صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

المخاوف الدولية تزداد من «الثورة الصناعية الرابعة»

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
TT

صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)

مع كل ثورة من الثورات الصناعية الثلاث التي حدثت في القرون الماضية، تراجعت نسبيًا مساهمة الإنسان بعد أن كان المنفذ والمسيطر على ما كان ينتجه، ومع التقدم التقني تزداد المخاوف من أن يأتي يوم تتحكم الآلة بمصيره بعد أن تم تطويرها بشكل مثير، لتأخذ مكانه في العمل؛ ما يجعله عنصرًا سلبيًا.
وهذا يحمل في طياته كارثة بشرية لا يمكن اليوم معرفة أبعادها ومخاطرها الحقيقية، لكن الخطر الأول هو أن الآلة بدأت فعليًا - منذ تطوير طرق الإنتاج - تزيح الإنسان عن محرك الإنتاج، وقد تتحكم يومًا في نوعية الإنتاج التي يجب أن تنتج بمعزل عنه، ما قد يحول «فيلم الرعب» هذا إلى حقيقة لا يرغب أحد حتى بالتفكير بها.
فكما هو معروف شهدت بلدان أوروبا الغربية ثورة صناعية كبيرة في القرن الثامن عشر، ساهمت في رفع حجم الإنتاج وتحسين نوعيته، كما أن الاكتشافات الكثيرة أعطت نقلة نوعية أخرى للصناعة في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التي شهدت ثورة صناعية حقيقية في أوروبا أثرت إيجابًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على السواء.
مع ذلك، يميل الكثيرون إلى القول بأن التطور الصناعي (الآلي) كان وما زال يصب في صالح طبقة اجتماعية معينة. ففي مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، بذل المحافظون المسيطرون على قطاع الإنتاج في البلدان الصناعية الغربية في أميركا وأوروبا جهودًا لخفض الإنفاق العام، بهدف تحقيق مزيد من الأرباح على حساب الطبقة العاملة، لكنهم عادوا وتخلوا عن هذه الفكرة، فزادوا من إنفاقهم مضطرين من أجل تشغيل العامل والآلة على مدار الساعة لتمويل الحروبـ وكسب أسواق جديدة خسروها بعد أن انتزعتها منهم دول كانت على قائمة البلدان النامية مثل الهند والصين وبلدان في أميركا الجنوبية.
بعدها، ومن أجل لجم التململ الاجتماعي، تم رفع الإنفاق الداخلي في مجالات الرعاية الصحية والاجتماعية، وإعادة النظر في السياسة الضريبية لتنحاز لصالح الطبقة الغنية والشركات العملاقة والكبيرة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا على سبيل المثال.
> تراكمات ثقيلة: وبعد أن شكلت هذه السياسات تراكمات من الصعب التخلص منها، أتت فكرة الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، مع تصنيع وانتشار التكنولوجيا الحديثة المعلوماتية والرقمية.. واليوم تقف البشرية على عتبة الثورة الصناعية الرابعة.
وللترويج لهذه الثورة، خصصت حملات إعلانية ضخمة تظهر حسناتها التي سوف يكون روادها بشكل عام الإنسان الآلي، والذي سيُبرمج كي يقوم بأعمال كثيرة عوضًا عن الإنسان.
هذا الإنسان الاصطناعي أو بالأحرى «الروبوت»، سيكون العنصر الأكثر فعالية من الإنسان في قطاع الإنتاج وأداء وظائف مهمة، وهو لا يمرض ولا يطالب بحقوقه ولا برفع أجره، ويمكن أن يعمل طوال 24 ساعة من دون تعب.
بالطبع فإن كل ابتكار جديد يثير الإعجاب، لكن أيضًا يحدث ردود فعل متناقضة تحسبًا من المجهول والنتائج غير المرئية التي سوف يحملها. فالثورة الصناعية الأولى حدثت بعد اختراع المحرك البخاري سنة 1775، وأسهمت رغم المخاوف منها في البداية في إحداث ثورة صناعية غير عادية في القرن الـ19 بعد امتداد جذورها من إنجلترا إلى أوروبا، ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية.
أما الثورة الصناعية الثانية، فحملت معها تطورا كبيرا وهو اختراع الكهرباء. ومع أنها ساهمت في زيادة بالإنتاج، فإنها قللت من حضور اليد العاملة في المصانع التي كانت تشغل يدويًا الآلات، وأدى اختراع شريط الإنتاج الذي لا يتوقف إلى تشغيل عامل واحد بدلاً من ثلاثة.
وتغيرت الكثير من المعايير منذ الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، والتي صاحبتها اختراعات تكنولوجية عالية. وأولى الضحايا كان بالطبع العامل، لأن قوته العضلية والفكرية لم تعد مطلوبة كثيرًا. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالحديث اليوم عن الثورة الصناعية الرابعة واحتكار ذكاء الإنسان بتطوير آلات تحل مكانه، وذلك عبر برمجة آلات الإنتاج والصناعات الكبيرة، كما دخل حلبة منافسة الإنسان الإنترنت والبيانات الكبيرة وتقنية الهواتف النقالة، وغيرها من الاكتشافات.
> تقدم.. وريبة: وينظر إلى هذا التقدم التقني اليوم بعين الريبة، فهو يعزز الإنتاج بالقدر نفسه الذي حققه الحاسوب الشخصي أواخر ثمانينات القرن الماضي، لكنه بالنسبة لأصحاب المصانع الكبيرة والمتوسطة «فرصة للربح الأكبر».
ومن دون شك، ستلاقي الاختراعات التي سوف تحملها الثورة الصناعية الرابعة الإقبال الكبير، ومخترعوها لن يخشوا الخسارة لأن الإقبال على شرائها سوف يكون كبيرا، إذ إنه بمجرد السماع بنموذج جديد للهاتف النقال أو الكاميرات الرقمية على سبيل المثال يتهافت الناس على شرائها وكأنها ساحرة بارعة الجمال، لكن القليلين يدركون أن من يصنع هذه التقنيات ليس الإنسان وحده، بل مع شريكه الرئيسي وهو الآلة، التي أصبحت بمثابة نقطة تحول لصناعات أخرى وأخذت أماكن عمل كثيرة، ليس فقط في المعمل أو المصنع أو المتجر. فقدرات الحاسوب جعلته يأخذ دورًا مهمًا أيضًا في وسائل النقل والتوزيع والأرشفة والتخزين وربط الأشياء ببعضها البعض، مثل شبكة الاتصالات السريعة المرئية والمسموعة، مما أدى إلى تخفيض تكاليف العمل؛ وإلغاء وظائف كثيرة قبل أن تظهر فائدة أنماط الإنتاج الجديد.
ومن بين الدول التي تعجل للالتحاق بهذا الركب الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وأستراليا والهند واليابان وإيطاليا، ما دفع الكثير من خبراء العمل للتحذير من أنماط الإنتاج المستقبلية المتوقعة قبل أن تظهر فوائدها، فهي ستبيد صناعات ووظائف كثيرة، وهذا ما ذكره كارل هاينس لاند، الألماني مؤسسة ومدير مكتب الاستشارات نيولاند في ألمانيا، حيث قال في كتابه بعنوان: «إعادة توزيع العالم في زمن الداروينية (نسبة إلى العالم الشهير تشارلز داروين) الرقمية، ماذا سيحدث عندما يكون كل شيء تطبيقات وبرامج رقمية؟».
> منتدى دافوس.. بين الترحيب والحذر من الرقمية: ومسألة التطور التقني، كانت أحد أهم محاور النقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2016، ورغم ترحيب البعض بالتقدم وآثاره، إلا أن كثيرا من المشاركين حذروا مما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة. فبرأيهم أن اعتمادها سيجلب الفوضى الكبيرة لسوق العمل، فخلال الأعوام الخمسة المقبلة سوف تلغى أكثر من 20 مليون وظيفة في البلدان الصناعية الكبيرة.
واعتمد أصحاب هذا الرأي بقولهم هذا على دراسة أجرتها مؤسسة دولية مع 350 شركة ومصنعا كبيرا في أستراليا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
ووفق بيانات صدرت عن المنتدى، فإن الثورة الصناعية «بدأت بالفعل».. وأولى ضحاياها اليوم 7 ملايين عاطل عن العمل تقوم آلات بدورهم. واللافت أن هذه الملايين السبعة ليسوا فقط من العاملين أصحاب الزي التقليدي الأزرق في المصانع، والتي أصبحت إلى حد كبير آلية؛ بل تعدى ذلك ليشمل ضحايا في المكاتب والإدارات، والمهددين بالطرد ممن يطلق عليهم اسم «ذوي الياقات البيضاء»، لكن عوضًا عنهم سوف ينشأ حتى عام 2020 مليون مكان عمل جديد للمتخصصين بأجهزة الكومبيوتر والتقنيات العالية، وستكون ألمانيا من الدول الأكثر تأثرًا بالتغييرات من أي دولة أوروبية أخرى.. والنساء مهددات أكثر بفقدان الوظيفة من الرجال، فحصة النساء ما زالت أقل بكثير من حيث التأهيل في مجال التقنيات المتقدمة.
> صورة المستقبل: وقد تكون الصور الكاريكاتورية التي نشرتها إحدى المجلات الألمانية هي الصورة المستقبلية لسوق العمل: رجل إلى يقود سيارة تاكسي، وآخر يعطي الدواء لمريض في سريره بالمستشفى في الأوقات المحددة دون تأخر، ورجل إلى يجري عملية جراحية لمريض، وسيدة يابانية جميلة لكنها روبوت تشرح لزبون كيفية استخدامه لجهاز الإنذار في المنزل.. وفي صورة أخرى، روبوت يلعب مع زميل له لعبة الشطرنج.
بالطبع جانب من هذه الصور لن يكون حقيقة، لكنه سوف يصبح جزءًا من حياتنا نتيجة التطورات السريعة الحاصلة اليوم، أو ما يسمى بالثورة الرقمية (الثورة الصناعية الرابعة)، فقد تسهل الحياة على الكثير من الناس لكنها ستكون في الوقت نفسه مدمرة للإنسانية.
ولقد أثارت قبل عامين دراسة وضعها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عن «العصر الثاني للآلة» ضجة كبيرة، إذ إن الأتمتة (التشغيل الآلي) سوف تزيد من الفوارق في الدخل بين الناس، وتكون مرحلة انتقالية لزمن تترفع فيه البطالة العمالية بشكل مخيف لكن لا بد منه.
ووفقًا للدراسة، سيخلق التقدم التكنولوجي بالطبع وظائف جديدة في مجالات معينة، لكن في المقابل سوف يلغي وظائف في مجالات وقطاعات أكثر، وهذا الإلغاء لن يلحق سائقي التاكسي والممرضات والمحاسبين والمستشارين أو الباعة في المحلات فقط. ثم تضيف الدراسة أن قوة الأضرار التي ستلحق بقطاعات العمل مختلفة، وسوف تكون قوية في قطاع الصحة والمال والطاقة، بينما ستزيد أماكن العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث التقدم في الرقمنة.
والمستقبل الواعد سيكون في مجال صناعة الإنسان الآلي والطابعات بالأبعاد الثلاثية 3D وتكنولوجيا النانو والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية والإنترنت عبر الهاتف النقال.
> من هم أبرز المستفيدين؟
واللافت أن تشير الدراسة نفسها إلى حدوث تزايد الطلب على قوة العمل في بلدان ما يسمى بـ«آسيان» في جنوب شرق آسيا، يتبعها المكسيك ثم الولايات المتحدة الأميركية؛ وخصوصا العاملين في قطاع التطور التقني. ويمكن لبريطانيا أن تكون الوحيدة في أوروبا التي تدخل في الحسبان تحسنًا في مستوى الطلب على قوة العمل لديها، وأيضا تركيا لكن بنسبة ضئيلة. فيما سوف يرتفع عدد العاطلين عن العمل في بقية البلدان، مع القليل من التفاؤل بالنسبة لقطاعات في ألمانيا كالمبيعات والخدمات اللوجيستية وعلوم الكومبيوتر والهندسة.
وكإجراء مضاد، تنصح الدراسة الحكومات بالاستثمار في مجال التأهيل والتدريب لتعزيز التكنولوجيات الجديدة، وهي ضد مبدأ النقابات العمالية الداعي إلى خفض ساعات العمل كي يتاح المجال لتشغيل عاملين أكثر، فمبدأ توزيع العمل بهذا الشكل لا يحل المشكلات المقبلة.
من جانب آخر، فإن خبراء السوق متشائمون من فقدان ملايين الوظائف، فهم يتوقعون أن يتم في المستقبل الاستثمار في الآلة من أجل تحسين أدائها كي تحل بالكامل مكان الإنسان. وللمحافظة على موقع الإنسان في سوق العمل، يجب تقسيم العمل بينه وبين الرجل الآلي، وإلا سوف يحدث انفجار اجتماعي خطير.
ويزيد من المخاوف تقرير اقتصاديين في مصرف «أي إن جي دي با» في فرانكفورت (بنك الادخار وتراكم الأصول)، والذي قال إن تعجيل اعتماد دول مثل ألمانيا في المدى المتوسط والبعيد على الآلة سيبيد الملايين من الوظائف المعتمدة اليوم. فمن أصل نحو 38 مليون وظيفة تم تفحص مستقبلها، فإن 18 مليون وظيفة ستقوم بها الآلة في السنوات المقبلة، والسبب في ذلك الثقل الكبير لقطاع الصناعة الألماني في سوق العمل، بينما ستصل النسبة إلى 47 في المائة في الولايات المتحدة الأميركية.
> الوظائف المهددة في ألمانيا
والوظائف المهددة بالشطب وإحلال «الزميل الكومبيوتر» مكانها في ألمانيا هي تبعًا للتخصص والتراتب والنوع، فنسبة 86 في المائة من المهن الإدارية والتي تقوم بأنشطة إدارية نموذجية ستكون من المهن الأكثر عرضة للشطب الدائم وإحلال الآلة مكانها، ما يعني أن ثلثي الأعمال في مجال الميكانيكا وتشغيل الآلات في المصانع وقطاع الخدمات ستشطب. يضاف إليها الوظائف المكتبية، وتشكل نحو مليوني مكان عمل، وكذلك نصف العدد في قطاع الخدمات البريدية والبريد السريع والتنظيفات، و1.2 مليون مكان عمل في المحلات التجارية على مختلف أنواعها.
إلا أن هذه الملايين من الوظائف لن تفقد بين ليلة وضحاها بل «تسللا»، أي على فترات طويلة انتقالية ومتواصلة فتحل التقنيات والآلات شيئًا فشيئًا مكان الإنسان. والسبب أن تطوير الرجل الآلي سيستغرق سنوات كثيرة حتى يصبح حقًا قادرًا على تولي كل المهام التي تعطى له، والتعاطي مع أي مستجدات تطرأ، عدا عن ذلك، فإن صنع «رجل آلي» اليوم مكلف جدًا، ونمط الإنتاج المستقبلي يحتاج إلى عدد كبير من الرجال الآليين ليقوموا بأعمال الإنسان في المصنع أو أي في مكان عمل.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.