الخل... ألف فائدة وفائدة

استخدامات وأنواع كثيرة منذ قديم الزمان

الخل... ألف فائدة وفائدة
TT

الخل... ألف فائدة وفائدة

الخل... ألف فائدة وفائدة

لجأ الناس إلى استخدام الخل منذ قديم الزمان، ويعود ذلك إلى آلاف السنين قبل الميلاد، أي إلى بدايات استخدام ثمرة العنب لغايات متعددة، إذ إن كلمة خل بالإنجليزية (Vinegar).
الدراسات المتوفرة تشير إلى أن بدايات الخل كانت مع البابليين في العراق حيث كان ينتجه الناس إلى جانب الكحول من عصير التفاح المخثر المعروف بالسايدر - cider والتمر ويستخدمونه لتحسين طعم الأكل إلى جانب البهارات ولحفظ الطعام ولتخليل المواد الأخرى، كما يحصل حاليًا في كثير من المجتمعات الشرقية والمتوسطية.
وقد بدأت عمليات إنتاج الخل على نطاق واسع ولغايات تجارية أيضًا أيام البابليين في عام 3000 قبل الميلاد.
وكانت القبائل الصحراوية آنذاك تصنع من الخبز أو بالتحديد خبز السفر، الخل للغايات نفسها التي كان يستخدمها البابليون، أي تحسين طعم الأكل، خصوصًا الحبوب واللحوم والخضراوات المتوفرة.
وقد جاء ذكر الخل في العهدين القديم والجديد في إنجيل الملك جيمس نحو تسع مرات، وحسب الإنجيل كان الخل يُستخدم لتطرية الزيتون لتخليصه من بذوره في إشارة إلى قدراته التذويبية.
وفي المسيحية يلعب الخل دورا كبيرا في حياة المسيح كما يؤكد إنجيل متى، ويقول الأنبا بيشوي في كتاب «المسيح مشتهى الأجيال»: «لما وصلوا إلى المكان المعروف بالجلجثة، وهو الذي يدعى مكان الجمجمة، أعطوا يسوع (خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب. ولما ذاق، لم يرد أن يشرب) (متى27: 34).
كانت العادة أن يشرب المحكوم عليه بالصلب كمية كبيرة من الخل الممزوج بالمرارة، وذلك قبل أن تبدأ عملية دق المسامير الرهيبة في يديه وقدميه.
كان المقصود بذلك هو تخدير أعصاب المصلوب لتخفيف شعوره بالآلام المبرحة، أثناء ثقب يديه ورجليه بالمسامير الضخمة التي تخترق الجلد واللحم والأعصاب، وتخترق الأربطة التي تضم عظام المعصمين والقدمين. وكذلك لتخفيف شعوره بالألم أثناء تعليقه على الصليب، إذ يصير جسده بكل ثقله محملاً على جراحات هذه المسامير.
ولما ذاق السيد المسيح هذا المزيج المخدّر، امتنع عن الشرب، لأنه أراد أن يتحمل الآلام كاملة بلا مخدر».
ويقول المؤرخ ويل ديورانت مؤلف سلسلة «قصة الحضارة»، نقلاً عن الخطيب الروماني شيشرون أن «الصلب يُعتبر أقسى طرق الموت الرومانية وأكثرها ابتكارًا، فبعد أن يُجلد المحكوم عليه يتحول إلى كتلة لحم متوهجة ثم يثبت على الصليب بمسامير في اليدين والرجلين ويترك على هذه الحالة حتى يموت، وقد تعّفن جسده أو قامت الحشرات والطيور بالاستيطان به، وقد كان الجنود عادة يقومون بتقديم الخل للمحكومين، وهو نوع خمر رخيص، حتى يسكر المحكوم فيخفف ذلك من آلامه، هذا ما يتفق مع الأناجيل الأربعة».
وكان يستخدم الخل بشكل عام قبل الميلاد كمشروب لزيادة الطاقة عند الأفراد والجنود وتحسين طعم الأكل كالعادة، وكمادة طبية لعلاج الكثير من المنغصات الصحية.
وعن هذه القدرات، ونقلاً عن المؤرخ الروماني الطبيعي بليني الأكبر، يقال إن الملكة كليوباترا ربحت رهانا مع مارك أنطوني وذوبت إحدى دررها التي كانت ترتديها في الخل وشربتها، لكن الكثير من المؤرخين يشككون بصحة القصة لأسباب كثيرة أهمها عجز الخل عن تذويب الدرّ. ومن هذه الخرافات أو القصص التي تتحدث عن قدرات الخل الخرافية، كان الرومان يعتقدون ويؤمنون (ومنهم تيتوس ليفيوس أحد أهم المؤرخين الرومان)، بأن هنيبعل استخدم الخل عام 218 قبل الميلاد لتذويب الصخور التي أعاقت تقدمه أثناء زحفه نحو روما من صوب جبال الألب قديما.
وحسب المخطوطات القديمة في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، يبدو أن الناس لجأوا إلى استخدام الخل في المطبخ تقليديا لتحسين طعم الأكل وعمليات التخثير وللعلاجات الطبية، خصوصًا مساعدة الجهاز الهضمي وتضميد الجراح وتطهير جروح الجنود من الالتهابات أو منع التهاباتها (استخدم الأميركيون خل عصير التفاح لمعالجة جروح الجنود أثناء الحرب الأهلية).
* الفراعنة
وأيام الفراعنة وقبل 3 آلاف سنة تقريبًا، استُخْدِم الخل لتخليل الخضار، وكعملة لدفع المستحقات المالية للبعض، كما كان يفعل الرومان مع الملح والجنود لاحقًا.
وقد عُثِر على مخطوطات من أيام رمسيس الثاني، تشير إلى أن عمال قرية دير المدينة قبالة الأقصر كانوا يقبضون مقابل أعمالهم جِرارًا من الخل.
وتؤكد المعلومات المتوفرة أن الخل في فلسطين ومصر القديمة كان يُحضّر من العنب والتمر المخثرين، وكان الخل المحرم في الناصرة يستخدم في تحضير مرق أو صلصات السلطات وأطباق الملفوف واللفت، كما كان يتم نقع الخبز بالخل المخفف قبل أكله، وأحيانًا لتخليل اللحم والخضار، كما هو الحال في الكثير من المجتمعات القديمة. مهما يكن فإن الخل لم يكن في مصر القديمة على الأهمية ذاتها التي أولاها له البابليون وأهل اليونان.
* اليونان القديمة
وفي اليونان القديمة، كان الطبيب أبقرط أبو الطب 400 قبل الميلاد يستخدم الخل لكثير من العلاجات، وعلى رأسها علاج النزلات البردية و«القحة» وتنظيف الجسم ومساعدة الجراح على الالتئام بعد خلطه بالعسل. وكان أبقراط يفضل الخل المصنوع من عصير التفاح. ولا يزال يستخدم الخل في اليونان ومنذ قديم الزمان في المطبخ كإحدى المواد الأساسية، ولا يمكن تناول السلطة اليونانية التقليدية (خارياتوكي) من دون الخل (بندورة وخيار وبصل وزيت الزيتون وجبنة الفتة والخل). ويستخدمها بعض اليونانيين في تحضير بعض الأطباق التقليدية كطبق الـ«تزاتزيكي» (لبن وخيار)، وشوربة العدس وأطباق المأكولات البحرية. وبكلام آخر يستخدم اليونانيون الخل في الأطباق التي تقل فيها الحموضة، والتي لا تحتاج إلى البندورة أو الحامض.
* روما
استخدم الرومان الخل على نطاق واسع أيضًا، وعلى نطاق تجاري، وكانوا يخلطونه بالماء أحيانًا وأحيانًا بالماء والبيض، وكانت الخلطة الأخيرة تعرف بـ«البوسكا» posca وكانت مشهورة في أوساط الجنود الرومان والعبيد الذين كانوا يشربونها.
كما كان الرومان يصنعون عدة أنواع من الخل من عصير التفاح والتمر والتين وعدد آخر من أنواع الفاكهة.
وجاء ذكر الخل وتفاصيل صناعته وسبل تحضيره بالتفاصيل في كتب كاتو الكبير Cato في القرن الثالث قبل الميلاد، كما جاءت تفاصيل أخرى في كتب لوسياس كولوميلا الذي يعتبر أهم الكتاب في عالم الزراعة أيام الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد. ويشير لوميلا إلى استخدام الخميرة والتين المجفف والعسل والخل معًا. وذكر بليني الأكبر الخل بالطبع كثيرا، وكان من المعجبين به والمحبين له.
* الصين
تؤكد الحفريات أن الصين استخدمت الخل بكثرة منذ 3 آلاف سنة وخصوصا الخل المصنوع من الأرز، أي خل الأرز، الذي يستخدم بكثرة هذه الأيام في المآكل الآسيوية ومنها الصينية والتايلاندية واليابانية. وهناك مخطوطات تذكر الخل في الصين يعود تاريخها إلى عام 1200 قبل الميلاد.
وعلى ذكر آسيا، كان طبقة محاربي الساموراي المعروفة يشربون خل الأرز بشكل متواصل لما فيه من فوائد جمة على صعيد إمداد الفرد بالطاقة والقوة.
* أنواع الخل
هناك كثير من أنواع الخل حول العالم وأهمها: سبيريت فينغر - spirit vinegar المصنوع من قصب السكر، وديستيلد فينغر distilled vinegar الذي يُنتج من تكرير الكحول في أميركا الشمالية ويعرف بالخل العذري virgin vinegar، وأحيانًا بالخل الأبيض، وخل التمر الذي يكثر إنتاجه في البلدان العربية والصحراوية، وخل جوز الهند الذي ينتج من ماء الجوز المخثر، ويُستخدم في مطابخ دول جنوب شرقي آسيا، وخل البيرة الذي يُنتج بكثرة في أوروبا، خصوصًا بريطانيا وألمانيا والنمسا وهولندا، وبلساميك فينغر Balsamic الإيطالي الذي يأتي من منطقة إيمليا، وهو كما هو معروف من أفضل أنواع الخل المعمرة، وخل التفاح الذي يعتبر من أكثر أنواع الخل إفادة للصحة، والخل الصيني الأسود المصنوع من الحنطة والأرز الذي عادة ما يُخلط بالسكر والبهارات، وخل الفاكهة الذي يحضر عادة من التفاح أو التوت أو السفرجل أو البندورة، وخل العسل وهو من أنواع الخل النادرة التي تُنتَج في إيطاليا وإسبانيا ورومانيا وفرنسا والبرتغال، وخل دمع أيوب الذي يُنتج من عشبة دمع أيوب، أو حب الكواكس في اليابان، وخل الكيوي الذي يُنتج من ثمرة الكيوي، وخل الرمان الذي يستخدمه اليهود بكثرة لتحضير المأكل واللحوم، وخل العنب العربي الذي يُستخدم في الدول العربية، وخل الأرز الذي يُستخدم بكثرة في دول جنوب شرقي آسيا، ومتوفر بألوان الأبيض والأحمر والأسود، وخل الكرز وهو أيضًا من أنواع الخل الفاخرة.
* استخدامات الخل
يُستخدم الخل في الكثير من الأمور، خصوصًا في المجالات الصحية والتنظيف والعناية بالحدائق والتخلص من الروائح الكريهة. ومن هذه الاستخدامات التي لا تُحصى ولا تعد، إبقاء الأزهار إلى فترة أطول، بإضافة الخل والسكر، وإزالة ورق الجدران، وغسل اليدين من الإسمنت، والتخلص من رائحة الطلاء عبر ترك صحن منه في الغرفة.
ويمكن أن يُستخدم الخل للتخلص من الصدأ وتطهير فلاتر مكيفات الهواء على ما تقول مقالة طويلة ومهمة في موقع «جدران عربية».
وتصف المقالة أكثر من 70 فائدة للخل بالتفصيل، منها: رش بيوت النمل للتخلص منه في المنزل والتخلص من الحشرات خلال الشواء في البرية، عبر وضع وعاء من الخل قرب الطعام، والتخلص من الأعشاب غير المرغوب فيها بين الصخور والحجارة، وإبعاد الحيوانات عن الحديقة خصوصًا القطط والكلاب، عبر وضع منشفة مبلَّلَة بالخل على الأشجار، ومعالجة النباتات المريضة عبر رشها بالخل.
أضف إلى كل ذلك التخلص من بقع الزيت على الجلد وإعادة شد الملابس الصوفية المنكمشة، وتنظيف المكوى، وتفادي الكيّ عبر رش الملابس بالخل والماء (3 أكواب من الماء مع كوب من الخل)، والتخلص من صفار الملابس البيضاء وتبيض الغسيل بشكل عام وتعقيم الملابس وتنظيف الغسالة وتنظيف الحمام والمراحيض بشكل عام وفتح ثقوب الدش.
ويمكن أيضًا مع الخل تلميع السيراميك والبورسلان ومنع تجلد الزجاج في المناطق البارد والتخلص من الحشرات في خزائن المطبخ وتعقيم الترمس والمراطبين وأباريق الشاي.



وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.


الزبادي اليوناني موضة تجذب الجيل الصاعد

الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)
الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)
TT

الزبادي اليوناني موضة تجذب الجيل الصاعد

الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)
الزبادي اليوناني بأشكال وألوان مختلفة (إنستغرام)

يدخل الزبادي اليوناني حالياً إلى قائمة طعام الشباب اللبناني بشكل لافت. ففي الفترة الأخيرة، بات هذا المكوّن ينافس الزبادي العادي بطعمه ونكهاته المتنوعة، فيما انتشرت في بيروت محلات ومطاعم تقدّمه بأشكال مختلفة، وبنكهات حلوة ومالحة. ويتنقل جيل الشباب من مكان إلى آخر لاكتشاف هذه النكهات وتجريب التركيبات الجديدة.

ويتميّز هذا المكوّن اليوناني بقوامه الكثيف والغني، نتيجة إزالة مصل اللبن السائل منه، كما يحتوي على نسبة أعلى من البروتين مقارنة بالزبادي العادي. وغالباً ما ينصح اختصاصيو التغذية بتناوله ضمن أنظمة غذائية متوازنة. فمحتواه المرتفع نسبياً من البروتين يساعد على الشعور بالشبع، فيما تختلف قيمته الغذائية باختلاف نوع المنتج ومحتواه من السكر والإضافات.

دخول المنتج بقوة إلى المشهد الغذائي اللبناني مؤخراً بدأ الزبادي اليوناني يحتل مساحة خاصة في الدكاكين والسوبرماركت. صار يتصدّر الواجهات المخصصة للألبان والأجبان، بعدما اعتمدت مصانع محلية إنتاجه. وعند دخول أحد محلات السوبرماركت، لا بد من مصادفة مندوبة لإحدى الشركات تعرض تذوّقه، سواء بنكهته العادية أو المخلوطة مع الفاكهة، في إطار الترويج للعلامة التجارية. ويأتي ذلك في وقت تحوّل فيه المنتج إلى خيار يتنافس اللبنانيون على اقتنائه، بالتزامن مع افتتاح أكثر من مطعم ومحل يقدّمه كعنصر أساسي في قائمته.الزبادي اليوناني المثلّج... أحدث صرعة

إذا تجوّلت اليوم في بيروت، لا بد أن تطالعك محلات متخصصة في بيع الزبادي المثلّج. فهي تنتشر في مناطق عدة، بينها الجميزة ومجمّع «أ.ب.ث» في الأشرفية، وكذلك في أسواق بيروت وشارع بليس في الحمرا. ولم تعد هذه الظاهرة محصورة بالعاصمة، إذ وصلت محلات الزبادي المثلّج إلى مناطق عاليه وجونية ومزيارة وأميون.

زبادي بالفاكهة (إنستغرام)

وتعتمد هذه المحلات على تقديم الزبادي اليوناني المثلّج بنكهات متعددة، بينها المانغو والكراميل والفريز. وفي محلات أخرى، يُقدّم بطعم الفستق الحلبي مع الرمان، أو الشوكولاتة، أو بنكهة «البابل غام» الشهيرة. كما تخصّص هذه المحلات ركناً لإضافة مكونات تزيد من جاذبية تناوله، مثل الجوز واللوز والمكسّرات على أنواعها. وكذلك الفواكه المجففة والمربيات بنكهات التوت والفراولة.

لماذا يستقطب الزبادي اليوناني جيل الشباب؟

يتحوّل الزبادي اليوناني إلى خيار شائع بين جيل الشباب، حتى بات الالتقاء حول كوب منه يضاهي، في بعض الأماكن، اللقاء حول كوب قهوة. وعند البحث عن أسباب هذه الشهرة، يتضح أن المسألة لا تتعلق بالطعم وحده، بل تتقاطع مع تغيّر صورة الطعام لدى الجيل الجديد، وطريقة تعاطيه مع مفهوم الغذاء الصحي والسريع

والقابل للمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

يتصدّر قائمة النظام الغذائي لدى جيل الشباب (إنستغرام)

أبرز أسباب الانتشار

1. هوس «البروتين». أحد أبرز الأسباب هو صعود ثقافة الـ«Protein»، خصوصاً بين الشباب الذين يمارسون الرياضة. فالزبادي اليوناني يحتوي عادة على نسبة أعلى من البروتين مقارنة بالزبادي العادي، نتيجة طريقة تصفيته، ولذلك أصبح يُنظر إليه كوجبة خفيفة تساعد على زيادة كمية البروتين المتناولة خلال اليوم.

2. وجبة صحية من دون الشعور بأنهم يتناولون «دايت يبحث الشباب اليوم عن أطعمة تبدو شهية، وفي الوقت نفسه تتماشى مع نمط حياة صحي. ويمكن تناول الزبادي اليوناني مع الفواكه، أو العسل أو الشوفان أو المكسرات أو بذور الشيا. فيتحول من مجرد لبن إلى وجبة خفيفة ومتنوعة وسهلة التحضير.

3. يناسب نمط الحياة السريع. لا يحتاج الزبادي اليوناني إلى تحضير فعلي؛ علبة من الثلاجة وبعض الإضافات، وتنتهي إلى وجبة. وهذا ما يجعله ملائماً لجيل يأكل بين الجامعة والعمل والرياضة والخروج، ويبحث عن خيارات سريعة لا تتطلب وقتاً طويلاً في التحضير.

4. «ترند» على وسائل التواصل الاجتماعي. دخل الزبادي اليوناني بسهولة في ثقافة الـ«Healthy Lifestyle» المنتشرة على «إنستغرام» و«تيك توك». وصار متذوقوه يحبون تصوير أكوابه المرتبة وأشكاله اللافتة للنظر، مع الفواكه والغرانولا والعسل والمكسرات. وبالتالي، لم يعد يُقدّم كغذاء فحسب، بل كجزء من أسلوب حياة وصورة شخصية يشاركها المستخدمون على منصات التواصل.

5. من «السناك» التقليدي إلى «السناك الذكي» بدلاً من رقائق البطاطا أو الحلويات. أصبح بعض الشباب يبحث عن وجبة خفيفة تمنحهم شعوراً بالشبع وتحتوي على البروتين. والزبادي اليوناني يحقق هذه المعادلة، خصوصاً بفضل قوامه الكثيف الذي يمنح إحساساً أكبر بالشبع، مع إمكانية إضافة مكونات مختلفة إليه وفقاً للذوق.


بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
TT

بالأرز أم الفريك... حكاية الحمام المحشي على الطريقة المصرية

حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)
حمام محشي على الطريقة المصرية (الشرق الأوسط)

«الحمام المحشي» أحد أهم رموز المطبخ المصري التقليدي، فهو وجبة تستهوي مختلف فئات المصريين وضيوفهم من العرب والسائحين، وذلك لما تمنحه من متعة تذوق نكهتها، ولحمه المستساغ، ما جعله ينال لقب «وجبة الملوك».

ويتطلب إعداد الحمام البلدي المحشي على الطريقة المصرية مهارة دقيقة، بداية من الإعداد والتحضير، ومروراً بمرحلة الحشو بالأرز بالتوابل أو «الفريك» المحمص، وصولاً إلى مرحلة التحمير في السمن البلدي، لتكتسب القشرة الخارجية قوامها الذهبي المقرمش.

وتزخر القاهرة والإسكندرية بقائمة طويلة من المطاعم التي صاغت تاريخ هذه الأكلة، إذ تضع «الحمام المحشي» على رأس قوائمها، ما جعلها قبلة محبي هذه الوجبة التقليدية.

البعض يفضل تناول الحمام في المنزل والبعض الآخر يأكله في المطعم (الشرق الأوسط)

ويعد مطعم «فرحات» (كبابجي الأزهر) من العناوين الشهيرة بتقديم أطباق الحمام المحشي المقرمشة من الخارج والطرية من الداخل، معتمداً على «نَفَس» وخبرة متوارثة على مدار أربعين عاماً، نجح خلالها في نقل المذاق المصري الأصيل إلى متذوقي الفخامة من مصر والخليج والعالم العربي، ومن خلال فروعه الأربعة بالقاهرة (الأزهر، مصر الجديدة، مدينة نصر، المهندسين)، يواصل رحلته حتى اليوم ملتزماً بأعلى معايير الجودة.

وتعد سلسلة مطاعم الدهان (الممتدة جذورها لعام 1890) واحدة من العلامات المسجلة في تقديم المأكولات المصرية التقليدية، وعلى رأسها أطباق الحمام المحشي، سواء الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، وغالباً ما يُطلب ضمن «صينية اللمة» التي تجمع الحمام مع المشويات والمحاشي المصرية، كما يمكن تذوق برام الأرز المعمر بالحمام، كما لا تفوتك تجربة شوربة الحمام الشهيرة مع الشعرية المحمرة.

ومن بين الأسماء الشعبية الشهيرة، يأتي مطعم الجمهورية (أولاد شلبي)، بوسط القاهرة، الذي يقدم الحمام المحشي بكثير من الأرز المتبل بخلطة رائعة، مع قرمشة مثالية للقشرة الخارجية نتيجة التحمير، مع كثير من السلطات والليمون والمخللات، والشوربة الغنية التي تُقدم للزوار في أكواب زجاجية.

الحمام المحشي طبق يعشقه المصريون (الشرق الأوسط)

كما لمع اسم مطعم صبحي كابر، بمنطقة شبرا في القاهرة، خلال السنوات الماضية، كمحطة رئيسية لعشاق المطبخ المصري الأصيل، إذ يُقبل عليه الرواد يومياً لتجربة الأطباق الشعبية، ولا سيما الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، الذي يقدم مشوياً أو مقلياً بعناية فائقة، ما يمنح متذوقه متعة التلذذ بالوجبة، التي تقدم مع الأرز الأبيض والبطاطس، إلى جانب الشوربة والمقبلات الشرقية.

وفي الإسكندرية، يعد «هرم الحمام» وجهة بارزة لمن يبحث عن دمج الأكلات الشرقية العريقة مع ابتكارات الطهي الحديثة، حيث يقدم الحمام المحشي بأشكال ووصفات متعددة، حيث الحمام المحشي بالأرز أو الفريك، مضافاً إليهما اللحم المفروم أو الجمبري، إلى جانب التحمير في الزبدة.

ومواكبة لسرعة إيقاع العصر، تظهر تجربة «حمامشي» كمطبخ رقمي يقدم خيار الحمام المحشي المبرد الجاهز للطهي دون عناء التجهيز الطويل، حيث يأتي المنتج محشياً، ومرفقاً بتوابل السلق الأساسية، ولا يتطلب الأمر سوى إضافة البصل والملح، تليها مرحلة السلق، ثم التحمير الخفيف. كما يوفر المطبخ خيار الحمام المسلوق الجاهز للتحمير مباشرة.

كذلك، يقدم المطبخ عبوات السفر الخاصة المبردة (آيس بوكس)، المصممة خصيصاً لنقل الحمام المحشي من مصر إلى أي بلد، كهدية تحمل روح وأصالة المطبخ المصري.

الحمام بالفريك أو الأرز من أشهر الاطباق المصرية (الشرق الأوسط)

الحمام المحشي في المنزل

في مقابل المطاعم المتخصصة، يرتبط تناول وجبة «الحمام المحشي» في الغالب بالمناسبات العائلية والتجمعات الخاصة، حيث تتنافس ربات المنازل في إعداده وتقديمه لضيوفهن، بما يظهر مواهبهن في الطهي.

الشيف المصرية ديجا موسى، صاحبة مدونة «مطبخ ديجا موسى»، تقدم من خلال «الشرق الأوسط» عدداً من النصائح والأسرار لإعداد الحمام المحشي، حيث تقول: «الحمام ليس مجرد وجبة عادية، بل هو طعام الملوك، لذا إذا أُعد بالطريقة الصحيحة، لفاق في متعته وسحر مذاقه أفخر الولائم، وللوصول إلى هذا المستوى الاستثنائي، هناك مجموعة من الأسرار واللمسات الفنية التي تصنع الفارق».

وتشير إلى أهمية نقع الحمام في محلول ملح وسكر وبصلة مع فصين من الحبهان لمدة ساعة قبل الحشو، ما يجعله طرياً وذا رائحة طيبة، مع تسوية الحشوة تسوية جزئية غير كاملة، لكي تستكمل نضجها داخل الحمام وتتشبع بنكهة المرق، ما يمنحها قواماً مشبعاً وغنياً بالمذاق، مع أهمية حشو الحمام بعناية وترك مساحة كافية لتمدد الأرز أو الفريك، لضمان عدم تفكك الحمام أثناء التسوية، لافتة إلى أهمية ترك الحمام لينضج على نار هادئة بعد مرحلة الغليان، ومنحه الوقت الكافي ليكتمل نضجه.

طريقة عمل الحمام المحشي

تقدم الشيف ديجا طريقة عمل الحمام المحشي بالأرز، كما يلي...

المكونات:

4 حمامات، ربع كيلو كبد وقوانص مقطعة صغيراً، 2 كوب أرز مغسول، 2 بصلة مفرومة، 2 ملعقة سمنة، ملح وفلفل أسود وبهارات مشكلة، 2 ورق لورا، 3 حبات حبهان، رشة قرفة.

التحضير:

ـ يُنقع الحمام في لتر ماء مع ملعقة ملح وملعقة سكر وبصلة مقطعة وحبهان لمدة ساعة.

ـ على النار، تُشوّح الكبد والقوانص مع بصلة مفرومة في السمنة، ثم يُضاف الأرز والملح والفلفل والبهارات وورقة لورا ورشة قرفة، ثم نصف كوب مرقة، ويُترك الخليط للتسوية نصف استواء.

ـ يتم حشو الحمام مع ترك مساحة صغيرة للأرز ليتمدد، مع غلق الفتحات بخيط أو عود خشب.

ـ يوضع الحمام في ماء مغلي مع بصل وحبهان وورق لورا حتى ينضج على نار هادئة.

ـ بعد السلق، يتم التحمير في طاسة مع سمن أو زبدة، أو يدخل الفرن حتى يأخذ لوناً ذهبياً مقرمشاً.

أما طريقة عمل الحمام المحشي بالفريك، فهي كما يلي...

المكونات:

2 حمامة، 1 كوب فريك (منقوع في مياه دافئة ساعة ومغسول)، 1 بصلة كبيرة مفرومة ناعماً، ملح وفلفل أسود، نصف ملعقة صغيرة قرفة، نصف ملعقة صغيرة بهارات حمام أو لحمة، 1 ملعقة كبيرة سمن أو زيت، 2 كوب شوربة أو مياه للسلق، 2 ورق لورا، حبهان، بصلة سليمة.

التحضير:

ـ تُشوّح البصلة المفرومة في ملعقة سمن حتى تكتسب اللون الذهبي.

ـ يضاف الفريك مع التقليب جيداً مع البصلة لمدة 5 دقائق.

ـ يضاف الملح والفلفل والبهارات والقرفة مع التقليب قليلاً، ثم تُرفع من النار وتُترك حتى تهدأ.

ـ يُحشى الحمام بالفريك (مع الحذر من الملء، حيث يزيد حجم الفريك مع السلق)، مع غلق الفتحات بخيط أو عود خشب.

ـ في إناء كبير، توضع مياه أو شوربة مع بصلة سليمة وورق اللورا والحبهان ورشة ملح، وتُترك حتى الغليان.

ـ يُنزل الحمام إلى الإناء ويُترك على نار هادئة نحو 45 إلى 60 دقيقة حتى ينضج.

ـ بعد التسوية، يتم التحمير أو يُدخل إلى الفرن.

ـ يقدم الحمام مع أرز بالشعرية والسلطة.