وزير الخارجية التونسي: مختطفو الدبلوماسي يطلبون مقايضته بمساجين ليبيين

مقتل عسكري تونسي وإصابة ثلاثة آخرين في انفجار لغم استهدف مدرعة عسكرية

وزير الخارجية التونسي: مختطفو الدبلوماسي يطلبون مقايضته بمساجين ليبيين
TT

وزير الخارجية التونسي: مختطفو الدبلوماسي يطلبون مقايضته بمساجين ليبيين

وزير الخارجية التونسي: مختطفو الدبلوماسي يطلبون مقايضته بمساجين ليبيين

تواجه تونس مخاطر إرهابية ذات طبيعة مختلفة منها ما تبع عملية اختطاف ثانية ضد أحد موظفي السفارة التونسية في طرابلس في أقل من شهر واحد. واختطف العروسي القنطاسي الدبلوماسي التونسي برتبة مستشار أول في سفارة تونس في طرابلس، على أيدي مجهولين مسلحين قرب ساحة القادسية في العاصمة الليبية. وشكلت تونس خلية أزمة خاصة بمتابعة الأوضاع في ليبيا وهي تدرس كيفية التعاطي مع حادثتي الاختطاف بتنسيق مع السلطات الليبية، ولم تعلن هذه اللجنة عن الخطوات العملية التي ستتبعها لإطلاق سراح العروسي القنطاسي ومحمد بالشيخ المختطف بدوره منذ 21 مارس (آذار) الماضي.
وقال المنجي الحامدي وزير الشؤون الخارجية التونسية في تصريح إعلامي إنه تسنى للوزارة التعرف على مختطفي الدبلوماسي التونسي برتبة مستشار أول في سفارة تونس في طرابلس. وأشار إلى أن المجموعة التي اختطفت الدبلوماسي التونسي تنتمي لعائلة إرهابيين ليبيين محتجزين في تونس ومتورطين في الأحداث الإرهابية التي عرفتها منطقة الروحية، وحكم عليهم بالسجن لمدة طويلة.
وأكد الحامدي أن نفس المجموعة هي التي أقدمت منذ فترة على اختطاف التونسي محمد بالشيخ الموظف في سفارة تونس في طرابلس. وقال إن المختطفين يطالبون بإطلاق سراح إرهابيي الروحية الليبيين مقابل إطلاق سراح التونسيين المختطفين.
وبشأن عملية مقايضة المساجين الليبيين في تونس بالدبلوماسيين المختطفين، قال الحامدي «نحن غير مستعدين للدخول في مثل هذه المتاهات». وصرح الحامدي بأن تونس تنظر في تقليص بعثتها الدبلوماسية لدى ليبيا بعد اختطاف دبلوماسيين اثنين خلال شهر واحد، مضيفا: «سنحاول التفاعل مع الجهة الخاطفة لضمان حياة الدبلوماسيين وإطلاق سراحهما». ودعت الخارجية التونسية التونسيين إلى إرجاء التحول إلى ليبيا «تفاديا لكل طارئ في هذه الظروف الاستثنائية والتزام الحذر في تنقلاتهم». وهذه هي المرة التي تصدر خلالها الخارجية التونسية مثل هذا التحذير خلال السنوات الثلاث التي تلت الثورة، على الرغم من المشاكل العالقة على مستوى معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا وتعرضه للغلق المتكرر من الجانب الليبي. وفي السياق نفسه، قال عماد السويري المنسق الإعلامي لتجمع «لأجلك ليبيا» (حزب سياسي يجمع قادة الثورة ورؤساء القبائل) لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا يمكن الجزم بشأن الجهة المسؤولة عن عملية اختطاف الدبلوماسي التونسي، ولكن يبدو أن العملية تستهدف أطرافا بعينها وتسعى إلى ربح مواقع عند انطلاق مفاوضات حول مصير مساجين سياسيين كما جاء على لسان المسؤولين التونسيين. وأضاف موضحا: «علينا الانتظار قليلا لمعرفة من يقف وراء مثل هذه العمليات التي تخلط الأوراق وتؤثر على علاقات ليبيا مع أشقائها»، على حد قوله.
يذكر أن أحداث الروحية الإرهابية يبدو أنها أصل المشكلة في شهر مايو (أيار) 2011، وشارك في تلك العملية حافظ مفتاح عبد الله اﻟﻀﺒﻊ المعروف باسم (أﺑﻮ أﻳﻮب غيش)، وﻋﻤﺎد مفتاح اللواج بدر المعروف باسم (جعفر اﻟﻠﻴﺒﻲ). وقضت المحكمة التونسية بسجنهما لمدة عشرين سنة، بينما أصدرت المحكمة حكمها بالسجن مدى الحياة بحق خمسة متهمين آخرين لا يزالون بحالة فرار.
وأسفرت المواجهات المسلحة بين عناصر من الجيش والحرس الوطنيين وعنصرين إرهابيين آنذاك، عن استشهاد مقدم ورقيب أول من الجيش، بينما أصيب عريف بالجيش بجروح خطيرة، وسجلت كذلك إصابة تونسي برصاصة في اليد إضافة إلى مقتل عنصرين تونسيين من الإرهابيين وألقي القبض على البقية وحجزت لديهم أسلحة وذخيرة وجوازات سفر ومبالغ مالية.
في غضون ذلك، أدى انفجار لغم في مرتفعات جبال الشعانبي وسط غرب تونس عند مرور مدرعة عسكرية إلى مقتل رقيب بالجيش التونسي وجرح ثلاثة جنود آخرين وفق حصيلة أولية. وأكدت مصادر أمنية في تصريحات متطابقة لـ«الشرق الأوسط» أن اللغم انفجر قبل منتصف نهار أمس (الجمعة) داخل المنطقة العسكرية المغلقة بجبل الشعانبي أثناء مرور عربة للجيش الوطني كانت تتعقب أثر المجموعات المسلحة. وأضافت نفس المصادر أن الانفجار أسفر وفق حصيلة أولية عن استشهاد جندي برتبة رقيب وإصابة ثلاثة جنود آخرين أحدهم في حالة صحية حرجة. ونقلت جثة الشهيد والجرحى الثلاثة خلال نفس اليوم إلى المستشفى الجهوي بالقصرين في ظل إجراءات أمنية وعسكرية مشددة.
وأجمعت تصريحات إعلامية لخبراء أمنيين ومحللين سياسيين مختصين في الجماعات الإسلامية، على أن هذا الانفجار يأتي في صيغة تحد للمؤسسة العسكرية والأمنية التي تستعد منذ أيام لتطهير جبل «الشعانبي» وحسم المعركة نهائيا عبر الزحف البري على معاقل الإرهابيين بعد شل قوتهم ودك حصونهم بالمدفعية والصواريخ. كما تزامنت مع احتفال تونس بالذكرى الـ58 لعيد قوات الأمن الداخلي.
وكان الرئيس التونسي المنصف المرزوقي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة قد أعلن قبل يومين منطقة القصرين والجبال المتفرعة عنها منطقة عسكرية مغلقة لتضييق الخناق على المجموعات المسلحة المتحصنة هناك منذ شهر أبريل (نيسان) 2013. من جهته شبه المنصف المرزوقي ما تمر به تونس من أزمات، بـ«مخاض عسير لتونس الجديدة»، ونفى عنها صفة «أزمات الانحطاط أو الدمار» كما عبر عن ذلك لدى إشرافه أمس على موكب خصص للاحتفال بالذكرى الـ58 لعيد قوات الأمن الداخلي.
وفي محاولة للتخفيف من وطأة الظرف الأمني المتدهور والأوضاع الاجتماعية الصعبة، أشار المرزوقي إلى أن الثورة ليست لحظة تاريخية وليست محطة يجري الوصول إليها والاستقرار فيها، بل هي مسار شاق صعب طويل مهدد طوال الوقت، وقد يعرف تعثرا وتوقفا وتراجعا، على حد قوله. وأعلن المرزوقي أثناء خطابه في موكب الاحتفال بالذكرى الـ58 لعيد قوات الأمن الداخلي، عن قرار التخفيض في المرتب القانوني لرئيس الجمهورية إلى مستوى الثلث. كما أصدر تعليمات رئاسية لمزيد من التقليص في نفقات رئاسة الجمهورية بأكبر قدر ممكن، وقال إنه لا يريد أن «تتحمل الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي قامت الثورة أساسا من أجل تحسين مستواها المعيشي، العبء الأكبر من التضحيات المطلوبة».
ويتقاضى الرئيس التونسي حسب القانون المنظم للسلطات العمومية قرابة 30 ألف دينار تونسي (نحو 20 ألف دولار) شهريا.
وكان المهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية قد أعلن بدوره الأسبوع الماضي عن التقليص في مرتبات أعضاء الحكومة بما يناهز 20 في المائة في سياق سياسة التقشف المفروضة على البلاد بسبب قلة الموارد المالية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.