إيران: ملفات الفساد تعمق الانقسام الداخلي

تلاسن بين روحاني ورئيس القضاء

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث إلى رئيس القضاء صادق لاريجاني خلال مؤتمر «القضاء» في يونيو الماضي (وكالة فارس)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث إلى رئيس القضاء صادق لاريجاني خلال مؤتمر «القضاء» في يونيو الماضي (وكالة فارس)
TT

إيران: ملفات الفساد تعمق الانقسام الداخلي

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث إلى رئيس القضاء صادق لاريجاني خلال مؤتمر «القضاء» في يونيو الماضي (وكالة فارس)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث إلى رئيس القضاء صادق لاريجاني خلال مؤتمر «القضاء» في يونيو الماضي (وكالة فارس)

غداة تصريحات مثيرة للجدل من رئيس القضاء الإيراني صادق لاريجاني عن تمويل «مفسد اقتصادي» لحملة حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية 2013 في سياق الاتهامات المتبادلة بين المسؤولين حول تفشي «الفساد المنظم» في البلاد، جدد روحاني مطالب حكومته بإعلان القضاء نتائج التحقيق حول ملفات الفساد محذرا القضاء من «افتعال الأجواء»، فيما نفى المتحدث باسم الحكومة محمدرضا نوبخت أمس ما تردد عن احتمال رفض أهلية روحاني في حال ترشحه لولاية ثانية وذلك في حين، كشف ائتلاف المعتدلين والمستقلين عن إمكانية ترشيح مساعد رئيس البرلمان علي مطهري كمرشح ثان بعد روحاني.
ولم يتأخر رد الرئيس الإيراني حسن روحاني على رئيس القضاء صادق لاريجاني وقال إن «القضاء يتحمل مسؤولية كبيرة وعليه الرد على أسئلة المواطنين»، كما دعا الأجهزة الإيرانية إلى الهدوء والتعاون من أجل «تخطي البلاد للمشكلات الداخلية». وجدد روحاني مطالبته السلطة القضائية بتسليم التاجر بابك زنجاني إلى وزارة المخابرات لمتابعة مسار التحقيقات.
وقال روحاني خلال لقاء جمعه بأعضاء التخطيط والميزانية في البرلمان الإيراني أمس إن «اللجوء إلى افتعال الأجواء وقلة التدبير لا يضمن مصالح الشعب»، وأضاف أن حكومته خلال السنوات الثلاث الماضية «حاولت إعادة الهدوء للمجتمع والاقتصاد»، محذرا من أضرار قد يلحقها «إثارة التوتر وتعميق الشرخ في المجتمع والأجواء السياسية»، وفق ما نقلت عنه وكالة إيسنا.
وجدد روحاني مواقفه السابقة من أكبر ملف اقتصادي وقال إن الشعب من حقه أن يعرف مصير أمواله وكيف وقعت بيد بابك زنجاني المتهم بالاستيلاء على ثلاثة مليارات دولار من بيع النفط الإيراني، وذلك بعد حصوله على توقيع أربعة من وزراء حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.
وكان روحاني قد أثار الشكوك حول ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة عندما رفض الرد على سؤال حول ترشحه، معربا عن استيائه بسبب دخول البلد في أجواء الحملات الانتخابية قبل خمسة أشهر من الانتخابات وتسعة أشهر على نهاية فترته الرئاسية الأولى، كما حذر روحاني من استغلال ملفات الفساد الاقتصادي بما فيها «الرواتب الفلكية» لأغراض انتخابية، معربا عن استعداده لمواجهة هذا الاتجاه حتى عشية الانتخابات.
وخلال مقابلته التلفزيونية أعرب روحاني عن تململه من تفسير تحرك حكومته في مختلف المجالات على أنه لـ«الاستهلاك الانتخابي»، وقال روحاني إن أي تحرك من جانب وزرائه يجري تقييمه وفق آليات انتخابية.
ورد المتحدث باسم الحكومة في مؤتمره الأسبوعي أمس على اتهام وجهه رئيس القضاء للحكومة بشأن الإهمال في متابعة ملف التاجر زنجاني، معربا عن استعداد الحكومة للتعاون مع القضاء «لإعادة تلك الأموال إلى الخزانة» وطالب القضاء بمتابعة القضية بدقة والرد على استفسارات الرأي العام بهذا الخصوص.
وأشار نوبخت إلى معلومات بحوزة وزارة المخابرات الإيرانية عن جهات قال إنها تقف وراء حصول زنجاني على أموال إيرانية، كما أكد استعداد الحكومة للتعاون في أي إطار يطلبه القضاء، وتابع خلال رده على لاريجاني بأن الحكومة كانت رائدة لمعرفة أبعاد أكبر ملف فساد اقتصادي في إيران.
ورفض نوبخت التعليق على سؤال حول الاتهام الذي وجهه أول من أمس صادق لاريجاني بحصول حملة روحاني للانتخابات الرئاسية 2013 على تمويل من بابك زنجاني، وقال إن «القضاء يتمتع باستقلالية المطلوبة، ونحن نطالبه بالتحقيق في كل ادعاءات زنجاني وإبلاغنا بالنتائج».
كذلك أشار نوبخت إلى أخبار ترددت مؤخرا عن إمكانية رد أهلية روحاني من قبل «مجلس صيانة الدستور» في حال تقدم بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية الثانية وقال إنه «كلام سخيف وفارغ»، وكان روحاني قبل نحو أربع سنوات حصل على موافقة المجلس باستثناء صوت واحد. وكان روحاني المرشح الثاني للتيار «المعتدل» في انتخابات 2013 بعد رفض أهلية علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
جدير بالذكر أن خصوم روحاني بدأوا الحديث عن مستقبله وإمكانية ترشحه للانتخابات قبل نحو عام عندما تحدثت أسبوعية حزب الله الإيراني «يا لثارات» عن منع روحاني من الترشح لولاية ثانية، وقالت إن روحاني سيكون أول رئيس يخرج من مقر الرئاسة بعد السنوات الأربع الأولى من رئاسته.
لكن الشكوك حول مصير روحاني تعززت بعدما كتب أحد أبرز السياسيين الإصلاحيين عباس عبدي في مقال بصحيفة «آفتاب يزد» أن روحاني قد لا يتقدم بأوراق الترشح للانتخابات إن لم يرغب النظام بذلك.
على ما يبدو فإن تيار «المعتدلين والمستقلين» يتجه لنفس الاستراتيجية في ترشيح أكثر من مرشح للانتخابات الرئاسية خشية رفض أهلية روحاني أو آخرين وفي هذا الصدد نقلت وكالة «إيسنا» أمس عن رئيس التيار قدرت علي حشتميان قوله إن التيار عقد اجتماعا مع نائب رئيس البرلمان علي مطهري وناقش معه موضوع ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي حين أشار إلى إمكانية ترشح أسماء أخرى قال إن مطهري لم يعلن ترشحه في «الوقت الحاضر» احتراما لروحاني.
أول من أمس، رد رئيس القضاء خلال مقابلة تلفزيونية بحدة على تصريحات الأسبوع الماضي لروحاني حول مماطلة القضاء في إعلان نتائج التحقيق في الفساد الاقتصادي الكبير ومنع وزارة المخابرات من دخول الملف، وكان روحاني تساءل الأسبوع الماضي عن مصير ملياري دولار أعادتهم السلطات الإيرانية من أموال زنجاني المصادرة، كما أثار تساؤلات حول الجهات «المرتبط بها وشركائه ومسؤولياتهم والمتورطين» في الملف.
وجاءت تصريحات لاريجاني بعد ساعات من حوار مباشر مع الرئيس الإيراني على القناة الأولى دافع فيه روحاني عن أداء حكومته على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بإبرام الاتفاق النووي، وتناول روحاني فضائح الفساد التي تفجرت منذ الصيف الماضي في إيران، وركز روحاني على فضيحة «الرواتب الفلكية» التي بينت تلقي مسؤولين كبار في إدارته رواتب خارج إطار القانون.
وفي تصريح اختفى بعد لحظات من نشره على موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون تساءل صادق لاريجاني في تصريحات أثارت جدلا واسعا في وسائل الإعلام الإيرانية عن مصير أموال الرئاسة الإيرانية ومكان إنفاق تلك الأموال، وذلك ضمن رده على روحاني واتسع الجدل حول التصريحات بعدما نشرت نسخة معدلة من تلك التصريحات عبر «وكالة ميزان» التابعة للقضاء الإيراني.
وبهذا يبلغ تلاسن رئيس الجمهورية حسن روحاني ورئيس القضاء صادق لاريجاني أحد المسؤولين الذين يجري اختيارهم مباشرة من المرشد الأعلى علي خامنئي مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد تفجر فضائح اقتصادية طالت كبار المسؤولين.
منذ يونيو (حزيران) دخلت إيران في دوامة تفجر تسريب الفضائح الاقتصادية بعد تسريب مجهولين يعتقد أنهم مقربون من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وثائق تظهر رواتب المسؤولين في إدارة روحاني، وجاء الرد بتسريب قضية «العقارات الفلكية» التي استهدفت منافس روحاني الرئيسي في الانتخابات عمدة طهران اللواء محمد باقر قاليباف، وبموازاة ذلك تسربت فضيحة نهب أموال صندوق تأمين المعلمين التي تورط بها مكتب رئيس سلطة القضاء السابق محمود هاشمي شاهرودي أحد المرشحين لخلافة خامنئي، فضلا عن فضيحة تسريب معلومات عبر مواقع إصلاحية عن 63 حسابا بنكيا تورط فيها اسم رئيس سلطة القضاء صادق لاريجاني.
في نفس السياق، نفى لاريجاني اتهام القضاء بالتغطية على فساد المسؤولين وأن القضاء استدعى مسؤولين ووزراء سابقين للتحقيق حول دورهم في فضيحة بابك زنجاني، إلا أنه قال إن محاسبة المسؤولين على تلك التجاوزات تأخرت بسبب أولوية إعادة الأموال، مؤكدا أن ملفات المسؤولين المتورطين ما زالت مفتوحة.
وفي رسالة تهديد إلى روحاني قال لاريجاني إن اهتمام الحكومة بالبحث في ملف «بابك زنجاني يمكن أن يفتح المجال أمام فتح تحقيق حول ادعاء تمويل حملة انتخابات روحاني بالمليارات» لكنه رغم ذلك شدد على أنها «ادعاءات غير واقعية إن أراد القضاء التحقيق فيها لاستدعى كل المتورطين للتحقيق».
في شأن متصل، تصدر تفاقم الخلافات السياسية اهتمام الصحف الإيرانية الصادرة أمس وتداولت أغلب الصحف تهديد لاريجاني لكبار المسؤولين في الحكومة، بينما عنونت صحيفة «وطن أمروز» المقربة من المكتب السياسي للحرس الثوري بـ«بابك غيت»، في إشارة إلى تمويل حملة روحاني اختارت صحيفة «شهروند» أن تطلق على الخلافات السياسية «لعبة الكبار»، كما اختارت صحيفة «آفتاب يزد» في عنوانها الرئيسي اقتباسا من هجوم عمدة طهران قاليباف على الحكومة «ليسوا بشرا»، وحذرت الصحيفة من تراجع أدبيات المسؤولين الإيرانيين إلى لغة الشتائم والعبارات البذيئة في الرد على المنتقدين.
قبل ذلك بيومين كان محافظ طهران قد عبر عن مخاوف إيرانية تجاه الأوضاع الأمنية في العاصمة طهران التي عدها «عماد النظام» في فترة الانتخابات، ونقلت وكالات إيرانية عن حسين هاشمي قوله إن أمن العاصمة البالغ سكانها ثمانية ملايين يكسب حساسية مضاعفة في ظل الدور الإيراني في العراق وسوريا، وخاصة ما تشهده المنطقة من تطورات، مطالبا جميع قوات العسكرية والأمنية في طهران بالاستعداد والجاهزية التامة للانتخابات المقررة في مايو (أيار) المقبل.



خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.