كوبا وفنزويلا.. تضامن أممي أم انتهازية؟

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بدأ كاسترو يبحث عن ممول لاشتراكيته

جدارية للرئيس الراحل هوغو شافيز الذي قدم النفط بسخاء لكوبا مقابل العناية الطبية من قبل آلاف من الأطباء الكوبيين (رويترز)
جدارية للرئيس الراحل هوغو شافيز الذي قدم النفط بسخاء لكوبا مقابل العناية الطبية من قبل آلاف من الأطباء الكوبيين (رويترز)
TT

كوبا وفنزويلا.. تضامن أممي أم انتهازية؟

جدارية للرئيس الراحل هوغو شافيز الذي قدم النفط بسخاء لكوبا مقابل العناية الطبية من قبل آلاف من الأطباء الكوبيين (رويترز)
جدارية للرئيس الراحل هوغو شافيز الذي قدم النفط بسخاء لكوبا مقابل العناية الطبية من قبل آلاف من الأطباء الكوبيين (رويترز)

لم تشكل مشاعر الود التي أبدتها فنزويلا وغيرها من حكومات دول أميركا اللاتينية تجاه كوبا بعد وفاة فيدل كاسترو مفاجأة. حيث أعلنت البلاد الحداد العام لرجل لطالما كان الصديق المخلص لرئيسهم الراحل هوغو شافيز، وهي الصداقة التي ورثها الرئيس الحالي نيكولاس مودارو، الذي كان من بين القلائل الذين احتفلوا مع كاسترو بعيد ميلاده التسعين قبل وفاته بأيام.
ويرفض الكثير من الفنزويليين هذه الأيام مشاعر التقدير التي أبدتها بلادهم لفيدل كاسترو، وقال مواطن فنزويلي: «في الوقت الذي تبرأ فيه العالم من هذا الديكتاتور، نجد أنفسنا مجبرين على تكريمه. لن يوافق سوى عدد قليل على فترة الحداد تلك».
ورغم حديث الحكومة الفنزويلية عن روابط الأخوة التي تربط الشعبين، أكدت الكثير من قطاعات الدولة أن هدف كاسترو الحقيقي كان دائما نفط فنزويلا. وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، أكد عدد من المراقبين أن هدف كاسترو منذ السنوات الأولى للثورة الكوبية أن يجعل فنزويلا – التي تعتبر إحدى أغنى دول أميركا اللاتينية بفضل إنتاجها النفطي - تمول مشروعه الاشتراكي وتستمر حليفة له كي يضمن استمرار الثورة الكوبية.
وبحسب المؤرخ أوغستين بلانكو الذي تقابل مع هوغو شافيز عند بداية اتصاله بكوبا: «فقد رأى الرجل في شافيز رمزا يمكن أن يشكل قاعدة للتيار السياسي اليساري الذي طالما بحث عنه. كان كاسترو قد تعرض للهزيمة بالفعل، ولم يعد يحظى بدعم الاتحاد السوفياتي. فمنذ قيامها عام 1959. اعتمدت الثورة الكوبية دوما على الدعم الاقتصادي من الاتحاد السوفياتي».
ولذلك لم تكن المفاجأة كبيرة أن فنزويلا كانت الدولة الأكثر زيارة من قبل فيدل كاسترو، أو أن العلاقة بين كوبا وفنزويلا بدأت دافئة في عهد حكومة كارلوس أندريا بيريز الذي تعرض لانقلاب عسكري عام 1991 قاده العسكري الشاب حينها هوغو شافيز. أودعه شافيز السجن ثم أفرج عنه لاحقا بعفو رئاسي، وفي ذلك الحين، وفق بلانكو، أدانت كوبا الانقلاب الذي تعرض له صديقها بيريز، لكن لاحقا عندما رأت كوبا أن شافيز يمتلك مقومات السلطة، شرع كاسترو في دعم علاقته بشافيز استراتيجيا.
بعد استيلاء شافيز على السلطة استطاعت كوبا توسيع نطاق نموذجها السياسي مستفيدة من موارد فنزويلا وضمان بقاء النظام في الجزيرة. وفي عام 2000، وقعت الدولتان اتفاقية وصفها المحلل السياسي غابريل ريس باتفاق تبادل «بضاعة محسوسة ببضاعة غير محسوسة». فبحسب الاتفاق، كانت فنزويلا تمنح كوبا نحو 100000 برميل من النفط يوميا في الوقت الذي كانت فنزويلا تستهلك أقل من نصف إنتاجها لتصدر الباقي لأغراض غير معلومة. كانت الصفقة تتم مقابل إرسال كوبا لأطباء ومدربين رياضيين، لكن في الحقيقة لم يكن أغلبهم أطباء ولا مدربين، بل عناصر من جهاز الاستخبارات الكوبية.
لا تزال الاتفاقية بين الجزيرة وفنزويلا سارية لليوم على الرغم من انخفاض أسعار النفط ورغم هشاشة الوضع الاقتصادي والإنساني في البلاد، الأمر الذي جعل توفير الاحتياجات الأساسية كابوسا. تشبه تلك الحقيقة الوضع القائم في كوبا، إذ يرثي المؤرخ أوغستين بلانكو الذي كان قريبا من شافيز، بألم بالغ حال فنزويلا التي خسرت استقلالها لتصبح «دولة فاشلة» تدار من كوبا؛ فالثورتان الكوبية الفنزويلية، في الحقيقة، ثورة واحدة. لم تعد فنزويلا كما كانت، بل «فينكوبا».
ومن جانبه، قال ريس إنه بالإضافة إلى النفط، فقد مررت فنزويلا كابلا تحت البحر إلى جزيرة كوبا المجاورة لتحسين الاتصالات. فبحسب نظريته في تفسير سعي كوبا لإعادة توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة، يضيف ريس: «إن فنزويلا التي حافظت على وجود كوبا لن تستطيع الاستمرار في ذلك باستخدام عائدات النفط». وليزيل الغموض الذي اكتنف العلاقة المتينة بين فيدل وهوغو، قال ريس «لا أعتقد أن فيدل كان له أصدقاء طيلة حياته، فالاهتمام الذي وجده شافيز من فيدل كان بدافع المصالح التي كان يتحصل عليها الأخير لا أكثر».
ومع وفاة فيدل كاسترو، فقد يتسبب انخفاض أسعار النفط وحالة الغموض التي تكتنف سياسة التعامل مع كوبا في المستقبل في ظل وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض في تغيير العلاقة بين هاتين الدولتين التي طالما كانتا منارة لليسار في أميركا اللاتينية.
ومن جانب آخر أعلن مصدر في الحكومة البرازيلية لوكالة الصحافة الفرنسية أن الدول الأربع المؤسسة «للسوق المشتركة لأميركا الجنوبية» (ميركوسور) علقت عضوية فنزويلا في هذا التكتل بسبب عدم احترامها لميثاقه. وقال هذا المصدر في اتصال هاتفي من ريو دي جانيرو طالبا عدم كشف هويته إن هذه الدول الأربع (الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي) وجهت إلى فنزويلا «رسالة إلكترونية» تبلغها بأن حقوقها في السوق المشتركة «معلقة».
وأضاف أن وزراء خارجية الدول الأربع المؤسسة «أعدوا تقارير تشير إلى أن فنزويلا لم تحترم تعهداتها». وتابع: «نتيجة لذلك وجهوا لها رسالة إلكترونية تبلغها بأن حقوقها علقت».
ولم تعلن «ميركوسور» رسميا هذا القرار الذي جاء مع انتهاء مهلة ثلاثة أشهر حددت في سبتمبر (أيلول) لسلطات كاركاس لملاءمة تشريعاتها مع ميثاق السوق المشتركة.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».