البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

السودان: صراع القوة بين الحكومة والمعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
TT

البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)

تغيرت لهجة الرئيس عمر البشير بعد يوم واحد من الخطاب التصالحي في مدينة ود مدني جنوب الخرطوم ودعوته المعارضة للحاق بركب الحوار، ليصف معارضيه بـ«المخذلين ومعارضي الفنادق».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) أمس، أن الرئيس البشير دعا في خطاب جماهيري بمدينة المناقل وسط البلاد أمس، المواطنين لعدم الالتفات لمن سماهم المخذلين من معارضي الفنادق، وجاء ذلك ضمن جولة يقوم بها في ولاية الجزيرة افتتح خلالها مشروعات تنموية وخدمية، وهي الولاية التي تراجع دورها وإسهامها الاقتصادي والثقافي خلال حكمه، بعد أن كانت مركز ثقل الاقتصاد السوداني، ويأتي ذلك بعد يوم واحد خطابه الذي دعا فيه بنبرة تصالحية معارضيه للحاق بالحوار الوطني.
وفي الأثناء، أعلن عدد من الصحافيين في الصحافة المحلية والمهاجرين ومن كبار الكتاب، دعمهم للعصيان المدني المزمع، ونظمت «شبكة الصحافيين السودانيين» حملة جمع التوقيعات. وتعد شبكة الصحافيين السودانيين تنظيمًا موازيًا لاتحاد الصحافيين الرسمي، ودأبت على تنظيم حملات مناهضة اعتصامات ووقفات احتجاجية وإضراب عن العمل. وفي الأثناء وقف رئيس اتحاد الصحافيين الموالي للحكومة، الصادق الرزيقي ضد العصيان المدني واعتبره معركة ضد من سماهم من يقودون البلاد إلى الدمار والخراب، واعتبر الدعوة إليه «مؤامرة دنيئة ولوثة جنون في صدور الخائنين»، وقال الرزيقي في مقاله الراتب بالصحيفة التي يتولى رئاسة تحريرها: «معركتنا منذ اليوم ضد كل من يريد أن يكون مصير بلادنا الدمار والخراب، فلن نترك لهم سانحة لتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة. ولن تكون خاتمة عبثهم إلا السراب، فالسودان أقوى من كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ولوثة الجنون التي تعتمل في صدور الخائنين».
ومع اقتراب العد التنازلي للعصيان المدني الذي دعا له الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، وأيدته قوى المعارضة المدنية، تداولت وسائط التواصل الاجتماعي قائمة توقيعات تضم مهندسين، وفنانين وكبار الكتاب ومبدعون وتشكيليون أول من أمس، أعلنوا فيها مشاركتهم في العصيان المدني.
ومنذ دعوة نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي لعصيان مدني ثان في السودان الاثنين المقبل، انشغلت «الميديا» الحديثة بعزف إيقاعين متضادين متشاكسين، يحاول كل إيقاع أن يكون الأكثر دويًا وإسماعًا. كل طرف يقود جوقته بالاتجاه الذي يعزف عليه النشيد الوطني بلحنه الخاص.
بدأ الأمر بنقرات على «الكيبورد» وشاشات اللمس في أجهزة الهواتف الذكية، وأدواتها مواقع التواصل الاجتماعي («فيسبوك»، و«واتساب»، و«تويتر»، ومدونات، ومواقع النشطاء)، ورصاصها كلمات حارقة وثاقبة، وأصحابها قابعون في منازلهم، ولا يطلقون سوى الكلمات. فيما يستخدم الجانب الحكومي أسلوبا لاستدراج المعارضين.
بدأ الأمر بوقفة احتجاجية نظمتها فتيات في مواقع نسوية على «فيسبوك» تهتم بالتجميل والأناقة، في أحد شوارع الخرطوم الشهيرة، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان وزير المالية السوداني عن رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتحرير سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، والتخلي عن دعم الدواء، فرقها الأمن بالهراوات والغاز، واعتقل شابات وشبابا قدمهم لمحاكمة برأتهم فيها المحكمة.
ثم بدأ الإعداد لمعركة أخرى بتنظيم نشطاء مجهولي الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي «عصيانا مدنيا»، يعتصم فيه المشاركون بمنازلهم، ولا يذهبون إلى العمل، في أيام 27 – 30 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وشجع النجاح النسبي لهذا العصيان النشطاء على التخطيط لعصيان آخر، حددوا له يوم الاثنين المقبل، فبعد أن كانت الدعوة والتحريض على العصيان الأول تصدر من مجموعات متعددة غير متصلة، تكون تجمع أطلق عليه «تجمع مجموعات العصيان».
ودعم أكبر تحالفين معارضين (قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان) العصيان، بل أصدرا بيانات دعوا فيها أعضاءهما والمواطنين للمشاركة في العصيان، وأصدرت أحزاب: «المؤتمر السوداني، والأمة القومي، والشيوعي، والبعث، وفصائل من الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأحزاب أخرى»، بيانات وجهت فيها أعضاءها لدعم العصيان. ودعت الحركات المسلحة التي تعمل على إسقاط الحكومة عسكريًا أعضاءها للمشاركة في العصيان المدني، وأعلنت استعدادها للتخلي عن سلاحها فور حدوث التغيير.
مدنيًا، فإن المئات من المهنيين والمبدعين، وبينهم صحافيون وكتاب وشعراء ومهندسون ومعلمون ومحامون وأطباء، نظموا حملة توقيعات لدعم العصيان، أعلنوا فيها الإتيان ببديل ديمقراطي، يعيد رتق ما تهرأ من نسيج الوطن والمجتمع. ويقول الصحافي الحائز جائزة «بيتر ماكلر» المكافئة للشجاعة والنزاهة، فيصل محمد صالح، في صفحته على «فيسبوك»: «سنعلن وننفذ عصياننا المدني يوم الاثنين 19 ديسمبر (كانون الأول)، ونبقى في بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا وقرانا، وأمام شاشات الكومبيوتر، نتحدث مع بعضنا ومع غيرنا، نتناقش في وسائل المقاومة وكيفية تفعيلها. نتجه نحو مزيد من التنسيق وإحكام التجويد».
ويسخر صالح من سؤال: «من يقود؟»، بقوله: «ليس فلانًا ولا علانًا، ولا أبا فلان، نحن من نقود نفسنا، نكوّن لجاننا، نناقش غيرنا، ونتوحد في جبهة واحدة، أفرادًا ومجموعات ولجانًا وأحزابًا وحركات وتنظيمات وقروبات».
ويوضح صالح، إجابة عن سؤال: «ماذا بعد العصيان؟»، أن الخطوة التالية ستحدد نفسها بناء على ما يتم يوم العصيان، وأن العملية ستخضع لنقاش وحوار واسع ومفتوح.
أما الطرف الآخر في فقد دأب على التقليل من قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على فعل أي شيء، بل وأنكر بشكل كامل قدرتها على أحداث أي تأثير، لكنه في الوقت ذاته دأب على استخدامها في دعايته، وزاد عليها أن رموز الحكم الكبار بمن فيهم الرئيس عمر البشير قد ألقوا بثقلهم في معركة كسب ولاء الجماهير.
وانتابت الحزب الحاكم حالة «إنكار هستيري» لمقدرة معارضيه على إسقاطه، بلغت ذروتها بقول الرئيس عمر البشير في حشد جماهيري بولاية كسلا شرق البلاد، الاثنين الماضي، إن حكومته لن تسقط عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي، وأضاف: «لن تسقط الحكومة بـ(الواتساب) و(الكيبورد)، ولن أسلم الحكم لهم، (الدايرنا يجينا عديل)».
وهو ما عده المعارضون لعبًا على الأجساد وتهديدًا وتذكيرًا بما فعلته أجهزة الأمن السودانية، في أكبر احتجاجات شهدتها البلاد في سبتمبر (أيلول) 2013، وقتل أثناءها محتجون، اعترفت الحكومة بمقتل أكثر من ثمانين منهم.
لكن الرئيس البشير أدلى بخطاب أكثر مرونة في حشد شعبي بمدينة ود مدني، وسط البلاد، الخميس، دعا فيه من وصفهم بالجالسين على الرصيف بالخارج، إلى اللحاق بدعوة الحوار الوطني؛ لأن قطاره لن يتوقف بانتظار أحد، وقال: «الباب لا يزال مفتوحًا أمام الراغبين في تلبية دعوة الحوار الوطني»، مبينًا أن الوثيقة الوطنية مفتوحة أمام الممانعين.
ويتمسك الطرف الحكومي بتوصيات مؤتمر الحوار الداخلي الذي أجراه مع قوى يرى المعارضون أنها إما حليفة له أو مشاركة معه، أو غير مؤثرة أو مصنوعة، ويقول إنه سيقوم بإصلاحات سياسية وإتاحة الحريات ومحاربة الفساد، بعد تنفيذ تلك النتائج. على الرغم من أنه تمادى في اعتقال قادة سياسيين ونشطاء، وتكبيل الحريات الصحافية ومصادرة الصحف ووقف الفضائيات.
وتقوم استراتيجية الحزب الحاكم في مواجهة العصيان على التقليل والسخرية من تأثيره، وتدعو علانية للخروج للشارع والتظاهر، ومواجهة أعضائه و«قواته الأمنية» مباشرة، بديلاً عن تعطيل دولاب العمل، وعلى التخويف من احتمالات الفوضى الشبيهة بما حدث في ليبيا وسوريا. ويتبنى تكتيكًا يقوم على وصف دعاة العصيان بالخونة والمخربين والعملاء، الذين يقودهم الحزب الشيوعي وأحزاب اليسار، وتساندهم دول أجنبية عدوة للنظام الإسلامي، ويحذر من مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني، ومن قيامها بعمليات انتقامية حال سقوط نظام الحكم.
وتُسعِّر قوى المعارضة الشبابية والحزبية معركتها السلمية، وتقول إنها تمارس حقًا يكفله الدستور، وإن الأوضاع لن تصل إلى مرحلة ما تخوّف منه الحكومة، وإنهم لن ينساقوا لدعوات الخروج للشوارع للحيلولة دون تكرار «مذبحة سبتمبر»، وإنهم بالقوة الناعمة سيصلون إلى مرحلة العصيان المدني الشامل الذي يسقط نظام الحكم، وعصيان الاثنين لن يسقط النظام، لكنه يمثل خطوات واثقة في الاتجاه.
وترى المعارضة في بقاء حكم «الإنقاذ» مدعاة لتفكك البلاد وانهيار الدولة، وفي مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني ودعمها له، كسبًا للعمل المدني، بدلاً من حصرها في زاوية العمل المسلح.
وتستخدم المعارضة «البوستر» والقصاصة والمخاطبات وحملات التوقيعات للتحشيد للعصيان، وتقيم دعايتها السياسية على النشر الكثيف لمعلومات الفساد، والفشل السياسي والمالي، والعزلة الدولية لنظام الحكم، وعلى الغلاء الفاحش وارتفاع كلفة الدواء والتعليم والخدمات كافة.
كلا الطرفين واثق بمقدرته على حسم الأمر لصالحه، ولكل منهما «أسلحته الفتاكة» وتكتيكاته.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.