علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي السوداني/ الفلاح يقول إنه لا يشبه الطَّيِّب صالح ولا يتشبَّه به

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي
TT

علي الرفاعي: عقدتُ حِلْفًا مع «الجنّ»

الروائي علي الرفاعي
الروائي علي الرفاعي

«من الحقل والبستان أتيت، ومن عالم الجن أتت رواياتي».. بهذه العبارات افتتح الأديب السوداني ذو الـ68 عاما، حديثه لنا، بعد حصوله على ثاني أكبر جوائز «كتارا» للرواية العربية، التي أعلنت في الدوحة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
والرفاعي تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم انتقل بعدها إلى الإمارات، حيث عمل مترجمًا بقوة دفاع أبوظبي، ثم معلمًا في ليبيا، قبل أن يستقر مجددًا في قريته «القرير» مركز مروي، لتحتضنه الأرض مزارعًا يحرث الحقل ويسقي الزرع ويقضي جل يومه بين الأشجار.
«هناك أد نفسي» يقول لنا، ويضيف: «في هذه الحقول ولدت معظم رواياتي، هناك كتبت (قبيلة من وراء خط الأفق)، و(كي لا يستيقظ النمل)، والرواية الأخيرة الفائزة بجائزة «كتارا»: (جينات عائلة ميرو)».
إلى جانب هذه الروايات كتب علي الرفاعي روايته «النيل يعبر إلى الضفة الأخرى»، وهي الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في أكتوبر 2003.
كما حازت رواية «قبيلة من وراء خط الأفق»، على نفس الجائزة للمرة الثانية في أكتوبر 2004، كما كتب رواية «الطاحونة»، و«النيل يعبر إلى الضّفّة الأخرى»، و«الشمس تغيب إلى أعلى». وله مجموعة قصصية بعنوان «من يشتري سروال أبى»، وديوان شعر.
يقول عن روايته الفائزة بجائزة الأعمال غير المنشورة، وجائز الأعمال غير المنشورة القابلة للتحول إلى عمل دراما: «هي تجربة جديدة، مثلت نقلة في عملي الروائي، كنت أكتب عن المجتمع السوداني، أما هذه الرواية فمجتمعها نيجيريا وعالمها هو عالم الجن».
إنها تسير أغوار وعوالم مجتمع الجن، حيث تدور أحداثها داخل قبيلة من الجن، ينتقل إليها مدرسان سودانيان، وهناك يفتنا بفتاتين هما ابنتا ملك الجن، وفي هذا العالم المسكون بالعالم الآخر تدور أحداث الرواية.
ويضيف الرفاعي: «بخفة ظله المعتادة»: «إنني عقدت صلة وثيقة بالجن، فكانت هذه الرواية أسهل أعمالي، وقد كتبتها في رمضان، الزمان الذي تنقل المأثورات أن الجن تغل فيه، ولا أدري هل ساعدني الجن على إنجازها أم كنت واحدًا منهم».
* حدِّثنا أكثر عن روايتك الفائزة بجائزة «كتارا» للرِّواية العربيَّة «جينات عائلة ميرو».
- البطل الرَّئِيسي في الرِّواية المشهور بلقبه «البانسلين»، امتطى الطَّائِرة السودانيَّة من الخرطوم في طريقه إلى كانو باحثًا عن فرصة عمل بالتَّدريس بنيجيريا. لصدفة خطَّطت لها الأَقدار كان كرسيِّه بالطَّائِرة ملاصقًا لكرسي مجذوب الخير محمَّد، الَّذي يعمل بالتَّدريس بنيجيريا، والَّذي قضى عطلة طويلة بالوطن. تعارفا بالطَّائرة وتآنسا. «البانسلين» سكن مع مجذوب الخير ببيته بمدينة فُنْتُوَا Funtua الواقعة بمقاطعة كادونا بشمال نيجيريا؛ إذ كان مجذوب قد ترك عائلته بالسودان. البانسلين لم يُوفَق في الالتحاق بالتَّدريس؛ إذ دخل نيجيريا بتأْشيرة زيارة. جلس الصَّديقان بسينما. تقرَّبت فتاة تجلس مجاورة للبانسلين إليه بثمرة قُوْرُوْ.. تحادثا قليلاً وغادرا دار السَّينما. ذهبا إلى بيت صديقه مجذوب. بعد أن احتسى كميَّة كبيرة من الخمر، حاول مقاربتها.. فجأَة تحوَّلت إلى عقيد في الشُّرطة النَّيجريَّة. من هنا بدأَت تجربة الصَّديقين مع الجن بعد أن اقتحمت توأَمة تلك الفتاة حياة مجذوب. أُسلِكَ الصديقان بواسطة الفتاتين وأَبيهما، رئِيس مجلس عُمَد عموم جن نيجيريا، في عالَم الجن خطوة خطوة؛ حتَّى صارا يعرفان عن عالَم الجن أكثر ممَّا يعرفان عن عالَم البشر، بل أكثر ممَّا يعرِف الجن عن أَنفسهم.
* على الرغم من أن مكان الرواية هو أفريقيا فإنك جردتها من عنصر الزمان
- نعم.. يُلْفَتُ النَّظر إلى أن أَحداث الرِّواية بدأَت في 1978 للميلاد، وتواصلت زُهَاء ثلاثين سنة. وليس بمستَغْرَب ولا ببعيد أَن تكون متواصلة حتَّى الآن؛ إذ ليس في عالَم عائِلة مِيْرُوْ شيئًا مستغرَبًا ولا بعيدًا! كلُّ صَعْب أو مستحِيل في عالَم البشر، هو بالنِّسبة لآل مِيْرُوْ عادِي وممكِنٌ وتحتَ السَّيطرة الكامِلة. هذه الرِّواية متداخِلة الأَجزاء، تداخُل العالَم الَّذي تصدَّت الرِّواية للتَّجوُّل في أَنحائِه الَّتي يجهلها ويخشاها كثير من البشر.
* هل تهرب للجن لتحكي مشكلات البشر؟، هل يمكن اعتبار هذه الرواية عملاً «فنتازيًا»؟
- سأَسأَلك سؤُالاً، ربَّما لا تملك في لحظة طرحه عليك إجابة عنه؛ ربَّما ببساطة لأَنَّك لم تكن تتوقَّعه، لكنَّني أَتوقَّع أَن تجيب عنه بشفافيَّة بعد أن تمتصَّ صدمته الأولى: «هل كلُّ من نراهم بيننا في صورة البشر هم حتمًا وفعلاً من البشر؟ أَم أَنَّ بعضهم إِن لم نقُلْ أكثرهم من الجن، خاصة إذا علمنا أَنَّ الجنَّ يحاولون دائِمًا تقليد البشر؟». هذا التَّقليد للبشر ما لا يجب أَن أَخوض فيه؛ إذ إنني فصَّلته في روايتي: «جينات عائلة ميرو». من هنا تدرك أَنَّني لم أَهرب إلى عالَم الجن لأَحكي مشكلات النَّاس. ولا أستبعد أن يحدث العكس بأَن يهرب بعض الجن إلي لأَعكس للبشر بعض مشكلاتهم. ولا أعتقد أَنَّ في قيامي بذلك أَي فانتازيا يتعقَّد الجنُّ من طرحي لها روائيًّا؛ فنحن في النِّهاية عالَمان متداخلان. كما ذكرتُ فبالنِّسبة للجنِّ ليست هناك أَي فانتازيا في روايتي؛ فهذا عالَمهم الَّذي يعيشه المتفلِّت منهم والمتمسكِن.
* لديك أَلفة مع عالَم الجن؟
- البشر، مسلمهم وكافرهم، لا ينكرون وجود الجن كمخلوقات تشاركهم العيش على الأرض، وتشاركهم أَيضًا أَشواقهم وتطلُّعاتهم وخيباتهم. لكنَّ أكثر البشر يجهلون مقدرات الجن الَّتي تميِّزهم عن البشر. ولو وقفوا على مقدراتهم تلك كما حاولتُ إِبراز بعضها في روايتي، لانتفت رائحة أَي فانتازيا في روايتي. وأُزيدك عِلمًا أَنَّ الجنَّ الموظَّفين في الرِّواية يزعمون أَنَّهم هجين، لا هم جن ولا هم بشر.. فيهم طِباع البشر وخصائِص الجن. ولكن أَما زلتَ تعتقد، بعد كلِّ هذا، أَنَّ جميع من نراهم بيننا هم قطعًا بشر خُلَّص؟! المهمُّ عندي أَنَّ سؤَالك هذا وما قبله كان سؤَالاً ذكيًّا، وأسئلة الأَذكياء يتولَّى الإجابة عنها، أحيانًا، الأَغبياء. وكما قِيْلَ فإِنَّ للذَّكاء حدودًا، لكن لا حدود للغباء.
* كيف تتخيَّل أَن تكون روايتك بعد تحويلها إلى عمل درامي؟
- الخيال قد يجنح أحيانا. لكنَّني أتخيَّل أَن يكون هذا العمل أَقدر على إِضاءة جوانب كثيرة، لم أَتمكَّن، بخبرتي المتواضعة، من إِضاءتها؛ خصوصًا وأَنَّ الكلمة فيه ستكون مصحوبة بالصُّورة المشاهدة بالعين، وهذا ما لا يقدر عليه نصِّي الرِّوائِي. وأعتقد أَنَّ هذا العمل الدِّرامي سيرتاد آفاقًا ملتهبة في الرِّواية بأَحداثها وشخوصها وفضائِها الرِّوائي، لم أستطع الاقتراب الكافي منها لخوفي على نفسي من الاحتراق. وأُؤَكِّد لك أَنَّ الجنَّ سيعجبون بهذا العمل الدَّرامي أَيَّما إِعجاب، وقد يروِّجون له بطريقتهم الخاصة؛ خصوصًا إذا أَخذنا في الاعتبار أَنَّ التَّشكُّل من أَهمِّ ميزات الجن، والتَّمثيل أَقرب شيء للتَّشكُّل.
* بدأْت حياتك مترجِمًا لكنَّك رجعت فلاحًا. ترى ماذا تمنحك تلك الحقول؟
- ومن قال إِنَّني هجرتُ التَّرجمة؟! في سنة 1977م كنتُ أُترجم ما يُطلَب منِّي ترجمته من العربيَّة إلى الإنجليزية وبالعكس، وذلك بمكتب كابتن اسنو Snow قائد المستودعات بقوَّة دفاع أَبوظبي. الآن أُترجم ما أَراه وأُحسُّه حقًا، لا ما تُطلب منِّي ترجمته. الآن لا أُترجم من لغة إلى أخرى.. الآن أُترجم المعاني والمناظر والشُّخوص والحياة بكلِّ ضجيجها وانطلاقها وصمودها في وجه التحدِّيات. أُترجم كلَّ ذلك وأَضعاف أَضعافه إلى شعورٍ داخلي عميق.. يحاورني وبدوري أُحاوره ونحاور معًا ما حولنا؛ لننسج عالمًا روائيًّا زاهيًا بخيوط مختلفة الألوان. ما حولنا يجيب عن أسئلة جبنتُ أَن أَسأَله إيَّاها، ويطرح علي أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها إِلَّا بمعونته. ما أعظم ما حولي، وما أَضأَلني وأنا أُحاول طرْحه روائيًّا!
* أثر الطيب الصالح
* هل ترك الروائي السوداني الراحل الطَّيِّب الصالح أثرًا في تجربتك الروائية؟
- هذا سؤال مشروع ومُتَوَقَّع، والأمانة الأَدبيَّة تفرض علَي الإجابة عنه بلا مُداراة ولا مُجاملة. فقد دَرَج النُّقَّاد على الظَّنِّ بتأَثُّر اللاَّحق من الكُتَّاب بالرُّوَّاد منهم، الطَّيِّب صالح - بلا أدنى ريب - قمَّة سامقة في مجال الرِّواية والأَدب عامَّة بكُلِّ المقاييس، وأنا لا أُنكِر أَنَّني قد قلتُ في لقاءٍ صِحافي سابق إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وإِنَّني قد تأَثَّرتُ به، وأُعِيْدُ هذا القول الآن. ولكنَّ التَّأَثُّر غير المحاكاة والتَّقليد. التَّأَثُّر ليس عيبًا في حَدِّ ذاته، فمعظم الشُّعراء والكُتَّاب العِظام منذ الجاهليَّة وحتَّى الآن تأَثَّروا بسابقيهم، ولكن كلٌّ طوَّر ملكاته ومؤهَّلاته وقدراته الخاصة وشقَّ لنفسه طريقًا مختلفًا عن طريق مَنْ تأَثَّر بهم. والطَّيِّب صالح نفسه ذكر أكثر من مرَّة أَنَّه قد تأَثَّر بالرِّوائي نجيب محفوظ وبغيره.
* أين نجد هذا التأثر؟
- قلتُ إِنَّ الطَّيِّب صالح هو أستاذي وقد تأَثَّرت به، وذلك من حيث إنه قد لَفَتَ انتباهي في وقت ما من عمري الأَدبي إلى البيئة الغنيَّة الَّتي نشأَ فيها كلانا. ولعلَّ قولي هذا قد فُسِّر خطًا من بعض النُّقَّاد والقُرَّاء أَيضًا. هذه البيئة الَّتي عنيتُها هي بيئتي وبيئة الأستاذ الطَّيِّب صالح وبيئة غيرنا، وقد ذكرتُ شيئًا عنها في رواية: «الشَّمس تغيب إلى أعلى» في صفحتي 30 و31.
هذه هي البيئة الَّتي نشأْتُ بها ونشأَ بها قبلي الطَّيِّب صالح.. بيئة واحدة عشَقَها كلانا وغاص في أَعماقها. البيئة الَّتي أَنجبت الأستاذ الطَّيِّب صالح وأَنجبتني وأَنجبت آخرين وستُنجب آخرين، ليست مِلْكًا خاصًّا للأستاذ الطَّيِّب صالح وحده.. هي مِلْك لكُلِّ مَنْ سبقوه منذ بدء الخَلِيْقَة ومِلْك لِمَنْ عاصروه، ومِلْك كذلك لِمَنْ سيأْتون بعده إلى نفخة الصُّور الأولى.
* كأنك تلمح إلى خصوصية تجربتك الروائية..
- لا أزال أحتفظ حتَّى اللَّحظة بكلِّ كرَّاساتي على مرَّ مختلف مراحلي الدِّراسيَّة منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وأنا تلميذ بالمدرسة الأوليَّة، في زمن لم أَسمع فيه، شأْن معظمِ السودانيِّين، باسم الطِّيِّب صالح، وحتَّى منتصف سبعينات القرن الماضي حين أَنهيت دراستي الجامعيَّة، بما في ذلك كرَّاسات الإنشاء. ومن الأخيرة هذه يعرف المطَّلع عليها أَنَّ أسلوبي اللُّغوي وسائر أدواتي الفنيَّة الأخرى في الكتابة حاليًا، إِنَّما هو تطوُّر طبيعي تدريجي نابع من ذاتي وليس رافدًا لأَي نهرٍ آخر، وأَنَّني خرجتُ من نفسي ومن بيئتي، وليس من ملابس أَي شخص آخر.
زُبْدَة القول، إنني لا أَنَسِج على مِنْوَال الأستاذ الطَّيِّب صالح ولا أَشبهه ولا أَتشبَّه به ولا أُقلِّده ولا أَتَرَسَّم خُطاه، لا في كتاباته ولا في حياته، فلكُلٌّ مِنَّا أسلوبه في التَّعامُل مع الكتابة ومع الحياة؛ وكُلٌّ مِنَّا عالَم قائم بذاته. ولا أستطيع إٍنْ أَردتُ أَنْ أُقَلِّدَه؛ لأَنَّني لا أستطيع أَن أُقَلِّدَ سِوى شخص واحد هو: علي الرُّفاعي من مواطني القرير. وإِنْ وُجِدَ تشابه في فكرة ما أو قول ما بيني وبين الأستاذ الطَّيِّب صالح؛ فإِنَّما هو من باب توارُد الخواطِر لا أكثر.
* من تراه اليوم قادرًا على أَن يملأَ الفراغ الَّذي خلَّفه الطَّيِّب صالح؟
- الطَّيِّب صالح وضع بحكمة اللَّبِنة الأساسيَّة لفنِّ الكتابة الرِّوائِيَّة الحديثة في السودان، لا شكَّ في ذلك. هذه اللَّبنة تواصل بعدها البناء بمداميك يملك روائِيو وأُدباء وطني القدرة الكاملة على وضعها في مكانها الصَّحيح؛ فحواء السودان لا تزال شابَّةً ولودًا ودودًا، ومبدعو بلادي يملكون مَهرها ويعرفون قدْرها.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».