الحرس الثوري يسيطر على مشروعات عملاقة لتعزيز خزانته

وزير الدفاع الإيراني يكشف عن نشاط «مقر خاتم الأنبياء» بعد «الاتفاق النووي»

فائد فيلق القدس قاسم سليماني يتوسط سالار آبنوش وعباد الله عبد اللهي قائدي مقر «خاتم الأنبياء» الذي يمول نشاط فيلق القدس
فائد فيلق القدس قاسم سليماني يتوسط سالار آبنوش وعباد الله عبد اللهي قائدي مقر «خاتم الأنبياء» الذي يمول نشاط فيلق القدس
TT

الحرس الثوري يسيطر على مشروعات عملاقة لتعزيز خزانته

فائد فيلق القدس قاسم سليماني يتوسط سالار آبنوش وعباد الله عبد اللهي قائدي مقر «خاتم الأنبياء» الذي يمول نشاط فيلق القدس
فائد فيلق القدس قاسم سليماني يتوسط سالار آبنوش وعباد الله عبد اللهي قائدي مقر «خاتم الأنبياء» الذي يمول نشاط فيلق القدس

أعلن وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان، أمس، أن الذراع الاقتصادية للحرس الثوري، مقر «خاتم الأنبياء»، ما زال يمسك بعصب المشاريع الاقتصادية الكبيرة للحكومة الإيرانية في مختلف المجالات النفط والغاز والنقل والطرق والسدود والاتصالات، مشددا على أن الحرس الثوري قدم مساعدات للحكومة بعد مناقشة سياسة «الاقتصاد المقاوم» في إيران.
وفق ما أعلنه دهقان، فإن ذلك يظهر تنامي النشاط الاقتصادي للحرس الثوري خلال العام الأخير بعدما مارس المرشد الإيراني علي خامنئي ضغوطا على سياسة الحكومة الاقتصادية عبر مطالبته بتطبيق سياسة «الاقتصاد المقاوم» عقب التوصل للاتفاق النووي. كما أن تصريح الوزير الإيراني يأتي على خلاف المواقف المتعددة التي أعرب خلالها الرئيس الإيراني عن قبضة الحرس الثوري على تطلعات حكومته الاقتصادية.
في هذا الصدد، كشف اللواء دهقان، أمس، على هامش معرض «اقتدار الحرس الثوري في مجال العمران» عن حصول شركات الحرس الثوري على 50 مشروعا مؤثرا في الاقتصاد الإيراني. مضيفا أن «الحكومة لم تعمل على تنفيذ بعض وعودها لكنها تصر على ذلك»، وفقا لوكالة «إيلنا».
جاء ذلك بعدما توترت العلاقة بين الحرس الثوري والحكومة في وقت سابق من هذا الشهر على إثر إعلان إلغاء صفقة بقيمة 7 مليارات و800 مليون دولار حصل بموجبها الحرس الثوري على 51 في المائة من أسهم شركة الاتصالات الإيرانية في 2009، وتزامن ذلك مع ضربة ثانية تلقاها الحرس الثوري بإعلان إدارة روحاني إبرام صفقة مع كوريا الجنوبية لصناعة عشر سفن كبيرة عابرة للقارات وتجاهل شركات تابعة لمقر «خاتم الأنبياء».
وبررت الحكومة تجاهل شركات تابعة لمقر «خاتم الأنبياء» بعجز تلك الشركات في صناعة السفن وهو ما يرفضه الحرس الثوري.
تعليقا على هذا، دافع دهقان عن «طاقات» الحرس الثوري للقيام بأعمال كبيرة في المشروعات الهندسية والعمرانية، معتبرا نشاط الحرس الثوري من إنجازات النظام.
نهاية يونيو (حزيران) الماضي، أعلن مساعد مقر «خاتم الأنبياء»، اللواء سالار آبنوش، حصول الحرس الثوري على 50 مشروعا حكوميا بعد توقيع مساعد الرئيس الإيراني، الأول إسحاق، على رخص مشروعات وصفها بالعملاقة من دون تقديم تفاصيل.
لكن دهقان كشف، أمس، عن أن القائمة تشمل المشروعات الأساسية للحكومة في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات والنقل والسدود ونقل المياه، فضلا عن مشروعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مشددا على أن الحرس الثوري أصر على إقناع الحكومة بتوجيه طاقاتها في تلك المجالات.
في أكتوبر (تشرين الأول)، أوضحت دراسة من مركز الأبحاث «الدفاع عن الديمقراطية» الأميركي أن الحرس الثوري أكبر المستفيدين من رفع العقوبات على إيران. بحسب الدراسة يسيطر الحرس الثوري على 20 إلى 40 في المائة من الاقتصاد الإيراني كما ذكرت الدراسة أن الحرس الثوري «يستغل الفساد المنظم في السلطة لإثراء خزائنه».
في وقت سابق ذكرت «رويترز»، نقلا عن مصادر مطلعة، أن الحكومة رفضت طلبات تقدم بها الحرس الثوري للتنافس على عشرة مشروعات طرحتها للمناقصة؛ وذلك خشية هروب المستثمرين الأجانب، الذين تحاول الحكومة تشجيع دخولهم إلى إيران.
نهاية مايو (أيار) الماضي نقلت وكالة أنباء الحرس الثوري «فارس» عن قائد مجموعة «خاتم الأنبياء»، اللواء عباد الله عبد اللهي، قوله إن المجموعة رصدت 10 مشروعات عملاقة غير مكتملة، تكلفت مراحل تنفيذها النهائية بين 5 و7 مليارات دولار، مضيفا أنها تدر أرباحا سنوية قدرها 40 مليار دولار على خزائن الحرس الثوري.
في شأن نقل المياه وبناء السدود اتضح من تصريحات دهقان أن المشروعات تستهدف الأراضي العربية في الأحواز (جنوب غرب) وكردستان (شمال غرب)، حيث شهد هذا العام احتجاجات واسعة يقف خلفها الحرس الثوري، في حين أن المسؤولين العرب في تلك المناطق أعربوا عن استغرابهم في عدة مناسبات من إصرار غامض على تنفيذ تلك المشروعات، وخلال الأشهر الماضية بلغ مستوى تلك التصريحات التحذير من حرب المياه.
بموازاة ذلك، انتقد دهقان ما وصفه بالتفكك في الأجهزة الحكومية، موضحا أن البعض يتصور أن الأجانب يعملون أفضل من الإيرانيين، مضيفا أن المسؤولين الآن يرحبون بطاقات الحرس الثوري.
تشير المصادر الإيرانية إلى أن الشركة التي بدأت نشاطها في 1988 تملك حاليا 812 شركة اقتصادية يعمل فيها أكثر من 135 ألف موظف دائم، و500 ألف موظف بعقود غير دائمة، كما أنها تدعي تنفيذ بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مشروع في إيران. وبدأت قوة الحرس الثوري الاقتصادية تتنامى مع بداية رئاسة علي أكبر هاشمي رفسنجاني قبل أن يتحول إلى أبرز اللاعبين في الاقتصاد الإيراني في نهاية رئاسته التي تعتبر أكثر فترة اهتم بها رئيس إيراني بالاقتصاد.
من جانب آخر، انتقد القيود التي تفرضها الحكومة على تمويل بعض المشروعات محذرا من تأثير ذلك على أنشطة الذراع الاقتصادية للحرس الثوري، لافتا إلى أن مجموعة الحرس الثوري الاقتصادية لا يمكنها التعويل على إمكاناتها في القيام بجميع الأنشطة، في إشارة إلى مطالب من الحرس الثوري للحصول على ميزانية تمكنه من اتساع نطاق مشروعاته الاقتصادية.
كما عد الحرس الثوري مقر «خاتم أنبياء» التابع للحرس الثوري جزءا من وزراة الدفاع، معلنا استعداد الوزارة للتعاون بلا حدود مع مشروعات مجموعة خاتم الأنبياء.
يشار إلى أن مجموعة «خاتم الأنبياء» على قائمة العقوبات الدولية، كما أنها من بين أكثر الجهات التي كانت سببا في إبقاء إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل الدولي (فاتف) التي تراقب تمويل الإرهاب وغسل الأموال ومؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال، الذي أعلن عن تصدر إيران للعام الثالث على التوالي قائمة 149 دولة، معتبرا إياها الأكثر خطورة على المنظومة المالية الدولية، كذلك تحتل إيران مرتبة الـ130 من بين 168 على قائمة منظمة الشفافية الدولية.
خارجيا، كشف قائد مجموعة «خاتم الأنبياء» خلال لقائه بخامنئي في سبتمبر (أيلول) الماضي، عن استثمار المجموعة في النجف العراقية تتجاوز قيمته مليار دولار (ألف مليار تومان) مؤكدا نية المجموعة تنفيذ 30 مشروعا في العراق تتجاوز قيمتها ملياري دولار (ألفا مليار تومان).
وعقب دخول الاتفاق النووي حاولت طهران الانضمام إلى مجموعة العمل الدولي (فاتف) وتبين أن قضية الانضمام من بين التفاهمات التي جرت على هامش المفاوضات النووية لتسهيل عودة البنوك الدولية، مع إيران عقب رفع العقوبات، لكن الحرس الثوري والجماعات المقربة من المرشد الإيراني واجهوا ذلك بالرفض القاطع.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».