شخصيات رحلت وتركت العالم أقل جمالاً

أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
TT

شخصيات رحلت وتركت العالم أقل جمالاً

أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير

كتبنا عن رحيل عدد من كتابنا وباحثينا العرب في السنة الماضية 2016، ونستعرض هنا رحيل قسم من الكتاب والمفكرين والفنانين الذين تركوا بصمات واضحة على خريطة الثقافة العالمية، وضمنها العربية، مع سيرة حياتية قصيرة لكل منهم:
* أمبيرتو إيكو (مواليد 1932): العالم كأنه أحجية
فيلسوف إيطالي، ومفكر وباحث في اللغة، وناقد أدبي، وخبير موسوعي في فترة العصور الوسطى. اكتسب إيكو شهرته العالمية من خلال أعماله الروائية السبعة، بدءا من «اسم الوردة» التي تحولت عملاً سينمائيًا وترجمت إلى لغات عدة، باعت ملايين من النسخ حول العالم، فتحول في يوم وليلة إلى نجم ينتظر القراء أعماله بتلهف. تبدو روايات إيكو كلها وكأنها كاتدرائيات قوطية هائلة فيها معمار شديد التعقيد في حبكته الكلية، مع اعتناء بالتفاصيل إلى حد التطريز. كان إيكو يرى العالم وكأنه أشبه بأحجية، لكنه في أعماله انتقد كل المحاولات العبثية لإعطاء معنى ما لهذه الأحجية.
لإيكو أعمال منشورة كثيرة غير الروايات، إضافة إلى عشرات المقالات في النقد الأدبي والثقافي، وهو يعد صاحب مدرسة معاصرة في تحليل النصوص والأعمال الأدبية والسينمائية.
* زها حديد (مواليد 1950): ما بعد حدود الخيال
معمارية عراقية - بريطانية حصلت تصميماتها على شهرة عالمية، وفازت بأهم جوائز الهندسة المعمارية مرات عدة. كانت حديد أول امرأة تحصل على الميدالية الذهبية للمعهد الملكي البريطاني للعمارة، وتحولت تصميماتها الجريئة في تحديها منطق الفراغ والشكل والمادة إلى رحلة ضد المألوف ورقص دائم على حدود الخيال. متعت حديد الملايين عبر العالم بأعمال مماثلة لعمارتها الجريئة في مجالات التصميم المختلفة: المفروشات والأحذية وحتى السيارات.
تركت بصمة لها في معظم مدن العالم الرئيسة من خلال تصميم مبان رسمية وعامة، كالمتاحف والمعارض والملاعب عدت معالم مدينية بارزة، ما لبثت أن حولتها إلى أيقونة عمارة ما بعد الحداثة ومعمارية الليبرالية المدللة.
* إدوارد ألبي (مواليد 1928): مسرح العبث الذي لا عبث فيه
مسرحي أميركي بارز، أخذ تقاليد مسرح العبث واللامعقول الأوروبية إلى تجربة أميركية جريئة أعادت النظر في كل ثيمات الحياة المعاصرة. تحولت نصوصه إلى إعادة تأسيس للمسرح الأميركي ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وحصل على جوائز دراما رفيعة. حولت إحدى مسرحيات ألبي الأشهر «من يخاف من ذئب فرجينيا؟» فيلما سينمائيا من بطولة إليزابيث تايلور حفظ في السجل القومي الأميركي للأفلام بوصفه تراثًا ثقافيًا وتاريخيًا مهمًا. صرف ألبي معظم عوائد مسرحياته الناجحة تجاريًا على مركز لإيواء الفنانين والكتّاب ليساعدهم للتفرغ لإبداعاتهم بعيدا عن هموم العيش المؤرق، وهو قضى وقتًا طويلاً يدرّس نظريات المسرح في الجامعات الأميركية؛ فكان له تأثير لا ينكر في جيل كامل من المسرحيين في الولايات المتحدة.
* هيلاري بوتنام (مواليد 1926): البحث الدائم عن تمثلات الحقيقة
فيلسوف أميركي، وخبير رياضيات وكومبيوتر ورائد المدرسة التحليلية في الفلسفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. كانت لبوتنام مساهمات مفصلية في فلسفة العقل وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم، كما طبق أسلوب التحليل الفلسفي بحثًا عن مواضع الضعف التي تختزنها الأفكار دون أي رحمة، حتى حدود مواقفه بحد ذاتها التي وضعها تحت مجهر التحليل، فكان معروفًا بقدرته على تغيير أفكاره والانتقال بها نتيجة النقد الذاتي. كتب لاحقًا في الأخلاقيات والفلسفة الكلّية أو فلسفة الفلسفة وحدودها وموضوعاتها، داعيًا إلى تجديد الفلسفة والابتعاد بها عن الانشغال بالاهتمامات الضيقة والقضايا الفرعية.
عمل بوتنام في جامعة هارفارد ودرس تلامذتها في مجالات عدة، وهو كان أول من قال في فلسفة اللغة بأن المعنى ليس مرتبطًا بالكلمة كما هي في العقل وإنما تكتسب الكلمة معناها من خلال المحتوى أو الإطار الذي تطرح فيه، أي أن الفهم مرتبط بالمجتمع. وقد وصفه زميله في المدرسة الثانوية نعوم تشومسكي بأنه من أفضل العقول التي قابلها في حياته.
* ألفن توفلر (مواليد 1928): التكنولوجيا تشكل مجتمعًا جديدًا
كاتب أميركي بدأ من عالم الصحافة، لكنه اختص لاحقًا بالمستقبليات. حلل توفلر مبكرًا التأثيرات المحتملة لثورة التكنولوجيا والاتصالات على ثقافة المجتمعات في العالم، طارحا أفكارا ومصطلحات عدة ذاعت من بعده. بدأ توفلر تحليلاته المستقبلية من خلال عمله في مجلة «فورتشن» الأميركية قبل أن يصدر عام 1970 كتابه المشهور «صدمة المستقبل» الذي يرصد التحولات التي تتسبب فيها التكنولوجيا، متنبئا بتكون مجتمع جديد لا يراه الذين اختاروا العمى. لمع نجمه كالبرق؛ إذ باع كتابه ملايين عدة من النسخ. وفي 1980 نشر كتاب «الموجة الثالثة» الذي تنبأ فيه بانتشار تطبيقات تكنولوجية كثيرة صارت اليوم شأنًا مألوفًا كالكومبيوترات الشخصية والهواتف الجوالة والإنترنت والاستنساخ، ولاحقًا أصدر كتاب «تحولات القوة» الذي وصف فيه قدرة التطبيقات التكنولوجية العسكرية على تغيير معادلات القوة في العالم. وقد بيع من هذين الكتابين أيضًا ملايين النسخ، وترجما إلى عدد كبير من اللغات المحكية.
درّس توفلر أفكاره ورصده لتأثير التقدم التكنولوجي في جامعات أميركية مرموقة، وعمل مستشارًا لشركات كبرى وقادة سياسيين، بمن فيهم الزعيم الصيني زهاو زيانغ.
هناك توافق عالمي على أن توفلر من أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين.
* ألان ريكمان (1946): الصوت والصورة والروح معًا
انطلق البريطاني ألان ريكمان من المسرح بعد أن درس في الأكاديمية الملكية للدراما، ولم يلبث أن سحر العالم بصوته الجميل كما طلته الساحرة وأدائه المعبر منذ أن قدّم أول أدواره في السينما عام 1982 فصار بمثابة نجم عالمي بعد أدواره الواسعة الشعبيّة في «داي هارد»، وأيضًا مجموعة أفلام هاري بوتر. لعب ريكمان فيما بعد دور البطولة في «روبن هود: أمير اللصوص» وأيضا في «راسبوتين: خادم القدر المظلم» الذي حظي أداؤه فيه على تكريم واسع، ليس أقله فوزه بجوائز الجولدن غلوب، وإيمي، ورابطة كتاب السينما معًا.
اعتبر صوت ريكمان من أكثر الأصوات الرجولية اكتمالاً في عالم السينما المعاصرة، وقد لعب بصوته أدوارًا في أفلام مهمة عدة، منها «أليس في بلاد العجائب» وأعمال غنائية عدة، كما سجل سونيتات لشكسبير بصوته. سياسيا كان ريكمان مناصرا تقليديًا لحزب العمال البريطاني، ورأس منظمة دولية تقدم المساعدة للفنانين الفقراء عبر العالم.
* ليونارد كوهين (مواليد 1934): الشعر كأنه نبض الحياة
كوهين فنان كندي متعدد المواهب، أبدع في منطقة التقاطع بين عوالم الشعر والغناء والموسيقى متأخرًا؛ إذ كان بدأ مسيرته من عالم الرواية والكتابة طوال خمسينات وستينات القرن الماضي، ولم يصدر أول ألبوم غنائي له قبل 1967، تتابعت بعدها أعماله الغنائية ذات النفس الخاص الذي يزاوج بين الجاز والموسيقى الشرقية مع مناخ حزين، آخرها كان قبل وفاته بثلاثة أسابيع. انحدر كوهين من عائلة يهودية متدينة، تأثرت أعماله بأجواء أسرته المحافظة وبأشعار غارسيا لوركا، اعتبر الشعر نبض الحياة وخلاصة التجربة الإنسانية، وقد عدّ تأثيره الفني الأوسع في جيل السبعينات في الغرب فلم يتفوق عليه ربما سوى بوب ديلان الحائز جائزة نوبل للآداب 2016.
* مايكل هير (مواليد 1940): الصحافة - الكتابة من خطوط النار
أُرسل هير مراسلا لإحدى المجلات الأميركية لتغطية حرب فيتنام من الخطوط الأمامية 1967 – 1969، فكتب مجموعة من المقالات تحولت فور نشرها في كتاب روائي عام 1977 (ديسباتشز) إلى عمل كلاسيكي في صحافة الحرب، وقد أعيد طبعها مرات عدة منذ ذلك الحين. نقل هير تفاصيل الحرب إلى كل قارئ قبل تطور النقل التلفزيوني، فصوّر بكلماته الحاذقة جل سورياليتها وجنونها بتفصيل مذهل. وصف الروائي الشهير جون لي كاري ذلك الكتاب بأنه أفضل ما قرأه في حياته عن الإنسان أيام الحروب، ووصفه آخرون بأنه رائد الصحافة الحديثة.
انتقل هير للكتابة في هوليوود، فشارك في كتابة نصوص أفلام حربية معروفة، منها «القيامة الآن» إخراج فرنسيس كوبولا، و«درع حديدية كاملة» للمخرج ستانلي كوبريك 1987.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».