الأكراد آخر حلفاء واشنطن في سوريا

دعمهم بالسلاح «رسالة أميركية» بعد الاجتماع الروسي ـ التركي ـ الإيراني

مقاتلون من المعارضة مع اسلحتهما في منطقة رشيد الدين بمحافظة حلب أمس (رويترز)
مقاتلون من المعارضة مع اسلحتهما في منطقة رشيد الدين بمحافظة حلب أمس (رويترز)
TT

الأكراد آخر حلفاء واشنطن في سوريا

مقاتلون من المعارضة مع اسلحتهما في منطقة رشيد الدين بمحافظة حلب أمس (رويترز)
مقاتلون من المعارضة مع اسلحتهما في منطقة رشيد الدين بمحافظة حلب أمس (رويترز)

تعكس المتغيرات في الشمال السوري، المرتبطة بدعم روسيا لتركيا في معركتها ضد تنظيم داعش في مدينة الباب السورية، انقلابًا في الأدوار يحمل مؤشرات على تغييرات في خريطة التحالفات، في ظل انتقادات متزايدة من قبل أنقرة للولايات المتحدة التي «تحجم عن دعم تركيا في معركة الباب»، في مقابل «رفع وتيرة مساعداتها للأكراد» الذين تتهمهم أنقرة بأنها الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني المدرج على لائحتها للمنظمات الإرهابية.
وفي مقابل الدعم الروسي لأنقرة، الذي يعوض عن غياب «الغارات الجوية لطائرات التحالف ضد أهداف (داعش) في الباب السورية»، تشهد العلاقة بين روسيا وأكراد سوريا، أبرز حلفاء الولايات المتحدة في روسيا، تراجعًا ملحوظًا، يقتصر على اعتراف موسكو بأن الأكراد «قوة لا يمكن تجاهلها في سوريا»، بحسب ما قال مصدر كردي لـ«الشرق الأوسط»، من غير أن يُترجم دعمًا عسكريًا، كما كان الأمر عليه في مطلع العام الحالي، حين قدمت موسكو للأكراد غطاء جويًا مكنهم من السيطرة على مطار منغ في ريف حلب الشمالي، وبعض الأحياء في مدينة حلب.
بذلك، يتحول الأكراد إلى القوة الوحيدة الموالية للغرب في سوريا، مما يحتّم على الولايات المتحدة مساعدتهم وتمكينهم، في ظل الفتور في علاقتها مع تركيا، الخصم الأهم لأكراد سوريا. وتُرجمت هذه المعطيات، بعد الاجتماع الروسي – التركي – الإيراني لإخراج مسلحي المعارضة في حلب، بتقديم الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا، هو الأكبر هذا العام. وهو ما رأت فيه مصادر كردية أنه «يأتي ردًا على التقارب التركي – الروسي، وإبعاد الفصائل السورية في (الجيش الحر) عن الولايات المتحدة وتقريبها أكثر من الروس».
وقدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا لقوات سورية معتدلة، تمثل ببرنامج تدريب وتسليح لبعض الفصائل المؤيدة لها في وقت سابق، قبل أن تقضي «جبهة النصرة» المتشددة على تلك الفصائل المدعومة من واشنطن. كما حاولت فصائل أخرى مدعومة من تركيا، مثل «أحرار الشام» أن تفتح علاقات مع واشنطن، حين كتب لبيب النحاس، أحد أبرز وجوه السياسية للحركة، مقالات في صحف أميركية. لكن التطورات الجديدة بعد الاتفاق الروسي – الإيراني – التركي حول حلب، وما تلاه من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وتراجع وتيرة الانتقادات لروسيا على لسان قادة «الجيش السوري الحر»، أوحت بأن الفصائل المقربة من تركيا، لم تعد عدوة لموسكو، وتلتزم بمقتضيات التقارب التركي – الروسي.
وجاء الدعم العسكري الأميركي للأكراد الذي أعلنت عنه تركيا، وأكدته مصادر كردية، وجرى تسليمه في 27 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي للأكراد في قاعدة رميلان الأميركية في الحسكة. ويرى فيه الأكراد، أنه رسالة أميركية بالغة الأهمية بأنها لا تترك حلفاءها الأكراد. ويقول رئيس مركز الدراسات الكردية في أوروبا نواف خليل لـ«الشرق الأوسط» إن صفقة التسليح الأخيرة، وهي الأضخم «تنطق من نقطة مهمة مرتبطة بمحاربة الإرهاب، وتأمين حماية المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية بدعم أميركي»، مشيرًا إلى أن الأكراد «هم القوى الأهم الحليفة للأميركيين في سوريا». وقال «هناك ضمانة دائمة من الولايات المتحدة بحماية المناطق التي تم تحريرها من (داعش)».
يشار إلى أن ضمانة حماية وواشنطن للأكراد، ظهرت حين تقدمت تركيا من جرابلس باتجاه الحدود الإدارية مع منبج، حيث توقفت عند نهر الصاخور، بعد تحذيرات أميركية؛ وهو ما دفع تركيا إلى المضي غربا باتجاه مدينة الراعي والتقدم إلى مدينة الباب بريف حلب الشرقي.
ورغم أن موسكو قدمت في وقت سابق دعمًا للأكراد، فإن المتغيرات الحالية تظهر برودة في علاقة الأكراد مع روسيا، إلا أن خليل لا يرى في ذلك «تغيرًا جوهريًا»، قائلا إن تقارب روسيا مع تركيا التي تعتبرنا خصومها «لا يعني بالضرورة أنها ستعادينا؛ لأن تركيا لا تستطيع فرض شروطها على روسيا»، كما «أن علاقتنا مع تركيا ليست على درجة تخولنا للاعتراض على أي من علاقاتها».
وفي السياق نفسه، يوضح عبد السلام علي، ممثل الأكراد في روسيا، أن الدعم الروسي لوحدات حماية الشعب لطالما كان سياسيا، مشيرًا إلى أنه «بعد الاتفاق بين روسيا وإيران بخصوص حلب، حصلت بعض التغيرات». لكنه جزم بأن الاتصال اليومي مع الروس «يؤكد أن الموقف الروسي تجاه الأكراد لم يتغير، طالما أن الروس يضعون على أجندتهم دائمًا هدفا أساسيا يتمثل في محاربة الإرهاب وتنظيم داعش».
وتوقع علي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن تعاون تركيا مع روسيا «مؤقت، ولا يمكن مجاراتها على حساب الأكراد»، مشددًا على أن موسكو «تعترف بأن حقوق الأكراد مضمونة؛ ذلك أن روسيا لا تستطيع تجاهل وجود الأكراد». كما أعرب عن اعتقاده بأن روسيا «تسمح للأتراك بالتقدم إلى الباب فقط، لكنها لن تسمح بالتقدم إلى منبج وفتح معركة ضد الأكراد».
ويعتبر ملف الأكراد، أبرز الملفات التي تشوبها التعقيدات في علاقة تركيا بالولايات المتحدة الأميركية، على ضوء مخاوف أنقرة من إقامة الأكراد حزامًا لهم يربط عفرين في شمال حلب، بمناطق سيطرته في شمال شرقي سوريا على طول الشريط الحدودي مع أنقرة. وقالت تركيا على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أول من أمس: إن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة واشنطن، أوقف منذ فترة، الإسناد الجوي الذي كان يقدمه لعملية «درع الفرات» شمالي حلب السورية، وقال إن واشنطن قدمت حتى اليوم السلاح لتنظيم «ي ب ك» الذراع المسلحة لمنظمة «بي كا كا» (تنظيم حزب العمال الكردستاني) الإرهابية في سوريا. كما قال إن الولايات المتحدة تريد استخدام تنظيم «ي ب ك» (وحدات حماية الشعب الكردية) ضد تنظيم داعش في الرقة، و«ي ب ك» يريد مقابل ذلك من واشنطن إفشال سيطرة درع الفرات على مدينة الباب شمالي حلب، لكي لا تعرقل مشروعه في إقامة الحزام الذي يربط مناطق سيطرته في شرق الفرات بمدينة عفرين شمال غربي محافظة حلب.
وفي مقابل هذا النقص بالغطاء الجوي الأميركي، عوضت روسيا ذلك؛ إذ قال الجيش التركي أمس إن المقاتلات الروسية شنت ضربات على ثلاثة أهداف لتنظيم داعش حول مدينة الباب بشمال سوريا في الساعات الأربع والعشرين الماضية في أول دعم جوي روسي على ما يبدو لعمليات الجيش التركي بالمنطقة.
وفي بيان عن عملياته العسكرية خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية في المنطقة، قال الجيش التركي إنه تلقى معلومات عن مقتل 12 من مقاتلي «داعش» في ضربات جوية روسية في محيط الباب. وأضاف أن الأهداف تقع داخل البلدة وإلى الجنوب منها مباشرة.
وتهدف تركيا من خلال عملية «درع الفرات» إلى منع وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة جماعة إرهابية من أن تضم المناطق الخاضعة لسيطرتها على الحدود التركية إلى بعضها بعضا؛ خشية أن يشجع ذلك النزعات الانفصالية الكردية داخلها.
وهناك خلاف بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن دور المقاتلين الأكراد في شمال سوريا الذين يحاربون على جبهات قرب الباب؛ إذ تعتبرهم تركيا قوة معادية، لكنهم تلقوا دعما أميركيا في معركتهم ضد «داعش».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.