مواعيد ثقافية وحصاد جوائز أدبية.. ورحيل رموز في الفكر والفن

أحداث ثقافية طبعت سنة 2016 في المغرب

من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
TT

مواعيد ثقافية وحصاد جوائز أدبية.. ورحيل رموز في الفكر والفن

من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي
من مهرجان «كناوة وموسيقى العالم» - سعيد يقطين.. جائزة الشيخ زايد للكتاب - شهد هذا العام رحيل المخرج المسرحي الطيب الصديقي

تواصل سنة 2016، من خلال المهرجانات الدولية والتظاهرات الكبرى ذات التوجه الأدبي والفني، التي نظمت بمختلف جهات المملكة، تكريس صورة التنوع الذي يسم الممارسة الثقافية في المغرب؛ فيما أعطت الجوائز التي حصل عليها عدد من الأدباء المغاربة، داخل وخارج المغرب، صورة عن الدينامية التي تتوج للمنجز الثقافي المغربي، وتعطيه حضورًا إقليميًا ودوليًا.
وبقدر ما نقلت التظاهرات الثقافية المنظمة على مدى شهور السنة، من جهة، وتميز عدد من المثقفين المغاربة على الساحتين العربية والدولية، من جهة ثانية، صورة عن دينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت السنة، التي يتهيأ العالم لتوديعها، إلا أن تترك حزنًا في النفوس، بعد رحيل عدد من رموز الأدب والفن.

مهرجانات دولية
خلال 2016، نظمت بعدد من المدن المغربية مهرجانات ذات صيت عربي وعالمي. ففي «أصيلة»، نظم «موسم أصيلة الثقافي الدولي» فعاليات دورته الـ38، ما بين 12 إلى 28 يوليو (تموز) الماضي. وتضمن برنامج الدورة ندوات ولقاءات ذات توجه سياسي وفكري وأدبي، ضمن فعاليات الدورة الـ31 لجامعة المعتمد بن عباد، تناولت مواضيع «الوحدة الترابية والأمن الوطني: أي مآل لأفريقيا؟» و«الحكامة ومنظمات المجتمع المدني» و«النخب العربية والإسلامية: الدين والدولة» و«الرواية العربية وآفاق الكتابة الرقمية»، و«خيمة الإبداع» التي خصصت لتكريم الشاعر محمد بنيس، مع تنظيم حفل تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها السادسة، التي فاز بها الروائي التونسي حسونة المصباحي، علاوة على شواغل للفنون التشكيلية والنحت والحفر والصباغة وكتابة وإبداع الطفل، وجداريات ومعارض ومرسمًا وورشة في موضوع الحفاظ على التراث العمراني، وعروضًا غنائية وموسيقية.
وفي مدينة مراكش، توج المهرجان الدولي للفيلم، في دورته السادسة عشرة، التي نظمت مابين 2 و10 ديسمبر (كانون الأول) الفيلم الصيني «المتبرع»، لمخرجه زون كيوو، بالجائزة الكبرى للمهرجان. فيما عادت جائزة لجنة التحكيم للفيلم النمساوي الإيطالي المشترك «مستر إنفيرسو»، للمخرجين تيزا كوفي ورينرفريميل؛ وذهبت جائزة أحسن إخراج للصيني وانغ كسييبو، عن فيلمه «سكين في مياه صافية». وعلى مستوى التشخيص، فازت الممثلة فارشته حسيني بجائزة أحسن ممثلة، عن دورها في الفيلم الأفغاني الإيراني المشترك «رحيل»، لمخرجه نويد محمودي؛ فيما فاز بجائزة أحسن ممثل، مناصفة، كل من بالدور إينارسن وبلاير هينيريكسن، عن دوريهما في الفيلم الدنماركي الآيسلندي المشترك «قلب من حجر»، لمخرجه كودموندور أرناركو دموندسون.
وترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، التي عرفت تنافس 14 فيلمًا، المخرج المجري بيلا تار. وتضمن برنامج التظاهرة، التي خيم عليها غياب الأفلام المغربية عن المسابقة الرسمية، وحضورها الضعيف في باقي فقرات التظاهرة، فضلاً عن الحضور العربي والأفريقي الضعيف، سينمائيين وأفلامًا، تكريم ذكرى كل من المخرج الإيراني عباس كياروستامي والمخرج المغربي عبد الله المصباحي. كما تم تكريم المخرج الياباني شيناتسوكاموتو والمخرج الهولندي بول فيرهوفن والممثل المغربي عبد الرحيم التونسي، المشهور بلقب «عبد الرؤوف»، والممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني، فضلاً عن تكريم السينما الروسية بعرض 30 فيلمًا، في حضور وفد روسي مكون من 20 سينمائيًا، قادهم المخرج ورئيس مؤسسة «موسفيلم» كارين شخنازاروف.
وواصلت مدينة الصويرة احتضانها لمهرجاناتها الثلاثة: «كناوة وموسيقى العالم» و«أندلسيات أطلسية» و«ربيع الموسيقى الكلاسيكية». وفيما ركز مهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية»، في دورته السادسة عشرة، التي نظمت مابين 28 أبريل (نيسان) والفاتح من مايو (أيار) الماضيين، على أساتذة ومدرسة فيينا التي اشتهرت بكونها عاصمة الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، التي انكشف فيها المشوار الفني لهايدن وموزارت وبيتهوفن وشوبرت، اقترح مهرجان «الأندلسيات الأطلسية» على جمهوره، في دورته 13، التي نظمت مابين 27 و30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لحظات للتفكير والنقاش وفقرات فنية تشترك في الأداء الراقي، أداها فنانون مغاربة، مسلمون ويهود، تأكيدًا لتنوع وتعايش ميز تاريخ المغرب منذ غابر القرون.
من جهتها، تميزت فعاليات «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ19، التي نظمت مابين 12 و15 مايو الماضي، بتنوع وغنى على مستوى البرنامج، الذي جمع عروض الموسيقى، على منصات الحفلات، بفضيلة الحوار في المنتدى، الذي نظم في دورته الخامسة، في موضوع «الدياسبورا» الأفريقية، بمشاركة باحثين ومختصين ومهتمين بالشأن الأفريقي، من المغرب والخارج، توزعتها أربعة محاور، شملت «الحركيات» و«المعرفة» و«النوع الاجتماعي» و«الثقافة».
وعرفت الدورة حضورًا جماهيريًا فاق توقعات المنظمين، الذين برمجوا ما يفوق 30 حفلا موسيقيًا، على مدى أربعة أيام، بمشاركة 300 فنانًا. كما أبرزت الدورة، على المستوى الفني، قيمة المزج والجمع بين أشكال فنية تقليدية، ك«كناوة» و«حمادشة» و«عيساوة»، أو عصرية كـ«الجاز» والبلوز» و«الروك» و«الفلامنغو».
وفي مدينة فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، فخصص دورته الـ22، التي نظمت مابين 6 و14 مايو، لـ«النساء المشيدات»، تعبيرًا عن «ثيمة مستمدة من حياة وأعمال هؤلاء النساء اللواتي تركن بصماتهن في التاريخ، على غرار فاطمة الفهرية التي يعود إليها الفضل في تشييد مسجد وجامعة القرويين، وقريناتها من النساء البارزات في العالم». فيما سعى «منتدى فاس» إلى «إضفاء الروح على العولمة»، بمشاركة نخبة من أبرز المفكرين والمثقفين، في حوار حول المرأة والأنوثة والنسوية والمعارك والرهانات الاجتماعية المتفرعة عنها. وفي مدينة الرباط، واصل مهرجان «موازين.. إيقاعات العالم» استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع مئات الآلاف، ما بين 20 و28 مايو، حفلات فنانين مغاربة، عرب وغربيين، بينهم نجمة البوب الأميركية، كريستينا أغيليرا وقيصر الغناء العربي، الفنان العراقي كاظم الساهر. وأعلنت «جمعية مغرب الثقافات» أن الدورة الـ15 حققت حضورًا جماهيريًا قياسيًا تجاوز 2,6 مليون متفرج، الشيء الذي جعل منه، حسب المنظمين، «لقاء ثقافيًا جديرًا بمغرب يطمح إلى العالمية في كل مبادراته وتجلياته، مع تعلقه السرمدي بتراثه الحافل بالمفاخر».

معرض النشر والكتاب
احتضنت مدينة الدار البيضاء، ما بين 11 و21 فبراير (شباط)، الدورة 22 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة كـ«ضيف شرف»، بمشاركة 686 عارضًا، من 44 دولة، حيث قدم العارضون رصيدًا وثائقيًا فاق 100 ألف عنوان، 68 في المائة منها باللغة العربية.
وبموازاة ذلك، شهدت الدورة تنظيم برنامج ثقافي ناهزت فقراته 677 نشاطًا، تضمنت 302 ندوة ولقاء، و340 توقيعًا، و35 فقرة شهدها فضاء الطفل، فيما قدر المنظمون عدد زوار الدورة بـ370 ألفًا. كما عرفت الدورة تسليم «جائزة الأركانة العالمية للشعر»، في دورتها العاشرة، التي ذهبت إلى الشاعر الألماني فولكر. وبرر «بيت الشعر في المغرب» منح الجائزة للشاعر الألماني بعدة اعتبارات، بينها أنه «ظلّ وفيًا على مدى نصف قرن لجوهر الشعر، بكتابةِ قصيدةٍ مُتفاعلة مع زَمنها، مُنتصرَة للأمل، تبثّ شعاعه، بحثًا عن التوازن داخل عالم مُهتزّ».

جوائز تميز
وفي هذا العام، حصل عدد من الأدباء المغاربة على جوائز أدبية هامة، خارج المغرب، علاوة على «جائزة المغرب للكتاب». ففي فئة النقد، ضمن جائزة «كتارا» القطرية، توج أربعة نقاد مغاربة من أصل خمسة فائزين عرب، وهم الناقدة والنقاد زهور كرام وإبراهيم الحجري وحسن المودن ومحمد بو عزة، فيما فاز بالجائزة أيضًا، الروائي المغربي مصطفى الحمداوي، المقيم بهولندا، ضمن فئة «الرواية غير المنشورة»، كما فاز الدكتور محمد مفتاح بجائزة الملك فيصل العالمية للغة العربية والأدب العربي، مناصفة مع الباحث المصري محمد عبد المطلب. واعتبر فوز الناقد والسيميائي المغربي، الذي أغنى المكتبة المغربية والعربية بأعمال تحليلية مهمة، موجّها إلى الثقافة المغربية باعتباره من رموزها الديناميكية.
وحصل الكاتب والناقد سعيد يقطين على جائزة الشيخ زايد للكتاب، في صنف «الفنون والدراسات النقدية»، عن كتابه «الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق»، الذي انشغل فيه بـ«تأسيس مفهوم الفكر الأدبي العربي الذي يجمع بين التنظير والتطبيق».
وفاز الباحث خالد التوزاني بـ«جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة»، التي تمنحها «دارة السويدي»، في أبوظبي، سنويًا، في فرع «الدراسات»، عن كتابه «الرحلة وفتنة العجيب.. بين الكتابة والتلقي».
وخارج جغرافية الجوائز العربية، فازت الروائية ليلى السليماني بجائزة «غونكور»، التي تعتبر أرقى الجوائز الأدبية الفرانكفونية، وذلك عن روايتها «أغنية هادئة». وبفوزها، تصبح السليماني، ثاني كاتب مغربي ينال هذه الجائزة الرفيعة، بعد الطاهر بنجلون الذي نال الجائزة نفسها سنة 1987.
وعلى مستوى الداخل، عرفت دورة هذه السنة من «جائزة المغرب للكتاب»، التي ترأس لجنتها الدكتور نور الدين أفاية، تنافس 175 كتابًا، في الأصناف الثمانية المقترحة، حيث ذهبت جائزة «السرديات» لطارق بكاري عن روايته «نوميديا»؛ وجائزة «الشعر» لعبد الكريم الطبال عن ديوانه «نمنمات»؛ وجائزة «العلوم الإنسانية» (مناصفة) لمحمد جبرون عن كتابه «نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره» ومحمد سرو عن كتابه «النظر والتجريد في الطب الأندلسي بين ابن رشد وابن زهر»؛ وجائزة «العلوم الإنسانية» لمحمد العيادي؛ وجائزة «الترجمة» (مناصفة) لرجاء بومدين عن ترجمة «مجنون الورد» لمحمد شكري إلى الإسبانية وخالد بن الصغير عن كتابه «يهود المغرب وحديث الذاكرة»؛ فيما ذهبت جائزة «الدراسات الأدبية واللغوية والفنية» لعبد الرزاق الترابي عن كتابه «صرف - تركيب اللغة العربية».

رحيل الرموز
لم تمر سنة 2016 من دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، والجمهور المغربي، بشكل عام، حزنًا كبيرًا على رحيل عدد من رموز الفكر والأدب والفن في البلد، لعل أشهرهم الفنان المسرحي الكبير الطيب الصديقي، والموسيقار المتميز سعيد الشرايبي، والملحن العربي الكواكبي، أحد رواد الأغنية المغربية، والفنان موحى والحسين أشيبان المعروف بـ«المايسترو»، الذي ساهم في إشعاع فن «أحيدوس» الشعبي، والفنان عبد اللطيف الزين، أحد رموز الفن التشكيلي المغربي، فضلاً عن الفنانة الفوتوغرافية ليلى العلوي، التي غيبها الموت عن سن الثالثة والثلاثين، إثر الجروح التي أصيبت بها خلال هجوم إرهابي تعرضت له العاصمة البوركينابية واغادوغو.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».