بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة بنسبة 81.53 في المائة

محللون: مخاوف الجزائريين من الفوضى دفعتهم لمنح الرئيس فترة رابعة

وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
TT

بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة بنسبة 81.53 في المائة

وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية الجزائري طيب بليز لدى إعلانه عن فوز بوتفليقة في العاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)

أعلن رسميا أمس عن فوز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بأكثر من 81 في المائة من الأصوات في الاقتراع الرئاسي الذي نظم أول من أمس، فيما حصل منافسه الرئيس وخصمه اللدود علي بن فليس على أكثر من 12 في المائة من الأصوات، إلا أن الأخير رفض النتائج مسبقا وقال: إنه سيواصل «المقاومة مع قوى التغيير بطريقة سلمية».
وذكر وزير الداخلية الطيب بلعيز في مؤتمر صحافي أمس، أن الرئيس بوتفليقة حاز 81 في المائة من الأصوات (8.3 مليون صوت)، وأن بن فليس حاز 12.8 في المائة من الأصوات. ثم هوَن من ضعف نسبة المشاركة (51.70 في المائة)، بحجة أن «التوجه العام للاستحقاقات في كل أنحاء العالم ضعيف».
وقدَم بلعيز الأرقام التفصيلة التي أظهرت عبد العزيز بلعيد، أصغر المرشحين الست، حل ثالثا بنسبة 3.38 في المائة من الأصوات (300 ألف صوت). وأحدث ترتيب الأمينة العامة لـ«حزب العمال» اليساري، مفاجأة في أوساط الإعلاميين، إذ رغم مشاركتها الثالثة في الاستحقاق الرئاسي وحضورها في الساحة السياسية منذ 24 عاما، جاءت بعد بلعيد الذي يترشح لأول مرة والذي أسس حزبا منذ عام ونصف فقط. وحصلت حنون على نسبة 1.37 في المائة (140 ألف صوت). أما علي فوزي رباعين، المتعوَد على المراتب الدنيا في المواعيد الانتخابية التي خاضها فقد كان نصيبه 0.99 في المائة من الأصوات (101 ألف صوت). وحصل موسى تواتي على 57 ألف صوت (0.56 في المائة).
وبلغ عدد المصَوتين، حسب وزير الداخلية، 11.3 مليون شخص من أصل نحو 23 مليون شخص يحق لهم التصويت. وسئل بلعيز عن سبب ضعف مشاركة الجزائريين في الاستحقاق الخامس منذ دخول البلاد عهد التعددية في 1989. فقال: إن «العزوف الانتخابي ظاهرة عالمية، ففي دولة مجاورة لم تتعد المشاركة في الانتخابات بها 38 في المائة. وفي كثير من الدول لا تصل 50 في المائة، وأعتقد أن المشاركة في الانتخابات تشهد تراجعا في كل العالم وليس في الجزائر فقط». وأضاف: «لا شك أن لضعف المشاركة في هذه الانتخابات تفسيرا، ولا بد من الاستعانة بمختصين في هذا الشأن لمعرفة الأسباب». وأعطى الوزير تفسيره الشخصي للعزوف قائلا: «الجزائر لا تعيش ظرفا عاديا، فهي تعيش في محيط وجوَ فوَار وفي حزام أمني، وفي سياق ربيع عربي وإحداث أمنية في الجنوب (مالي)، زيادة على بعض القلاقل داخل البلاد»، في إشارة إلى أحداث طائفية بغرداية (600 كلم جنوب العاصمة)، حيث يحتدم منذ عام تقريبا صراع كبير بين مالكيين وإباضيين خلف قتلى وجرحى وخسائر كبيرة في الممتلكات والمرافق العمومية.
وتحدث وزير الداخلية عن «أياد خارجية تستهدف استقرار الجزائر»، دون توضيح ما يقصد. ويتردد خطاب «المؤامرة الأجنبية» على ألسنة الكثير من المسؤولين، عندما يسألون عن مشاكل داخلية. وقال بلعيز «في ظل الأسباب التي ذكرتها لكم (المتعلقة بالعزوف عن الصناديق) يمكني القول: إن 51.70 في المائة هي نسبة معدة».
ورفض وزير الداخلية الحديث عن «قمع» تعرض له نشطاء عارضوا في الميدان ترشح بوتفليقة لولاية رابعة، إذ قال: «الجزائر تعيش ديمقراطية في أوج كمالها، ومن حق الأحزاب والمعارضة التعبير عن رأيها». أما في رده على سؤال يتعلق بـ«كيف سيردَ بوتفليقة الجميل لمن وضعوا فيه ثقتهم»، فقال: «رئيس الجمهورية ردَ جميل الجزائريين قبل الاستقلال بجهاده خلال ثورة التحرير، وبعد الاستقلال عندما كان وزيرا للخارجية ورفع الجزائر إلى السماء السابعة، بل إلى السماء الثامنة. أما خلال 15 سنة كرئيس، فلم يسمع أبدا أنه قال بأنه توصل إلى بناء المدينة الفاضلة».
وأكد بن فليس أمس رفضه الاعتراف بالأرقام الرسمية منذ وقت مبكر أمس، وقال في مؤتمر صحافي عقده قبل الإعلان الرسمي عن النتائج، إن «الانتخابات طالها تزوير شامل وغير مقبول، وشهدت تهديدات وتخويفا، وكذلك حملات التخوين التي طالت المجتمع». وأضاف: «إنني أندّد بكل ما أوتيت من قوة بالتزوير، وحملة التخوين المنفذة بأيدٍ جزائرية، ضد الإرادة الشعبية وضد مصالحنا الحيوية» وأكد المرشح الرئاسي أن «هذا التزوير ضد البديل الديمقراطي، وضد حرية الاختيار الشعبي الحر بين المترشحين» ودعا بن فليس إلى مقاومة سلمية مع كل قوى التغيير، مؤكدا بقاءه في الساحة السياسية من أجل النضال السلمي.
ورأى محللون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن الجزائريين اختاروا منح أصواتهم لبوتفليقة لجملة أسباب أهمها حرصهم على الاستقرار الأمني الذي تشهده البلاد ومخاوفهم من تغيير على مستوى رأس هرم الدولة قد يؤدي لهزات سياسية وأمنية على غرار ما تشهده بلدان «الربيع العربي». لكن متابعين كثيرين للشأن السياسي الجزائري قالوا: إن نسبة التأييد لبقاء بوتفليقة رئيسا ربما تضاءلت مقارنة بالسنوات الماضية بسبب وضعه الصحي، وهو ما تجسد في انخفاض نسبة الذين توجهوا لمراكز الاقتراع أول من أمس (51 في المائة مقارنة بـ74 في الانتخابات السابقة). وتوقف كثيرون أيضا عند جزئية أن المرشحين الذين نافسوا بوتفليقة لم يكونوا ينتمون إلى أحزاب قوية متجذرة في المجتمع. وبدا أقواهم رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الذي حل في هذا الاستحقاق ثانيا (12 في المائة) إلا أن أعدادا واسعة من الجزائريين تساءلوا خلال حملة الانتخابات الأخيرة عن سبب ما سموه «غياب» الرجل عن المشهد السياسي طيلة السنوات العشر الماضية منذ خسارته الاستحقاق الرئاسي أمام بوتفليقة. وذكر محللون أيضا أن انقسام المعارضة بين جزء اختار المشاركة في الاقتراع وجزء أكبر قرر المقاطعة، وبروز مظاهر حراك شعبي في الشارع رافضا لترشح بوتفليقة لفترة رابعة، كلها عوامل أسهمت في دفع الجزائريين إلى تفادي التغيير.
ويعتقد على نطاق واسع أن بوتفليقة قد يقدم في المرحلة المقبلة على ملفات كبرى أهمها إجراء تعديل دستوري أشمل من التعديل الدستوري الجزئي الذي أجراه أواخر عام 2008. كما يتوقع أن يبقي بوتفليقة معتمدا على نفس الأحزاب التي ظلت موالية له خلال الفترة السابقة، وأهمها حزبا السلطة الرئيسيان (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) وحزب تجمع الجزائر (تاج) بزعامة الوزير عمار غول والحركة الشعبية الجزائرية بزعامة الوزير عمارة بن يونس.
من ناحية أخرى، ذكر رؤساء بعثات أوفدتهم منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات، أن الاقتراع الرئاسي جرى وفقا «للمعايير الدولية». ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن رئيس وفد منظمة التعاون الإسلامي حبيب كعباشي، قوله إن وفد ملاحظي المنظمة المكون من 18 عضوا تنقل عبر مراكز الاقتراع بكل من الجزائر العاصمة والولايات المجاورة لها، وتأكد له أن الاقتراع جرى في ظروف «شفافة ووفقا المعايير المعمول بها دوليا». وتحدث كعباشي، حسبما نقلت عنه الوكالة، عن لزوم الإدارة «الحياد وإتاحتها الفرصة لجميع المترشحين للتعريف ببرامجهم عبر مختلف وسائل الإعلام وتمكين المواطن من الإدلاء برأيه بكل حرية من أجل اختيار المترشح الذي يراه مناسبا». وتحدث أيضا عن تسجيل «تنسيق محكم بين المشرفين على مراكز الاقتراع وتفاهم سائد بين ممثلي المرشحين وعدم تسجيل تجاوزات تذكر». أما رئيس وفد ملاحظي جامعة الدول العربية محمد صبيح فلاحظ، حسب المصدر نفسه، أن الاقتراع جرى «بحرية» ووصف العملية بأنها «مهمة للدول العربية». وبدوره، ذكر رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الأفريقي ديالو فاليلو انتخابات الرئاسة الجزائرية جرت في «ظروف حسنة» وأن مكاتب الاقتراع كانت مزودة بالمعازل على عكس باقي البلدان الأفريقية، مشيرا إلى «الحضور القوي للعنصر النسوي بهذه المكاتب». وعد فاليلو هذه الانتخابات «مكسبا ديمقراطيا» بالجزائر.



اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.