ملامح مؤسسة الرصد الفلكية في الإسلام

أقيمت نتائجها على أدق المعطيات التي أمكن التوصل إليها

كلوديوس بطليموس
كلوديوس بطليموس
TT

ملامح مؤسسة الرصد الفلكية في الإسلام

كلوديوس بطليموس
كلوديوس بطليموس

حينما جرت ترجمة الكتاب الفلكي «المجسطي» إلى العربية، زمن الخليفة العباسي «المأمون»، أي بعد وجود صاحبه «كلوديوس بطليموس» بسبعمائة عام، سيؤخذ القرار بفتح ورش ضخمة للتحقق من دقة النتائج البطلمية، بحيث يتجند العلماء لتمحيص الأرصاد البطلمية وتدقيقها. وقد خرجوا إلى الميدان يراقبون السماء من جديد، وتبين لهم بعض التباين في المعطيات القديمة مقارنة بالجديدة المتحصل عليها، فالحسابات لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية.
لقد قام الفلكيون العرب، وبحزم منقطع النظير، بتصحيح كل سطر من سطور الجداول القديمة لاستخدامها من جديد، ناهيك على أنهم أعادوا النظر حتى في طرق العمل والاشتغال المألوفة، الأمر الذي تجلى في ظهور أعمال تشهد على العمل الفذ المنجز، قصد تنقيح وإعادة الحسابات الرصدية. ولنا في «الزيج الممتحن» (الزيج هو جدول الحسابات والمواقع الفلكية) دليل على ذلك. إذ يعد هذا العمل، من أول الأزياج التي تمت في زمن المأمون باللغة العربية. فهو قائم على حسابات دقيقة، استنادًا إلى سلسلة من الأرصاد المضمونة علميًا إلى أبعد حد ممكن، والتي أنجزت في مرصدي بغداد ودمشق. وسيكون لهذا الزيج، وقع قوي في تحريك الأبحاث الرصدية الفلكية، كما سيستشهد به كبار الفلكيين اللاحقين، ومنهم على الخصوص، «ابن يونس» و«البيروني». ولعل أهم نتيجة جرى تجديدها وإعادة ضبطها، تمثلت في الجداول الخاصة بحركة الشمس. إذ جرى إثبات أن أوج فلك الشمس، مرتبط بحركة مبادرة الاعتدالين للنجوم الثابتة (التغيير البطيء لاتجاه محور الجسم الفلكي)، بعكس ما أكده بطليموس الذي يعتبر أن هذا الأوج، لا يخضع لأية حركة أخرى غير الحركة اليومية.
إضافة إلى «الزيج الممتحن»، سيظهر كتاب آخر بعنوان: «في سنة الشمس» وينسب لـ«ثابت بن قرة»، وهو في حقيقته، كما أكد بعض الباحثين، من إنجاز الفريق الفلكي في القرن التاسع الميلادي، بزعامة «بني موسى»، وذلك قبل انضمام ثابت بن قرة إليهم. وهو الكتاب الذي ينتقد بطليموس في دراسته لحركة الشمس وحساب السنة. بمعنى آخر، يعد هذا الكتاب «مجسطي» جديدًا معدلاً ومصوبًا. إذ يوجه نقدًا عنيفًا لأرصاد بطليموس، ونذكر منه القول الآتي: «ولكن بطليموس مع ما أوهم في أخذه زمان سنة الشمس من نقط فلك البروج، أوهم في الأرصاد أنفسها، ولم يأخذها على حقيقة، وكان هذا من وهمه أعظم ضررًا فيما رسم من الحساب». لكن على الرغم من هذا النقد الكبير للمجسطي ظل كتاب «في سنة الشمس»، يتحرك على منوال وطريقة اشتغال بطليموس. وتجدر الإشارة إلى أن كتاب «في سنة الشمس» قد جاء بعد فترة بسيطة من ترجمة المجسطي من قبل «الحجاج بن مطر»، وهو ما يبرز سرعة الأداء والعمل في الفلك العربي، حيث انطلق مشروع إعادة كتابة المجسطي، بحذف أرصاده المعيبة وحساباته غير الدقيقة، لكن مع الإبقاء، طبعًا، على بنيته واستدلالاته النظرية، فالثوابت البطلمية ظلت كما هي. إن هذا العمل الجبار، الذي ظهر في «الزيج الممتحن» و«في سنة الشمس»، قصد ضبط الرصد وتدقيق الحسابات، سيواصله وبهمة عالية، «حبش الحاسب»، صاحب مؤلف بعنوان: «الزيج الدمشقي»، والأمر نفسه، قام به أيضًا، «البتاني»، وهو شخصية بارزة في التاريخ الفلكي. فهذا الرجل، وكما هو معروف، قد أثر في فلك القرون الوسطى وفلك النهضة الغربية، حيث يذكره «كوبيرنيكوس» بالاسم، مرات عدة، في كتابه «في دوران الأجرام السماوية». وشهرته ليست نابعة من كونه وضع نظريات جديدة، بقدر ما كان دقيق الرصد. فقد قام بتتبع النجوم لأكثر من ثلاثين عامًا، في مرصد «الرقة»، في شمال سوريا حاليًا، خلال القرن التاسع الميلادي، وحصل على حسابات شابهت، إلى حد بعيد، الحسابات الحديثة. وتوج عمله بكتاب ذائع الصيت، يدعى «الزيج الصابئ»، الذي ترجم في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية. كما ظهر مرصد آخر بزعامة الفلكي «عبد الرحمن بن عمر الصوفي»، في القرن العاشر للميلاد، وبدعم الحاكم البويهي عضد الدولة، وهو مرصد اشتغل على ملف الكواكب المتحيرة (الزهرة، المريخ، المشتري، زحل، عطارد)، وقام بقياس ميل فلك البروج في شيراز. وأتم المهمة ابن عضد الدولة «شرف الدولة»، ببناء مرصد له في حديقة قصره. وما دمنا نتحدث عن الرصد العربي للسماء، فلا بد من الإشارة إلى مرصدين مهمين ناجحين لهما الشهرة والصدى العالمي: إنهما مرصدا مراغة وسمرقند.
مرصدا مراغة وسمرقند
تم بناء هذا المرصد بمراغة، وهي مدينة في أذربيجان قرب بحيرة أرميا. وكان تشييد هذا المرصد، الذي لا تزال جدرانه حاضرة إلى الآن، مبادرة من طرف هولاكو، حفيد جنكيزخان، الذي استولى على بغداد ونهبها سنة 1258. وما يثير الدهشة حقًا، هو ذلك التناقض القائم بين صورة هولاكو القائد العسكري الدموي والمدمر، وصورة هولاكو الذي استوعب هو والمغول، وبسرعة، لغة الشعوب الخاضعة لهم ودينهم وثقافتهم، إلى حد أن أصبح هو نفسه، حامي العلوم وراعيها.
وهنا يبرز في الصورة، الفلكي نصير الدين الطوسي (توفى 1274)، وهو أحد أكبر الفلكيين والرياضيين الذين عرفهم الإسلام، حيث سينضم لحاشية هولاكو ويعمل كوزير لديه. وسيكلفه هولاكو بإنشاء المرصد، وذلك عام 1259، والذي كان بمثابة ارتقاء جديد في علم الفلك في الإسلام، بل في العالم كله. ولقد جرى تخصيص مجال لهذا المرصد، على مساحة طولها 350 مترًا، وعرضها 150 مترًا، وبناء قبة تسمح بدخول الشمس، ومكتبة ضمت نحو أربعين ألف مجلد. وكانت بها أجهزة هائلة صنعها «مؤيد العرضي»، وهو أحد ممثلي هذا المرصد الكبار. وقد جرى تزويده بالفلكيين والمهندسين والرياضيين... وكل هذا بهدف تدقيق وتصحيح الأزياج. كما أنّه المرصد الذي أسهم في إضافات جديدة لنماذج الأجرام، بمجهودات جماعة المرصد: الطوسي، والأزدي، والشيرازي... وهي الإضافات التي انتقلت إلى دمشق، فطورها ابن الشاطر (ميقاتي الجامع الأموي)، ليكررها كوبيرنيكوس في القرن السادس عشر. وبعد عمل متعب وشاق، لمدة اثنتي عشرة سنة من تأسيس المرصد، تم التوصل إلى حسابات دقيقة وأرصاد مضبوطة، جمعت في جداول فلكية، سميت «الزيج الإيلخاني»، وهو باللغة الفارسية، وذلك سنة 1271. ونشير هنا، إلى أن هذا المجمع كان يتألف من أعضاء مساهمين كبار، من أمثال: ابن الفوطي، نجم الدين الأسطرلابي، كمال الدين الإيجي، قطب الدين الشيرازي، مؤيد الدين العرضي، ومحيي الدين المغربي وآخرين.
لقد كان مرصد هولاكو بحق - وبفضل فريقه العلمي المهم ومكتبته الواسعة - مؤسسة بحث فلكية كاملة الأركان، وكأنها أكاديمية، تعقد فيها الاتصالات العلميّة، وتناقش فيها الإشكالات المطروحة، ويقدم فيها التعليم للطلبة، خاصة الرياضيات والفلك، وتحديدًا دراسة كتاب الأصول لإقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس. ويقال إن نصير الدين الطوسي كان يشرف على نحو مائة طالب.
ولعل من حظ مرصد مراغة، أنه قد يعد المرصد الوحيد الذي استفاد من مداخيل ومخصصات الأوقاف، على الرغم من أنه لم يكن مؤسسة دينية أو خيرية، وهذا ما جعل المرصد يستمر في الاشتغال على الرغم من موت مؤسسه سنة 1265، حيث استمر نشاطه حتى أوائل القرن الثامن للهجرة، أي الرابع عشر للميلاد على الأقل. ومؤشر ذلك، كان تعيين أحد أبناء نصير الدين الطوسي، كمدير للمرصد سنة 1304. لكن بعد ثلاثة عقود من ذلك، لم ير منه الجغرافي حمد الله القزويني، إلا الأنقاض. هذه الأطلال التي بقيت من مرصد مراغة، ستوحي للفتى «ألغ بك» عندما زارها، بإنشاء مرصد مماثل حينما أصبح حاكمًا، إنه مرصد سمرقند الشهير، وذلك سنة 1420، الذي سيعمل فيه كل من «الكاشي» و«القوشجي». لكن بمجرد وفاة ألغ بك عام 1449، سيتوقف نشاط المرصد إلى درجة رحيل القوشجي من سمرقند نحو القسطنطينية. وسيجري اكتشاف آثار هذا المرصد عام 1908.
نخلص إلى أن كثرة المراصد في العالم العربي/ الإسلامي، باعتبارها مؤسسات علمية قائمة الأركان، أي لها جوانب تنظيمية (إدارة، ودعم مالي...) وجوانب قيمية (معايير وقواعد الاشتغال...) لأحسن معبر عن هاجس الدقة والصرامة الذي وسم الفلك العربي، فجماعة الفلكيين المنضوين تحت مرصد واحد، لم تكن النتائج العائمة والتقريبية لترضيهم، وإنما أصروا على إقامة نتائجهم على أدق المعطيات الرصدية التي يمكن الوصول إليها. هذا التدقيق والتصويب العربي للفلك، سيظهر أيضًا في كثرة الأزياج (الزيج الممتحن، الزيج الصابئ، الزيج الدمشقي، الزيج الإيلخاني وغيرها). لكن لسوء الحظ، لم تكن تلك المراصد تعمر طويلاً، ما لا يسمح بالذهاب إلى التراكم الذي يمكن من الانتقال إلى الكيف. فهل يكون هذا درسًا من الماضي من أجل الحاضر؟



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.