تولستوي ينتمي إلى جنس العباقرة الطيبين

حرر أقنانه وفتح المدارس في الأرياف لتعليم أبناء الفلاحين

تولستوي عام 1908 أربعة أشهر قبل ميلاده الثمانين
تولستوي عام 1908 أربعة أشهر قبل ميلاده الثمانين
TT

تولستوي ينتمي إلى جنس العباقرة الطيبين

تولستوي عام 1908 أربعة أشهر قبل ميلاده الثمانين
تولستوي عام 1908 أربعة أشهر قبل ميلاده الثمانين

هل يمكن أن نقدم لمحة عامة عن حياة تولستوي والمشكلات الأدبية والفلسفية والسياسية التي شغلته طيلة حياته كلها؟
أولا ولد تولستوي عام 1828 في عائلة كبيرة تنتمي إلى طبقة النبلاء الروس، وذلك على عكس ديستوفيسكي المتوضع الأصل والفقير. فقد كانت لهم أراضٍ واسعة ككل الإقطاعيين في ذلك الزمان. وأبوه كان يحمل لقب الكونت، أما أمه فكانت من طبقة الأمراء، وهذا يعني أنه كان من أصل عالي المستوى جدا في روسيا، بل ويجيء في المرتبة التالية للعائلة المالكة. وقد ماتت أمه وهو في الثانية من عمره فربته عماته وخالاته ونساء العائلة بشكل عام.
وبالتالي، فتولستوي لم يتعرف إلى أمه أبدا؛ لأنه كان في سن صغيرة جدًا ولا يمكن أن يتذكر شيئا منها. وقد أثر ذلك على أدبه لاحقًا بشكل مباشر وغير مباشر. وفي عام 1837، أي عندما كان في التاسعة من عمره، توفي والده أيضًا، وكان ذلك بعد انتقال العائلة إلى موسكو مباشرة قادمين من الريف. وهكذا أصبح يتيم الأب والأم. ولكنه لم يعان من أي مشكلات مادية بسبب غنى العائلة وثروتها الطائلة.
وفي سنة 1844 دخل إلى الجامعة، والشيء المدهش هو أنه اختار قسم الآداب العربية والتركية، قبل أن يتحوّل إلى كلية الحقوق في العام التالي. ولكن التدريس الجامعي السائد في تلك الأيام لم يعجبه فهجر الدراسة وعاد إلى الريف للاهتمام بمزرعته الكبيرة في منطقة ساحرة الجمال.
ثم انخرط في صفوف الجيش في منطقة القوقاز وخاض الحروب وعرَّض نفسه للخطر أكثر من مرة. وفي الوقت ذاته راح يكرِّس نفسه للكتابة الأدبية؛ فنتجت من ذلك ثلاثيته التي يتحدث فيها عن طفولته، ومراهقته، وشبابه الأول. وبالتالي فقد سبق نجيب محفوظ إلى كتابة الثلاثيات.
وكان الأدب بالنسبة له عبارة عن أداة للتحليل النفسي للذات، للغوص في أعماق الذات. فهذا شخص مهووس بالاستبطان الداخلي لمعرفة سبب الصراع الذي يشعر به بين مبادئه الأخلاقية العالية من جهة، واستسلامه لعالم الشهوات المادية المضادة للمثل العليا من جهة أخرى.
ثم استقال من الجيش عام 1856 لكي يتفرغ للأدب كليًا. وعاد إلى روسيا من منطقة القوقاز بعد موت القيصر الرجعي نيقولا الأول وصعود قيصر إصلاحي على سدة السلطة هو ألكسندر الثاني. وراح تولستوي يفكر في تحرير أقنانه، أي عبيده الذين يشتغلون في أراضيه الواسعة. وهذا أكبر دليل على مدى كرمه الحاتمي، وشعوره بالنزعة الإنسانية العميقة تجاه الفقراء والمعذبين في الأرض. وراح ينشئ المدارس الابتدائية في الريف لتعليم أطفال الفلاحين الروس. ومعلوم أن الأمية كانت منتشرة آنئذٍ في صفوفهم بنسبة 90 في المائة على الأقل.
والواقع أن تولستوي منذ بداية شبابه كان مهمومًا بتربية الشعب وترقيته ورفع مستواه عن طريق التعليم والتثقيف. وقد كتب مرة يقول: إن سعادتي الشخصية لا يمكن أن تكتمل إلا بسعادة الآخرين. وما دام الشعب في أغلبيته الساحقة فقيرًا معدمًا فإنني لن أكون سعيدًا أبدا.
لقد صدم تولستوي النبلاء الآخرين بتوجهاته الإنسانية هذه، ولم يفهموا سبب اهتمامه بالفلاحين الجهلة والأغبياء، على حد تعبيرهم. وكانوا يعتقدون أن الله خلق العالم وقسمه إلى قسمين: قسم النبلاء الأشراف المحظوظين، وقسم بقية الشعب من الفلاحين، وهؤلاء ينبغي أن يخدموا النبلاء عن طريق العمل في الأرض، وأما النبلاء فلا يشتغلون ولا يتعبون لأنهم من جنس وبقية البشر من جنس آخر.
هذه الطريقة في رؤية الأمور كانت أبعد ما تكون عن عقلية تولستوي، بل وكان يحتقرها كل الاحتقار. وكثيرًا ما نقم على طبقة النبلاء والمجتمع الروسي بسبب ذلك. ثم سافر عام 1857 إلى أوروبا الغربية لكي يكتشف الحضارة، ومعلوم أنها كانت أكثر تقدمًا من روسيا بكثير ولا تزال. وقد زار ألمانيا، وفرنسا، وسويسرا على التوالي. واطلع هناك على المدارس الأدبية والفكرية.
وفي الوقت ذاته، راح يطلع على مناهج التربية والتعليم السائدة في مدارس البلدان المتحضرة. وكان هدفه من ذلك بالطبع هو الاستفادة منها ونقلها إلى المدارس الروسية التي أنشأها لتعليم أبناء الفلاحين. ودعا إلى تعميم تجربته على كل أنحاء روسيا. وقال بالحرف الواحد: سأسخّر كل ثروتي وطاقاتي من أجل تثقيف الشعب وتعليمه. وحتى لو عارضتني السلطة كلها فسأسير في مشروعي حتى النهاية. وحتى لو وقفت في وجهي كل روسيا فلن أتراجع عن هذا البرنامج.
في عام 1869 أنهى ليو تولستوي كتابة روايته الكبيرة الأولى: «الحرب والسلام»، وكانت كتابتها قد استغرقت منه خمس سنوات، وفي عام 1877 أنهى روايته العظيمة الثانية: «أنا كارنينا». وبعدئذ شعر وكأنه أصبح على حافة الانهيار العصبي، ويقال أنه فكر جديا في الانتحار.
ثم تراجع عنه في آخر لحظة. لماذا فكر في الانتحار؟ لأنه شعر بعبثية الحياة ولا معنى الوجود على الرغم من كل غناه وثروته وموهبته وعبقريته. وراح يحسد الفلاحين البسطاء الذين يشتغلون في أراضيه لأنهم مؤمنون بالدين إيمانًا راسخًا، ولا يمكن لهذه التساؤلات الميتافيزيقية أن تخطر على بالهم لحظة واحدة. فالفناء أو العدم الذي كان يحس به تولستوي أو يخشاه بعد الموت لا وجود له بالنسبة لهم. مشكلتهم الوحيدة تأمين لقمة الخبز فقط. ولهذا السبب عاد إلى الدين من جديد، بل وراح يلزم نفسه بتأدية الطقوس والشعائر المسيحية طيلة عامين (1877 ـ 1878) لكي يحمي نفسه من إغراء الانتحار. فالدين هو العزاء والمستعصم في مثل هذه الظروف.
ولكنه اكتشف بعدئذ أن الكثير من الشوائب لحقت بالدين على مر العصور، ولهذا السبب تخلى عن القشور السطحية واكتفى بالجوهر. وقال إن الدين يتمثل في شيئين أساسيين: محبة الله ومحبة البشر، ولا شيء آخر، وبالتالي فلا داعي للطقوس والشعائر المرهقة.. وهكذا راح يختزل الدين إلى المبادئ الأخلاقية فقط؛ فالإنسان الذي يفعل الخير بقدر المستطاع ويتحاشى الشر بقدر المستطاع هو مؤمن عظيم الإيمان حتى ولو لم يذهب إلى الكنيسة مرة واحدة.
وعندما عاد إلى موسكو عام 1881 بعد طول غياب وجد فيها الفقر والبؤس، وبخاصة في الأحياء الشعبية والضواحي المحيطة بها. وهاله الأمر، وراح ينقم على النظام السياسي والاجتماعي السائد ليس فقط في روسيا، وإنما أيضًا في العالم كله. وراح ينادي بالمبادئ نفسها التي نادى بها جان جاك روسو من قبل. وقال إن الملكية الفاحشة للبعض هي سبب استغلال الإنسان للإنسان، وانتشار الظلم واللامساواة في المجتمع. فطبقة الإقطاعيين الأرستقراطية تملك كل أراضي روسيا، وأغلبية الشعب من الفلاحين لا تملك أي شيء تقريبًا.. فأين العدل إذن؟
وراح يؤلف كتابًا بعنوان «ما الذي ينبغي أن نفعله؟» وقد ضمنه كل أفكاره الثورية هذه. وندد فيه بهيمنة الأغنياء على الفقراء. وقال إن الكنيسة متواطئة مع الدولة والنظام القائم. فالسلطة تستخدم الدين سلاحا فاعلا لتخدير الشعب من أجل أن يقبل بواقعه المزري ولا يثور على مستغليه وأسياده الإقطاعيين. وأما العلم والتقدم التكنولوجي والحياة الرغيدة فكلها أشياء محصورة بطبقة الأغنياء، ولا يعرف عنها الشعب شيئا.
ولكن تولستوي على الرغم من إدانته لهذا النظام الجائر الفاسد في روسيا لم يوافق على أعمال الإرهاب الثورية التي ابتدأ بعضهم يقوم بها. ومعلوم أن روسيا شهدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عمليات اغتيال كثيرة أصابت الكثير من الوزراء والأعيان، بل وحتى أحد القياصرة أنفسهم.
وكان المنظرون العدميون أو الفوضويون الروس يبررون ذلك عن طريق القول بأن الشعب يتخبط في الفقر والبؤس والمرض والجهل. وكل ذلك بسبب هؤلاء الحكام الطغاة والفاسدين. وبالتالي فيحق لنا أن نغتالهم. ولكن تولستوي بسبب ارتباطه بمبدأ اللاعنف أدان هذه التفجيرات الإرهابية ورفض تبريرها بحجة خدمة قضية الشعب. ومعلوم أنه أسس فكرة اللاعنف قبل غاندي، وربما كان هذا الأخير قد أخذها عنه. فلا توجد أي قضية في العالم مهما كانت قداستها وأحقيتها تبرر تلك التفجيرات الدموية التي تصيب المارة بشكل عشوائي كيفما اتفق.
وعلى أي حال، فقد كان تولستوي إنسانًا عظيما يمتلئ قلبه عاطفة وحنانًا تجاه الجنس البشري كله، وبالأخص تجاه الفقراء والبسطاء سواء أكانوا في روسيا أم خارجها. وقد ناضل في أواخر القرن التاسع عشر ضد المجاعة التي اكتسحت روسيا وبذل الكثير من ماله وأملاكه لتخفيف آلام الفقراء.
هكذا نلاحظ أن مشكلات تولستوي، أو بالأحرى همومه العميقة، كانت خاصة وعامة. فعلى المستوى الشخصي الوجودي كان مهووسًا بمسألة الحياة والموت وما بعد الموت ومعنى الوجود. وكان مثل أستاذه جان جاك روسو مهووسًا بمسألة الأصالة والصدق مع الذات والاقتراب من الطبيعة والبعد عن الاصطناع الذي تتميز به حياة المدن.
وفي بعض الفترات وقع في إغراء الوثنية أو وحدة الوجود والانصهار في الطبيعة ثم عاد إلى المسيحية، ولكنه بعد أن عاد إليها راح ينظفها من الشوائب والخرافات والأوهام التي لحقت بها على مر العصور وغطت على الجوهر. فجوهر الدين في نهاية المطاف يتمثل في مبادئ عدة بسيطة جدًا: حب الآخرين، ومساعدة الفقراء والمحتاجين بقدر الإمكان، والتعاطف مع المظلومين والمضطهدين، وتحاشي الشر وفعل الخير بقدر الإمكان. والباقي تفاصيل. وطبعا، محبة الله وطاعته وعبادته هي المبدأ الأول للدين.
هذا هو الدين الحق في نظر تولستوي، وقد حاول على مدار حياته الطويلة تطبيق هذه المبادئ، ولم يكتف بالنص عليها نظريًا أو رفع شعاراتها أمام الناس. فقد حرر عبيده أو أقنانه قبل جميع البشر، وفتح المدارس في الأرياف الروسية لتعليم أبناء الفلاحين، وصرف من جيبه الخاص على مشروعات خيرية كثيرة. ليس غريبًا إذن أن يكون تولستوي قد أصبح أحد أعمدة الأدب الروسي. فلا أحد يستطيع أن ينافسه على القمة إلا ذلك المجنون الهائل ديستوفيسكي. بل ويمكن اعتباره إحدى منارات الأدب العالمي أو الكوني وليس فقط الروسي. فعندما نذكر مشاهير الطبقة الأولى نجد أسماء: شكسبير، سيرفانتس، بلزاك، ديستوفيسكي، تولستوي، جان جاك روسو، دانتي، أبو العلاء المعري، نجيب محفوظ، طه حسين، الخ... إنه ينتمي إلى ذلك الجنس النادر في التاريخ البشري: جنس العباقرة الطيبين لا عباقرة الشر وأبطال الجريمة والحروب وسفك الدماء.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».