38 قتيلاً و155 مصابًا في تفجيرين في إسطنبول

منظمة كردية تعلن مسؤوليتها ... وإردوغان يهدد بالانتقام

الرئيس رجب طيب إردوغان يواسي أقارب ضحايا التفجيرين الإرهابيين في مدينة إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
الرئيس رجب طيب إردوغان يواسي أقارب ضحايا التفجيرين الإرهابيين في مدينة إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
TT

38 قتيلاً و155 مصابًا في تفجيرين في إسطنبول

الرئيس رجب طيب إردوغان يواسي أقارب ضحايا التفجيرين الإرهابيين في مدينة إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
الرئيس رجب طيب إردوغان يواسي أقارب ضحايا التفجيرين الإرهابيين في مدينة إسطنبول أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: إن قوات الأمن في بلاده لن تتهاون في مكافحة المنظمات الإرهابية التي تهدد أمن وسلامة البلاد، ولن تترك الإرهابيين يسرحون ويمرحون في البلاد دون ملاحقة ومطاردة.
وقال إردوغان، وقد بدت على ملامحه الغضب، في تصريحات خلال زيارة أمس جرحى التفجيرين الإرهابيين الذين وقعا ليل السبت بالقرب من استاد نادي بيشكتاش التركي في منطقة بيشكتاش وسط مدينة إسطنبول، وفي حديقة مجاورة وأسفرا عن مقتل 38 شخصًا، بينهم 30 من أفراد الشرطة وإصابة 155 آخرين: «لن نترك الإرهابيين (السفلة) يسرحون ويمرحون في البلاد، سنطاردهم ونلاحقهم حتى القضاء على آخر عنصر ينتمي إلى المجموعات الإرهابية التي تهدد أمننا وسلامتنا، وسيدفعون ثمن إجرامهم باهظًا».
ولفت إردوغان إلى أن الأجهزة المختصة تواصل عملها للكشف عن نوع المتفجرات التي استخدمت في التفجيرين، وأن وزارة الداخلية التركية ستدلي بمعلومات كافية عن التفاصيل حال التوصل إلى معلومات صحيحة حول التفجيرين.
وقال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الكومة التركية، نعمان كورتولموش، في مقابلة تلفزيونية أمس: إن التفجيرين تما عبر سيارة مفخخة وانتحاري فجّر نفسه، وأن السيارة المفخخة استهدفت حافلة كانت تقل أفراد الشرطة، بعد ساعتين من انتهاء مباراة في الدوري التركي بين بيشكتاش، الذي يعد من أكثر أندية تركيا جماهيرية، ونادي بورصة سبور، فيما قام انتحاري بعد 45 ثانية بتفجير نفسه في حديقة ماتشكا القريبة من ملعب فودافون أرينا الخاص بنادي بيشكتاش. وقال كورتولموش إن «التفجيرين استُخدم فيهما ما بين 300 و400 كيلوغرام من المتفجرات». وأضاف كورتولموش إن الدلائل المبكرة تشير إلى حزب العمال الكردستاني، المصنف منظمة إرهابية في تركيا هو المسؤول عن التفجيرين: «الدلائل تشير إلى حزب العمال الكردستاني. سيكون هناك إعلان بمجرد انتهاء التحقيقات. لا يمكن أن نؤكد شيئا الآن». ولاحقا، أعلنت منظمة صقور حرية كردستان القريبة من حزب العمال الكردستاني مسؤوليتها عن التفجيرين.
وشهدت تركيا سلسلة من التفجيرات منذ مطلع العام الحالي، أعلن «داعش» مسؤوليته عن بعضها و«العمال الكردستاني» وحزب «جبهة التحرير الشعبي الثوري» ومنظمة «صقور حرية كردستان» عن بعضها الآخر، وكان أكثرها تأثيرا في إسطنبول للتفجير الثلاثي الذي نسب لـ«داعش» واستهدف مطار أتاتورك الدولي في 28 يونيو (حزيران) الماضي وأوقع 47 قتيلا وعشرات المصابين.
وطالب كورتولموش حلفاء تركيا بإظهار الدعم لها في حربها ضد الإرهاب، في إشارة للخلاف طويل الأمد مع واشنطن حليفة أنقرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن سياستها في سوريا. حيث تساند الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية السورية في حربها ضد «داعش» فيما تعتبرها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني.
وشدد كورتولموش على أنه إذا لم توقف الحروب بالوكالة، في المنطقة فإن دخول روسيا وأميركا في حرب مباشرة وبداية حرب عالمية ثالثة مسألة وقت.
واتهم الغرب بالتعامل بوجهين في موضوع الإرهاب، قائلا: «ننتظر من الذين أدانوا هجوم إسطنبول الإرهابي دعمنا في مكافحة الإرهاب».
وأشار كورتولموش إلى دعم، ربما تحصل عليه المنظمات الإرهابية التي تعمل ضد تركيا، من أجهزة استخبارات دول أجنبية، لم يحددها بالاسم.
من جانبه، أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو في مؤتمر صحافي، أمس، أن عدد القتلى جراء تفجيري إسطنبول ارتفع إلى 38، بينهم 30 من رجال الشرطة، وشخص غير معروف الهوية. مضيفا أن من المعتقد أن المسلحين الأكراد مسؤولون عن الانفجار.
وقال صويلو: إن 13 شخصا احتجزوا بناء على أدلة استخلصت من السيارة المنفجرة في موقع الهجوم الإرهابي قرب استاد بيشكتاش. وأضاف صويلو، أن فصل جميع التنظيمات الإرهابية «داعش» و«العمال الكردستاني»، وما أسماه منظمة فتح الله غولن، في إشارة إلى حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن الذي تتهمه السلطات بالوقوف وراء محاولة انقلاب عسكري فاشلة وقعت في 15 يوليو (تموز) الماضي، تنسق فيما بينها لزعزعة أمن واستقرار تركيا. وقال وزير الصحة رجب أكداغ في المؤتمر الصحافي الذي حضره مع صويلو: إن هناك 155 مصابا في المجمل يعالجون في المستشفى، بينهم 14 في الرعاية المركزة. وأعلنت تركيا أمس (الأحد) حدادا وطنيا ليوم واحد، وقال مكتب رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في بيان: إن الأعلام ستنكس، وأعلن يوم الأحد يوم حداد وطني. وأعلنت رئاسة الجمهورية التركية إلغاء زيارة كان مقررا أن يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى كازاخستان أمس. وكان إردوغان وصف التفجيرين عقب وقوعهما ليل السبت – الأحد في بيان بالهجوم الإرهابي على الشرطة والمدنيين. وقال إن هدف التفجيرات بعد نهاية مباراة حضرها آلاف الأشخاص كان إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا، مضيفا «نتيجة لهذه الهجمات سقط للأسف شهداء وجرحى».
وتابع «يجب ألا يشك أحد في أننا سنتغلب نحن دولة وشعبا على الإرهاب والمنظمات الإرهابية... والقوى التي تقف وراءها (لم يحددها)».
ووصف شهود عيان انفجار العربة المفخخة قرب الاستاد بأنه كان مثل الجحيم. قائلين إن «ألسنة اللهب ارتفعت في السماء. كان شيئا رهيبا».
وتشارك تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي (الناتو) في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال «داعش» في سوريا وتدعم قوات من «الجيش السوري الحر» في عملية درع الفرات التي انطلقت في شمال سوريا في 24 أغسطس (آب) الماضي لتطهير حدودها من «داعش» والمقاتلين الأكراد، وإقامة منطقة آمنة للاجئين كما تقاتل ضد العمال الكردستاني في جنوب شرقي البلاد وفي شمال العراق.
وجاء تفجيرا إسطنبول بعد أقل من أسبوع من حث «داعش» أنصاره على استهداف المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية في تركيا ومصالحها في أنحاء العالم. وأدان الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرج، ما وصفها بـ«الأعمال الإرهابية المروعة»، بينما بعث أيضا قادة أوروبيون برسائل تضامن. وأدانت الولايات المتحدة الهجوم وقالت إنها تقف إلى جوار حليفتها في حلف الأطلسي. كما أدان الكثير من الدول العربية والأجنبية التفجيرين بشدة، وأدانتهما كذلك الأمم المتحدة. وبعثت المعارضة التركية برسائل تضامن في مواجهة الإرهاب، وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، كمال كيليتشدار أوغلو، في بيان استعداد حزبه لتقديم جميع أشكال الدعم فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب. وقال إن «على الحكومة أن تتقبل حاجة بلادنا إلى سياسة مكافحة إرهاب عقلانية، علمية مستدامة ووطنية دون إضاعة الوقت».
وأشار إلى أن «الهجمات الإرهابية الشنيعة التي وقعت بمنطقة بيشكتاش، استهدفت جهاز الأمن الذي يؤدي مهامه بمسؤولية وتضحية من أجل أمن البلاد». من جانبه، قال رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي إن الإرهاب لن يصل إلى مبتغاه أبدا، وسيتم تدمير البؤر الداخلية والخارجية التي تخطط لتفتيت وتفكيك تركيا. وقال في بيان «يجب ألا نعتبر سرعة تدخل الأيدي الظلامية ومثيري الفوضى، والأزمات في هذه الأيام التي بدأت فيها بلادنا دخول ممر التوافق السياسي والاجتماعي، على أنها محض صدفة». في إشارة على التوافق بين حزبه وحزب العدالة والتنمية الحاكم على حزمة تعديلات دستورية من 21 مادة قدمها الحزبان إلى البرلمان قبل ساعات من التفجيرين، تتضمن تحول البلاد إلى النظام الرئاسي بدلا عن البرلماني، وزيادة عدد مقاعد البرلمان بواقع 50 مقعدا إلى 600 مقعد بدلا عن 550، ومنح حق الترشح في سن 18 عاما، وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، وإلغاء منصب نائب رئيس الوزراء، والإبقاء على علاقة رئيس الجمهورية بحزبه السياسي. وخرجت مسيرة شعبية في إسطنبول أمس (الأحد) تنديدا بالإرهاب.



ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدي، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.