذين تعرضا بشكل أو بآخر لليهود العراقيين، فإن وضع الجالية اليهودية في العراق طيلة الفترة بين عام الاستقلال 1932 وحتى بعد تأسيس دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948، بل وإلى سقوط النظام الملكي عام 1958، بقي مستقرا ومزدهرا، من كل النواحي.. الدينية والاقتصادية والتعليمية والثقافية.
ويلاحظ كذلك أن «اليهود العراقيين بصورة عامة، عزفوا عن التورط في السياسة، مع بعض الاستثناءات القليلة، إلا أن حضورهم الإعلامي والأدبي والثقافي كان ملموسا».
على صعيد الأحزاب السياسية كان لليهود وجود في الحزب الشيوعي العراقي وذلك بعد تأسيسه رسميا ببضع سنوات. وبدأ اليهود العراقيون في تبوء مناصب إدارية في الحزب منذ أواسط عقد الأربعينات من القرن العشرين، ليصل بعضهم إلى أعلى المراكز فيه. لكن الأمور بدأت تتغير بشكل مثير وسريع بعد تأسيس إسرائيل عام 1948، «ذلك أن النشاط الصهيوني الإرهابي ضد اليهود العراقيين في داخل العراق لإرعابهم وإرغامهم على ترك العراق والهجرة إلى فلسطين، تصاعدت وتيرته وتضخمت شراسته وقسوته ضد اليهود العراقيين أنفسهم منذ عام 1948، حتى نجحت الصهيونية في نهاية المطاف في تهجير معظم اليهود العراقيين بحلول عام 1953».

* الخطر الشيوعي
في تلك الفترة، استجاب نوري السعيد لدعوة الولايات المتحدة الأميركية لتشكيل تحالف عراقي - تركي - إيراني - باكستاني تنضم إليه لاحقا دول عربية أخرى، هدفه التصدي للمد الشيوعي الذي كان هاجس العالم الغربي وكل الدول والمجتمعات والمؤسسات المحافظة واليمينية في سائر أنحاء العالم منذ قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917. من هنا جاءت فكرة ميثاق بغداد، الذي اشتهر عرفا في الإعلام العربي بـ«حلف بغداد»، والذي انضمت له بريطانيا، بعد تركيا وإيران وباكستان، ولم تنضم له الولايات المتحدة ولكنها ظلت الراعية والداعمة والضامنة له.

* معلومات مغلوطة
يرى المؤلف أن إسرائيل استمرت في حربها ضد العراق (إعلاميا، وسياسيا، وإرهابا داخليا)، بل إنه يتحدث عن أصابع إسرائيلية وراء تغيير النظام الملكي بأكمله، بقوله: «لقد تضافرت جهود الحركة الصهيونية والتنظيمات الشيوعية (وربما أيضا الحكومة البريطانية في نهاية المطاف)، لشن كل هذه الحروب، فنجحت في نهاية المطاف في إفشال ميثاق بغداد، وتهجير اليهود العراقيين، وقلب نظام الحكم الملكي».
ويرى الباحث إلى درجة الجزم أن «معظم الرعيل الأول من رجال الدولة العراقية الناشئة (1921-1958) كانوا في الواقع هم وأسرهم من أشد المخلصين، ماديا ومعنويا، للقضية الفلسطينية». لكن النقطة الأبرز في هذه الدراسة ما خلص له البحث، وهو استنتاج ذو دلالة لكونه يقلب المسلمات المتداولة شعبيا وشبه رسمي في أدبيات ومجالس العامة والخاصة في العراق وخارجه، عن تهاون أو تخاذل حكومات العهد الملكي في العراق تجاه القضية الفلسطينية. يقول عن ذلك: «الحقيقة التي اتضحت من خلال هذه الدراسة هي أن معظم الشخصيات الرئيسة في العراق خلال فترة العهد الملكي كانت شخصيات مستقلة، لها مبادئها القومية الخالصة.. وأن معظم الانطباعات التي ترسخت في الفولكلور الشعبي وشبه الرسمي السياسي العراقي، وفي بعض الدول العربية الأخرى، عن طبيعة العلاقة بين شخصيات وحكومات العهد الملكي في العراق والنظام الملكي نفسه ككل من جهة، وبين بريطانيا والمعسكر الغربي من جهة أخرى، كانت نتيجة معلومات مشوهة وأخبار مغلوطة، كما أنها انطباعات بنيت على فرضيات باطلة منطقيا».
أما منشأ هذه المغالطات والشائعات التي يتحدث عنها الكتاب، فيعيد المؤلف القسط الأكبر منها إلى مصدرين رئيسين، وهما الحزب الشيوعي العراقي، والرئيس المصري جمال عبد الناصر وأجهزته الإعلامية وأنصاره في بعض الدول العربية الأخرى، مثل العراق وسوريا (الكتاب، ص 946).

* لماذا فشل العراق؟
أما لماذا فشل العراق، سواء عبر مؤسساته الشعبية أو الحزبية أو السياسية أو العسكرية، في خدمة القضية الفلسطينية؟ فيجيب المؤلف عن هذا السؤال عبر مجموعة من النقاط، أهمها: الضعف والتمزق العام في العالمين العربي والإسلامي، وكذلك الاحتلال والاستعمار البريطاني للعراق منذ عام 1914 وحتى قيام الدولة العراقية كمملكة، وإن كان برعاية بريطانية، وذلك عام 1921، وهي في الحقيقة استعمار استمر 11 سنة أخرى، ولو بشكل غير مباشر وأقل ظهورا من ذي قبل، أي حتى عام 1932 عندما أصبح العراق عضوا كامل الأهلية في عصبة الأمم. والسبب الثالث هو الصهيونية العالمية، والرابع هو الحزب الشيوعي العراقي «الذي كانت بعض العناصر القيادية العليا فيه إما يهودية أو متعاطفة مع الصهيونية»، حسب الكاتب. والسبب الخامس هو ظهور التيار القومي المتطرف.
وفي هذا السياق، يضع المؤلف اللوم على شخصيات فلسطينية بينها مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، الذي نفي للعراق في مطلع عام 1939، والذي لعب، استنادا إلى الكتاب، «دورا لولبيا في دفع وجهة النظر المضادة لسياسة الحكومة العراقية، بمساهمته النشطة في الدعوة إلى التطرف القومي بين الشباب والمثقفين العراقيين، وللانحياز إلى جانب معسكر المحور (ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية)، كلية في السنين الأولى من الحرب العالمية الثانية» (الكتاب، ص 955 – 956). كذلك يذكر من الأسباب الأخرى لفشل العراق في ما يخص القضية الفلسطينية، تعنت القيادات الفلسطينية أمام الحلول العملية التي طرحت أمامها.
لهذه الأسباب، يقول المؤلف: «فإن كل دارس للتاريخ السياسي للعراق الملكي، والمتتبع، بالدقة المطلوبة، لتسلسل الأحداث وترابطها، لا يسعه إلا أن يستنتج أن سياسات معظم الحكومات العراقية في العهد الملكي تجاه فلسطين كانت محكوما عليها بالفشل».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.