تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

التكنولوجيا والدعامات الرقمية تحدثان تحولات عميقة في الثقافة والمجتمع

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة
TT

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

يعد تطور التكنولوجيات والدعامات الرقمية خلال السنوات الأخيرة (التواصل عبر الشبكة، الحواسيب، الهواتف المحمولة، الهواتف الذكية، الأقراص، أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، المواقع...) إنجازا مبهرا؛ إذ غزت تدريجيا كل مجالات النشاط البشري. لقد أصبح الجميع معنيا بالرقمية؛ فهي قضية تشغل بال عالم الاجتماع، والفيلسوف، واللساني، والناشر وغيرهم. فالمطابع ودور النشر، مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها ونماذجها الاقتصادية. والكاتب معني بالتواصل مع المتخصصين في مجال الرقمية.
هل سنلج فضاء جديدا مع الرقمية؟ هل نعيش تحولا عميقا على المستويين الثقافي والاجتماعي؟ هل نعيش زمن القطيعة؟ أيجب تحديد هذه القطيعة بمصطلحات أنثربولوجية؟ أم أننا نعيش تحولا جذريا للإنسانية يرتكز على أشكال سوسيوتقنية جديدة؟ ما الذي غيرته الرقمية في علاقتنا بالهوية الشخصية وبالغير؟ وما الذي غيرته على مستوى الولوج إلى المعارف والمعلومات؟ هل تشجع صيغا جديدة للإبداع والقراءة؟ هل هي مصدر لتجديد ثقافي؟ ما الحل إذن، أمام وجهات النظر المتباينة، والتعارض بين خطاب الغنائية وخطاب الوعيد؟
وإذا كان من الصعب طبعا الإحاطة بكل الجوانب والقطاعات المعنية بهذا التسونامي الرقمي. فإننا سنحاول إضاءة الرقمية، مركزين على بعض مظاهر التحول المتعلقة بها على مستوى الكتابة والقراءة.

* محاولة للتحديد

* ترتبط الرقمية في أصلها الإيتيمولوجي (علم تأصيل الكلام) بالرقم. وقد شاع مفهوم الرقمي le numérique، بفضل تطور الإعلاميات والتواصل السمعي البصري. ويشار إلى هذه التحولات بصيغ تعبيرية مختلفة: التكنولوجيات الرقمية، المجتمع الرقمي، الزمن الرقمي.. وتتصل الرقمية بتحولات أساسية، يمكن إجمالها في الإشارات التالية:
- طريقة معالجة المعلومات بشكل متجانس.
- التطورات المرتبطة بصناعة الدارات الإلكترونية والبرانم.
- تطور علوم جديدة كالإعلاميات والسيميائيات.
- غنى التطبيقات التكنولوجية والصناعية.
لقد ترتب عن الوضعية الجديدة، تحليلات وتعليقات عدة، ومواقف متباينة ومتناقضة أحيانا، حول هذه الحالة الرقمية «الجديدة». فثمة آراء جد متحمسة تصفق لهذا الواقع الجديد، مبررة اختيارها بما تقدمه الشبكة من محاسن، على مستويات توفير البيانات، وتسهيل التبادلات، وتعزيز العلاقات وغير ذلك. ومن أنصار هذا الاتجاه، المفكر ميشال سار Michel Serres، الذي يبدي انبهاره بقدرة الأجيال الشابة (الإصبع الصغيرة) على الإبداع والاختراع.
لكن ما يثير القلق في المقابل، هو إحكام الرقمية القبضة على حياتنا؛ إذ تشيع ارتباطات وعلاقات قوية بالشاشة، عبر ظاهرة الإدمان بواسطة الإصبع، مع ما يرافقها من مخاطر. هذه، مثلا، وجهة نظر سيديريك بياجيني Cediric Biagini، التي تدعو إلى التصدي للأنساق التكنولوجية ومنطقها الفرداني، والخروج من الشرنقة الرقمية التي ارتمينا فيها.

* الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة

* أولا: الكتابة
تؤثر الرقمية على الممارسة الثقافية، وتكرس الهوة بين النخبة التي تملك إمكانات جديدة للوصول إلى المعرفة، وبين الفئات الاجتماعية الهشة التي تمعن الرقمية في إقصائها، لتغدو الفجوة الرقمية فجوة اجتماعية. ويعيش الكتاب، ضمن هذا المنظور، خطر التهميش، الذي يهدد الإبداع الفردي وحقوق المؤلف. كيف نحمي حقوق التجديد والإبداع في ظل مقولات التعاون والتقاسم؟
ينظر إلى الرقمية في فرنسا مثلا، باعتبارها تهديدا لعالم الثقافة؛ لأنها تفتح المجال للتحميل غير المشروع والمجانية الكلية للولوج للمؤلفات. إنه خوف من رقمنة المؤلفات، ومن خطر غياب مراقبة على المعارف، وبالتالي، فقدان نهائي لمحدداتها المعتادة. إن الرقمية تحاور هذه التمثلات وردود الفعل الإيجابية والسلبية. وهي متصلة كذلك، بالأصول الجديدة للممارسات الاجتماعية، التي تسائل قانونية عدد من المعايير الثقافية المؤسسة. إنها تعيد تحديد المعارف وتحول صيغ الولوج إليها، كما تفجر التصورات التقليدية للمعلومة.
لنأخذ حالة الكتاب الذين يجابهون رقمنة المضامين، في الصيغ الجديدة للكتابة على الشاشات. فهناك أبحاث كثيرة حول تطوير سوق الكتاب والنشر، وحول متخيل الكُتّاب، وحول القراءة وسلوكات القراء. لكنَّ الأبحاث حول مواقع الكتّاب وسلوكياتهم في مواجهة السياق التكنولوجي الجديد قليلة.
وعلى الرغم من العودة إلى تهجين النصوص، والصورة، والصوت، والحوار التفاعلي مع القراء، الذي لا يهم، إلى الآن، سوى عدد محدود من الكُتّاب، نلاحظ، على الأقل، تنوعًا متناميا للممارسات. إذ بدأ الكُتّاب ينفتحون على الأدوات الرقمية التي تمنحهم قدرات هائلة للتخزين، وإمكانات لتشكيل نصوص، ومداخلَ لمواردَ على الخط، وإمكانات للتصحيح الآلي. هذا فضلا عن إمكانات هائلة للنشر والتوزيع والتفاعل مع الناشرين والقراء.
لقد مست الرقمية ثقافة الكتابة التي عرفناها منذ عقود. فهي تعيد النظر في طرقنا في التعلم والتفكير. ويشير المتخصصون في تاريخ الكتابة والقراءة، إلى أن فهم التحولات الحالية على مستوى القراءة والكتابة، بفعل الرقمية، يجب أن يندرج في رؤية طويلة المدى، من أجل تبصر الاستمرار أو القطيعة التي تحصل، مع ضرورة اعتبار مختلف تحولات الدعائم الإنسانية المؤثرة، ضرورة على المعارف وصيغ القراءة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخون بين أربع مراحل في تاريخ صيغ التواصل:
1 - لقد كان اكتشاف الكتابة مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية، حسب الأنثروبولوجي Jack Goody. إذ ساهم التحكم في الكتابة، في تطور قوي في الفكر: تطور الخط، الرولو، الورق... سمح بالحفاظ على معلومات على حامل ثابت. كما سمح بتحرير الذاكرة الفردية والجماعية، وتوزيع الكثير من المستندات، وبالتالي الرفع من إمكاناتنا الثقافية.
2 - شكلت قراءة النصوص على الرولو في القرن الثالث، المرحلة الثانية من زمن القراءة-الكتابة، انطلاقا من الكودكس (دفتر مكون من أوراق مطواة يتم الربط بينها). فالأمر يتعلق إذن بثورة ثقافية رئيسة؛ لأنه، لأول مرة، تقدم للإنسان وثيقة قابلة للتصفح والكتابة في أثناء القراءة.
لقد سمح الكودكس، بامتلاك رؤية كلية للنص والصفحة، مكوَّنا من كلمات منفصلة تغدو وحدة للتلقي. والكتاب مقسم لفصول وفقرات، بحيث يستطيع القارئ إعادة القراءة متى شاء.
3 - ترتبط هذه المرحلة، باختراع المطبعة سنة 1450 (Gutenberg)، التي خلخلت علاقتنا بالزمن والذاكرة، وفتحت تدريجيا، المجال لدمقرطة القراءة. كما أن إعادة إنتاج النصوص، أسهمت في نشر أفكار جديدة.
4 - هي المرحلة التي نعيشها اليوم، وسمتها، تزايد التواصل الإلكتروني الذي فجر علاقتنا بالمكتوب. ويرى المؤرخ Robert Darnton، أن إيقاع التغير المرتبط بالإنترنت، يقطع الأنفاس: من الكتابة إلى المخطوطة (الكودكس) 4300 سنة. من المخطوطة إلى الخط المتحرك، 1150 سنة. من الخط المتحرك إلى الإنترنت، 524 سنة. من الإنترنت إلى محركات البحث، 17 سنة. ومن محركات البحث نحو خوارزميات غوغل، 7 سنوات.
إن المرور من المنشور المطبوع إلى النص الإلكتروني، يحاول، كما أشار Roger Chartier، تثوير نماذج إنتاج النصوص وتحويلها، ومواد الحامل التقليدي المكتوب، ثم تثوير الممارسات القرائية. وهذا التحول الحاسم، وليد أثر علاقة تربط الأشياء والأجناس والاستعمالات. فالإنترنت تسمح بقراءة كل النصوص كيفما كانت، من دون نظام وتراتبية. وعالم النصوص الرقمية، عالم مقاطع منتزعة من سياقها ومتقابلة. ويمكن أن نسجل عموما، ثلاث * * خصائص ملاحظة:
* غيّر النص الإلكتروني مفهوم السياق، وبالتالي إنتاج المعنى، ما دام تماسك النصوص في الكتاب نفسه، يبدل بتجميع متحرك ومفتوح، وكتابات تستهلك على الخط.
> مادية النصوص، إذ أصبح النص أثرا لا ماديا.
> تميزت القراءة على الشاشة بمنطق الرولو (تنجز حسب مسار عمودي)، والقراءة كذلك، على الكتاب المطبوع، (محددات خاصة: صفحات فصول الخ). أما مع النص الرقمي، فينجز انطلاقا من نص مطبوع على مستويات عدة، ومن محدداته حسب اللساني Rafael Simon:
- يعطي النص الرقمي أولا، قيمة قوية لإعداد نص وإبداعه: هناك عمليات عدة ممكنة، مثل: تحرير، نقل، قص، حذف، قراءة مستمرة، تنقيح. الخ. هو نص من دون أثر مادي (الزمكان الخاص بالكتابة-غير مموقع). مُؤَلِّفه غير محدَّد. هو نص «ضال» (من دون هوية). نص يشارك فيه مؤلفون عدة. نص غير محدد وغير مكتمل، ينشر من دون توقف. هي إذن وضعية اللاثبات.
- إنه نص نصله عبر آلة. نص رقمي له علاماته وإكراهاته (برانم).
إن الكتابة الإلكترونية (متعددة الأصوات)؛ لأنها تحرر أشكال الكتابة الأصلية، وتمنح إمكانية لكتابة متحركة غير ثابتة. إنها تسمح بالحوار والمرح بفعل الدعامات الجديدة؛ إذ نستعمل أسنانا جديدة في الكتابة (رسائل، صورا وغيرها).
هل هذا النمط من الكتابة مؤشر على فقر اللغة، وبنية التركيب، وتطور النحو الإلكتروني، من دون نتائج عامة على الخط؟ علما بأن بعض اللسانيين، أكدوا أن الرسائل الإلكترونية تغني اللغة، بالسماح للمتعلمين باكتساب كفاية لسانية مزدوجة (معرفة القواعد التقليدية للكتابة والتحكم باللعب على الأسنان)، كما تسمح بالشك في الآثار الوحيدة المستفيدة من هذه الصيغ للكتابة.

* ثانيًا: الصيغ الجديدة في القراءة
* مع ازدهار الحواسيب والألواح الذكية، والكتاب الإلكتروني، تولد انزياح تدريجي في عالم الممارسة القرائية. يبدو أن الرهان مع بروز قراءة عاكسة (ردود فعل)، موروثة من النهضة، هو قراءة أكثر سرعة وتفاعلية.
يقول الباحث الروماني Alberto Manguel، في كتابه «تاريخ القراءة»: «نعرف لماذا نقرأ حتى حين لا نعرف كيف. فهل نستطيع القول بشكل واع، في الوقت نفسه، إننا انتقلنا من نص يخلق صورا إلى فعل القراءة. نقرأ لمعرفة النهاية لأجل التاريخ. نقرأ بهدف عدم الإمساك بهذه النهاية. فقط، من أجل لذة القراءة. نقرأ باهتمام عميق مثلَ صيادين في درب، متناسين ما يحيط بنا. نقرأ بذهول. نقفز على الصفحات. نقرأ بازدراء، بقبول، برفض، بغضب، بصبر، بشهية، بحنين. نقرأ بخجل لذة مفاجئة، من دون معرفة سبب هذه اللذة».
مع نهاية القرن الـ20 وانتشار الوسائط التقليدية (صحافة، إذاعة...)، وتطور الوسائط الرقمية، تحركت القراءة الدينامية المفتوحة التفاعلية، محدثة علاقة جديدة بالنصوص. ومع الإنترنت، أصبحت القراءة تتحرك مع محركات البحث والروابط التشعبية، التي تطور كفايات وقدرات معرفية جديدة. وهكذا برزت ممارسات قرائية جديدة:
- تعقدت صيغ القراءة اليوم، لأنها تستدعي مهارات واستراتيجيات تتطور طيلة حياتنا. فالتحولات مست الإنسان: علاقته بالزمن، قدراتنا على الانتباه، ولذتنا القرائية. لقد تزايدت وتيرة القراءة بفعل إكراه الحياة المعاصرة، الذي يعرقل قراءاتنا، ويفرض السرعة علينا مع تدبير كتلة من المعلومات.
لم تعد القراءة مع الإنترنت مرادفة للقراءة الإدماجية لنص أو مستند؛ لأن السياق تغير، والمحددات على الشاشة تعددت. فالسرعة فرضها تعدد الوسائط، وكثرة الوثائق على الإنترنت. كل هذا يطور قدرات دماغنا الذي لم تعد له حدود بالنسبة لسرعة بعض السيرورات المعرفية.
- تعددت كذلك قدراتنا على الانتباه الذي تعمق بعد أن كان قديما، يتبار حول موضوع واحد. فبرزت انتباهات متعددة تضاهي تعدد الشاشات والروابط. فنستقبل مثيرات عدة تجعل منا تفاعليين.
- تغيرت لذة القراءة ببروز نصوص تشعبية. فحصل التحول من القراءة الخطية إلى القراءة العمودية، ومن القراءة الإخبارية إلى القراءة السردية..، تعددت الدعامات.. كتاب، صحافة..، واغتنت الأجناس الأدبية: قصيدة تفاعلية، رواية تفاعلية.. والمحصلة، تعدد القراءات.
مع الورق، ارتبطت لذة القراءة عند الشباب بالروايات والحكايات. أما مع المدونات، فقد وجد الشباب لذاتهم القرائية في المواقع التفاعلية. هكذا برزت محددات جديدة متصلة بالتفاعل، وبالتجربة، وبالتحكم في النصوص وإبداعها. أصبحت القراءة غامرة صلبة، بأبعاد عاطفية وثقافية، خلخلت النموذج التقليدي للقراءة. وتغتني القراءة على الشاشة، بروابط تشعبية تسمح بالإبحار في صفحة الآخر، والاستفادة منها. إنها تجربة القراءة الغنية التي تسمح بممارسات جديدة. فمعرفة القراءة، تعني تعلما وفهما، انطلاقا من مستندات وشاشات تفاعلية. كما تستدعي كفايات مؤسسة على مختلف الأدوات البرانمية. ويؤكد البعض، صعوبة القراءة زمن الرقمية، بفعل كثرة الأدوات ولا ثبات المقروء، وصعوبة الانتباه والتركيز لكثرة المحددات؛ ما يؤدي إلى صعوبة بناء المعنى.
هذه بعض مظاهر التحولات التي أحدثها التسونامي الرقمي على مجالات القراءة والكتابة. وهناك جوانب أخرى متصلة بمجالات التعليم والتجارة والإعلام. ونحن مدعوون إلى فهم هذه التحولات قصد اتخاذ المواقف والتدابير التي تسمح لنا بالانخراط الإيجابي الفاعل في عالم الرقمية.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.