صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني
TT

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

صادق جلال العظم... أعاد قراءة التاريخ وانتصر للثورة السورية رحيل صاحب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» في منفاه الألماني

ربما كان أصدق رثاء للمفكر السوري صادق جلال العظم، الذي رحل ليلة أول من أمس في منفاه في العاصمة الألمانية برلين، ما كتبه ابناه، عمرو وإيفان: «لم يعد هناك من ينتقد ذواتنا بعد هزائمنا»، مشيرين إلى كتاب الراحل «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، الذي شكل علامة فارقة في الأدبيات العربية ما بعد هزيمة يونيو (حزيران). لم يتعب العظم من ممارسة النقد، سواء اتفقنا معه في قراءته لتراثنا القديم والمعاصر وواقعنا أم اختلفنا. لم يتعب عقله من حمل لواء التنوير ولم يتوقف لحظة عن التفكير السجالي النقدي، محركًا الساكن الراكد، مزعزعًا أركان الثوابت، منذ هزيمة 1967، إلى اندلاع ثورة السوريين ضد نظام الأسد. الثورة التي «فاجأته ولم تفاجئه»!! «نعم ولا في وقت واحد».
لقد فوجئ بالتوقيت وتخوف من احتمالات قمعها بسرعة لما يعرفه عن صلابة المنظومة الأمنية السورية وشراستها القمعية. في واقع شكل عنده وعند غيره من السوريين نوعًا من «عقدة النقص الراسخة بالعجز أمام النظام العسكري الأمني الكلي وسطوته، كما أدى إلى استبعاد أي فكرة أو حتى احتمال لقول لا (فردية أو جماعية) كبيرة له». بلسان المنحازين للثورة يقول صادق جلال العظم: «داريت عقدة النقص في داخلي بالتكيف اليومي البطيء مع هذا الواقع الأمني - الاستبدادي المرير والضاغط دومًا، كما داريتها بالاستبطان الجيد لقواعد وأصول التعامل معه بكل ما تتطلبه من نفاق وتظاهر بالتصديق والقبول والتكتم والتقية والتلاعب بالكلمات والتحايل في مواجهة القوة العارية. لولا ذلك لما تمكنت من الاستمرار في حياتي العادية والقيام بالأعمال الروتينية والمهام اليومية، أو من المحافظة على صحتي النفسية والعقلية». كان هذا كافيًا لينحاز صادق جلال العظم للثورة الشعبية ضد الاستبداد والظلم والقهر بغض النظر عن طبيعة القناعات التي يحملها، إن كانت يسارية أو ماركسية أو وسطية، أو حتى يمينية.
صادق جلال العظم، سليل العائلة البرجوازية المتحدرة من أصول تركية، ولد في دمشق عام 1934، وأتم دراسته الابتدائية فيها، ليتابع دراسته الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا (لبنان). حصل على درجة الليسانس في الآداب بامتياز من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1957 (اختصاص فلسفة)، وأتم دراسته العليا في جامعة ييل في أميركا، حيث نال درجة الماجستير في الآداب سنة 1959، ودرجة دكتور في الفلسفة سنة 1961 باختصاص الفلسفة الحديثة. كان صادق جلال العظم طالبًا في السنة الثالثة في الجامعة، عندما اندلعت حرب السويس في مصر خريف عام 1956، وهي اللحظة التي يعتبرها العظم «لحظة التبلور الجاد لوعي سياسي - ثقافي ذاتي محدد في حياتي».
بعد انتهائه من الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، عاد إلى بيروت وعمل أستاذًا مساعدًا في قسم الفلسفة، في الجامعة الأميركية بين عامي 1963 و1968. وبدأ حينها مسيرته الفكرية بإعداد دراسات وكتابة مقالات في مجال تخصصه، وكان يلقي محاضراته العامة في النادي الثقافي العربي في رأس بيروت، طارحًا أفكاره النقدية الجديدة، التي، على الرغم من توجهها للنخبة من المهتمين بالفلسفة وقضايا التنوير، كانت جريئة وصادمة، وأثارت ردود فعل مضادة كانت في بعضها معادية، وهو ما اعتبره «جزءًا من حيوية الثقافة» حين ذاك. وكانت أولى معاركه لدى وضعه دراستين ومحاضرتين بعنوان «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني» و«مأساة إبليس». ونشرتا في مجلة «دراسات عربية» اللبنانية التي رأس تحريرها، قبل أن يصدرهما في كتاب بعنوان «نقد الفكر الديني». الذي كانت له مفاعيل وأصداء واسعة، فهذا الكتاب الذي لا يتجاوز المائتي صفحة كتب عنه نحو 1500 صفحة، مثيرًا جدلاً واسعًا، وأزعج إدارة الجامعة منه، في الوقت الذي تم فيه إغلاق مجلة «دراسات عربية» وملاحقة صادق جلال العظم من قبل القضاء اللبناني. المفارقة أنه اضطر للفرار من السلطات اللبنانية ليلجأ إلى كنف السلطات السورية في وقت كان فيه التيار كله يجري في الاتجاه المعاكس. بقي في دمشق وبعد مفاوضات مع السلطات اللبنانية، عاد وسلم نفسه ليحاكم ومن ثم أطلق سراحه.
إلا أنه ولدى نشره في فبراير (شباط) 1967 مراجعة نقدية لمؤتمر أقامه شارل مالك في الجامعة الأميركية، اعتبر فيها العظم أن المؤتمر كان «موظفًا بفجاجة لا تصدق»، لخدمة الحلف المعادي لحركة التحرر العربي على العموم وللرئيس عبد الناصر، نقمت عليه إدارة الجامعة واستبعدته من طاقم التدريس فيها، وجاء ذلك بالتزامن مع نشره كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» الذي أنجزه أثناء عمله، وأدى قرار الجامعة إلى تعطيل التدريس 3 أيام وخروج مظاهرات طلابية احتجاجًا على قرار الإدارة. أحدث كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» صخبًا في العالم العربي، إذ كان أول من تجرأ على وصف ما حصل في 5 يونيو بـ«الهزيمة»، وعلى خلفية نشره هذا الكتاب منع العظم دخول مصر لأكثر من أربعة عقود.
شكلت الطروحات النقدية لصادق العظم حينها علامة فارقة في الساحة الثقافية العربية، لا سيما هذا الكتاب الذي ترك أثرًا عميقًا في الخطاب الثقافي، فيما اعتبره منتقدو العظم التأسيس الأول لظاهرة «جلد الذات» لدى تيار واسع في الأجيال اللاحقة.
بعد استبعاده من الجامعة الأميركية في بيروت، دعته الجامعة الأردنية إلى التدريس في قسم الفلسفة لديها، فذهب إلى عمان الملتهبة صيف عام 1968، لكنه لم يمكث طويلاً، حيث رحّلته السلطات الأردنية إلى بيروت في ربيع سنة 1969، وأدرجت اسمه على قائمة الممنوعين من دخول الأردن. لكنه عاد إليه عام 1970، ليعيش الأحداث التي سبقت أحداث سبتمبر (أيلول) 1971، من ثم ليغادر إلى بيروت مجددًا بعد تدهور الأوضاع هناك.
حينها كان صادق جلال العظم منخرطًا في المقاومة الفلسطينية وقد انضم، باحثًا، إلى هيئة العاملين في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، إلا أنه عندما ألف كتاب «الصهيونية والصراع الطبقي» وانتقد فيه تجربة المقاومة الفلسطينية في الأردن، فُصل من مركز الأبحاث، ومُنع من الكتابة في مجلة «شؤون فلسطينية» بأمر مباشر من الزعيم ياسر عرفات، مع أن صادق جلال العظم يعد أحد مؤسسي المجلة ومركز الأبحاث مع دكتور فايز صايغ عام 1965. يقول عن تلك التجربة: «تبيّن لي بسرعة أن المقاومة في العمق هي جزء من حركة التحرر العربي، على العموم، بتركيبتها وقياداتها ومصالحها وعقليتها وعجرها وبجرها. وإذا كانت الحركة الأكبر قد هزمت أمام المشروع الصهيوني فلن يكون مصير الفرع بأفضل من الأصل».
أواخر السبعينات اصطدم صادق جلال العظم الذي تصادم مع التيار الناصري في مصر ولبنان ومع المقاومة الفلسطينية (فتح) مع النظام البعثي في سوريا، فالأخير اعتبره مشاكسًا كبيرًا بعد نشره كتابي «سياسة كارتر» ثم كتاب «زيارة السادات وبؤس السلام العادل» والكتابان منعا في سوريا، وكان قد بدأ للتو عمله بالتدريس في جامعة دمشق بقسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
ويشار إلى أن صادق جلال العظم وخلال مسيرته الأكاديمية عمل أستاذًا في جامعتي برنستون وهارفارد في أميركا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا. وكان عضوًا في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية ليحوز على جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي سنة 2004 التي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا
بالتوازي مع ذلك، تابع صادق منهجه السجالي في النقد والتحليل فاشتبك مع أطروحة إدوارد سعيد حول الاستشراق وكان كتابه «الاستشراق معكوسًا» عام 1981 ردًا على طروحات سعيد باعتبارها أطروحة الاستشراق تصب في خانة التيارات السلفية، كما دافع عن المادية في كتابه «دفاعًا عن المادية والتاريخ» (1990) الذي جاء «دفاعًا مزدوجًا» حسب تعبيره، فيقول موضحًا إنه دافع أولاً، عن «الفكر النقدي التاريخي في تناول النظام الرأسمالي العالمي، وثانيًا، دافع عن المادية، لا استنادًا إلى نصوص مسبقة، وإنما استنادًا إلى قراءة لتاريخ الفلسفة الحديثة وللثورة العلمية الحديثة التي أنتجت تلك الفلسفة وحكمت تطوراتها وتحولاتها منذ نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا».
وفي التسعينات كان وحده الذي دافع عن سلمان رشدي، كاتب «آيات شيطانية»، الذي أصدر الخميني فتوى تدعو إلى قتله، وكان يعتبره «دفاعًا عن العقل والاجتهاد وحرية الرأي والنقد والإبداع من خلال الدفاع عن الأدب دون تبني محتواه». ثم أصدر العظم كتابيه «ذهنية التحريم وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنية التحريم» على تفكيك ذهنية التحريم عبر تحليل مواقف المثقفين العرب من رواية سلمان رشدي. ورغم ما أثاره الكتابان من سجال واسع، فإن صادق العظم يؤكد أن غايته ليست «إثارة الدبابير»، إنما القصد هو «الاشتباك مع القضايا الشائكة».
حين تسلم العظم رئاسة قسم الفلسفة والدراسات الاجتماعية في جامعة دمشق بين عامي (1993 - 1998)، اعتبرت تلك السنوات فترة ذهبية للقسم، إذ شهدت إقامة نشاط فكري سنويًا (الأسبوع الثقافي لقسم الفلسفة)، بمشاركة نخبة من كبار المفكرين العرب إلى جانب أهم أساتذة الفلسفة والاجتماع في جامعة دمشق كالطيب تيزيني وأحمد البرقاوي وصادق جلال العظم، وجورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز وغيرهم، ممن شكل لقاؤهم في كنف جامعة دمشق فضاء فكريًا عزّ نظيره على المستوى العربي، والأهم أن تلك الأسابيع التي لم يحتمل النظام السوري الأمني استمرارها طويلاً، كانت تستقطب مئات الشباب من داخل الجامعة وخارجها، تغص بهم القاعات والأروقة، مما خلق حالة ثقافية فكرية أعادت لدمشق بعضًا من تألقها الثقافي التاريخي. في فترة كانت من أكثر الفترات ركودًا في حقبة حكم حافظ الأسد.
بعد النجاح اللافت الذي حققه نشاط قسم الفلسفة، بدا مستغربًا توقف الأسبوع الثقافي وتنحي صادق العظم عن رئاسة القسم. إلا أنه لم يتوانَ عن الانخراط في الشأن العام فعندما تسلم بشار الأسد السلطة في سوريا خلفًا لوالده وطرح مشروع الإصلاح والتحديث، كان صادق جلال العظم في صفوف المثقفين السوريين الذين أعلنوا ولادة ربيع دمشق، وراحوا يضعون تصوراتهم عن التغيير المطلوب تحقيقه، ورأى العظم أن المثقفين أثبتوا خلال ربيع دمشق عبر ما أنتجوه من كتابات ووثائق وتحليلات وتعليقات وانتقادات ومقالات «أنهم أبناء الحاضر بكل معنى الكلمة أسلوبًا ومعنى ومحتوى.. وأن السنوات الطويلة من سياسة الرقابة والمنع لم تؤثر فيهم بشيء أو تمنع عنهم شيئًا له علاقة بثقافة العالم وفكره وفلسفاته وسياساته وأخباره الأخرى. وليتبين، في التحليل الأخير، أن السنوات المشؤومة إياها ذهبت هدرًا وسدى، وكأنها لم تكن بالنسبة لسلطات الرقابة الحاكمة».
وعندما اندلعت ثورة الشعب السوري ضد حكم الأسد بعد 4 عقود من الديكتاتورية والقمع وانعدام الأفق بإحداث تغيير حقيقي وجاد، وقف صادق العظم إلى جانب الشعب السوري في انتفاضته واعتبرها «ثورة، لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي الذي لم يعد قابلاً للحياة»، منتقدًا عدم انتصار بعض المثقفين لإرادة الشعب بذريعة أن «المظاهرات والاحتجاجات تخرج من الجامع وليس من دار الأوبرا أو المسرح الوطني على حد تبرير أدونيس». متسائلاً: «كيف يمكن للذين انتصروا في يوم ما لثورة الشعب الإيراني وللاهوت التحرير وكنائسه ولحركات التحرر الوطني في كل مكان تقريبًا أن يرفضوا الانتصار لثورة الشعب السوري بذريعة الخروج من الجوامع!!».
ووصف الثورة السورية بأنها «تصفية حسابات لسوريا مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري»، مع التأكيد أن «معذبي الأرض السورية يقومون بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية - مالية أمنية عائلية متسلطة».

محطات في حياته

* درس الفلسفة في الجامعة الأميركية، وتابع تعليمه في جامعة «ييل» بالولايات المتحدة.
* عمل أستاذًا جامعيًا في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى سوريا ليعمل أستاذًا في جامعة دمشق في 1977 - 1999.
* انتقل للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1963 و1968.
* عمل أستاذًا في جامعة الأردن ثم أصبح سنة 1969 رئيس تحرير مجلة الدراسات العربية التي تصدر في بيروت.
* عاد إلى دمشق 1988 ليدرس في جامعة دمشق، وتمت دعوته من قبل عدة جامعات أجنبية ثم انتقل إلى الخارج مجددًا ليعمل أستاذًا في عدة جامعات بالولايات المتحدة وألمانيا.
* رئيس رابطة الكتاب السوريين في المنفى
* رئيس تحرير مجلة «أوراق» الصادرة عن الرابطة

* من مؤلفاته

* نقد الفكر الديني
* النقد الذاتي للهزيمة
* الاستشراق والاستشراق معكوسًا
* ذهنية التحريم
* ما بعد ذهنية التحريم
* دفاعًا عن المادية والتاريخ
* في الحب والحب العذري



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».