محكمة بلجيكية تنظر في طلب النيابة سحب الجنسية من زعيم جماعة «الشريعة»

زعماء الطوائف الدينية في أوروبا أكدوا أهمية التفريق بين الإسلام وجرائم «داعش»

فؤاد بلقاسم زعيم جماعة أنصار الشريعة في بلجيكا («الشرق الأوسط»)
فؤاد بلقاسم زعيم جماعة أنصار الشريعة في بلجيكا («الشرق الأوسط»)
TT

محكمة بلجيكية تنظر في طلب النيابة سحب الجنسية من زعيم جماعة «الشريعة»

فؤاد بلقاسم زعيم جماعة أنصار الشريعة في بلجيكا («الشرق الأوسط»)
فؤاد بلقاسم زعيم جماعة أنصار الشريعة في بلجيكا («الشرق الأوسط»)

بدأت محكمة أنتويرب «شمال بلجيكا» النظر في طلب المدعي العام في سحب الجنسية البلجيكية من فؤاد بلقاسم مسؤول جماعة «الشريعة في بلجيكا» التي حظرت السلطات نشاطها قبل ما يزيد على ثلاث سنوات.
وقال المدعي العام، إن بلقاسم يشكل خطرا على الأمن العام في البلاد، ويشكل خرقا خطيرا، لالتزامات المواطنة في بلجيكا. بحسب ما ذكرت وسائل إعلام محلية أمس، وكانت محكمة الاستئناف في أنتويرب مطلع العام الماضي قد أيدت حكما بالسجن 12 عاما ضد بلقاسم، و30 ألف يورو غرامة بسبب اشتراكه بدور رئيسي في ملف، يتعلق بنشر الفكر المتشدد، وتجنيد عدد من الأشخاص للسفر، بغرض القتال في الخارج ومنها تنظيم داعش في سوريا والعراق.
وفي السنوات التي سبقت إدانته واجه بلقاسم عدة ملفات قضائية تتعلق بارتكاب جرائم مثل الاعتداءات والدعوة إلى الكراهية والتمييز، ولهذا تقدم المدعي العام إلى محكمة الاستئناف العالي بطلب لسحب الجنسية البلجيكية من بلقاسم، وتساءل المدعي العام قائلا ماذا قدم بلقاسم لبلجيكا؟ مضيفا: فقط مخاطر تهدد المجتمع. وفي حال وافقت المحكمة على طلب المدعي العام بسحب الجنسية من بلقاسم ستقوم بلجيكا بإعادته إلى بلده الأصلي المغرب، كما يمكن صدور قرار قضائي بتسليم بلقاسم إلى السلطات في المغرب لمحاكمته على أي جرائم يكون متورطا فيها. ولكن حسب الإعلام البلجيكي اعترض بلقاسم على إعادته للمغرب بالقول: «تسليمي إلى الديكتاتورية لا يمكن أن يحدث»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء البلجيكية عن صحيفة «جازيت فان أنتويرب» والتي أضافت أن النطق بالحكم في هذا الملف سيكون في جلسة 21 ديسمبر (كانون الأول) الجاري.
من جهة أخرى أكدت قيادات الطوائف الدينية في أوروبا على ضرورة التفريق بين الإسلام والجرائم التي ترتكب من جانب تنظيم «داعش»، وقال الحاخام ألبير جيجي كبير الحاخامات في بروكسل: «علينا أن نفرق بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا وبين الأمور التي ترتكب من جانب الجماعات المتشددة والمسلحة والتي لا علاقة لها بالإسلام وهم قتلة ويستغلون الإسلام لتحقيق أهدافهم».
ومن جانبه قال أوجين ايدين من الكنيسة الأرثوذكسية في هولندا، إنه بالنظر إلى التاريخ فقد عاش المسلمون والمسيحيون واليهود جميعا في منطقة الشرق الأوسط وكانت فترة طويلة مرت بسلام ولكن شهدت بعض المصاعب، والآن الأمر يختلف بعض الشيء في ظل تحديات جديدة تواجهها المنطقة، مؤكدا على أهمية دور الحكومات في المنطقة لتحقيق الاستقرار، وقال الإمام يحيى بلافيتش من اللجنة الإسلامية في إيطاليا، إن المنظمات الإسلامية وأيضا منظمات المجتمع المدني في الدول الإسلامية أعلنت مواقفها الرافضة لما تقوم به الجماعات الإسلامية المتشددة والمسلحة. جاء ذلك في مؤتمر صحافي بمقر المفوضية الأوروبية ببروكسل عقب جلسة حوار بين قيادات المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي وزعماء الطوائف الدينية في أوروبا من المسلمين والمسيحيين واليهود وآخرين.
وقالت المفوضية إن الحوار الذي جرى قبل يومين، جاء استكمالا لحوار مماثل جرى في يونيو (حزيران) من العام الجاري. كما ناشد ممثلو الطوائف الدينية في أوروبا المؤسسات الأوروبية التعاون بشكل أفضل مع المنظمات غير الحكومية والهيئات الدينية في أماكن الصراعات ليس لحماية المسيحيين فقط وتثبتهم في أماكن وجودهم، بل لحماية قيم العيش المشترك في الشرق الأوسط بين المسيحيين واليهود والمسلمين، و«من دون هذا التنوع يفقد الشرق الأوسط معناه»، كما قالوا.
هذا وتعول مؤسسات الاتحاد الأوروبي كثيرًا على الطوائف الدينية لتعزيز خطاب التسامح وقبول الآخر في مواجهة تصاعد العنصرية والتطرف في البلدان الأوروبية. ويأتي ذلك بعد أيام من التصويت لصالح قرار حذر فيه أعضاء البرلمان الأوروبي من تزايد الحملة الدعائية المعادية للاتحاد الأوروبي، سواء من جانب تنظيم داعش أو روسيا. وصوت قبل ذلك أعضاء لجنة لشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي على قرار يحذر من أن الحملة الدعائية تستهدف تشويه الحقيقة، وتحرض على الخوف ويجب مواجهتها من خلال رسائل إيجابية وحملات للتوعية والتعليم لزيادة محو الأمية المعلوماتية بين مواطني الاتحاد الأوروبي. وجاء في نص القرار أن الدعاية العدائية ضد الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، تسعى إلى تشويه الحقيقة وتثير الشكوك والتباعد بين الاتحاد الأوروبي وشركائه وخاصة في أميركا الشمالية، وتهدف هذه الدعاية أيضا إلى شل عملية صنع القرار والتشكيك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتحريض على الخوف وعدم اليقين بين مواطني الاتحاد الأوروبي، وأبدى أعضاء البرلمان الأوروبي القلق بسبب محدودية الوعي بذلك في بعض الدول الأعضاء وحثوا الخبراء ووسائل الإعلام لجمع البيانات والحقائق حول هذه الدعاية.
وكان الاجتماع الذي جرى في مقر المفوضية ببروكسل هو الثاني عشر من نوعه من جلسات الحوار بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والقيادات الدينية في أوروبا، وكان نائب رئيس المفوضية فرانس تيمرمانس ومعه أنطونيو تاياني نائب رئيس البرلمان الأوروبي والمفوض الأوروبي المكلف شؤون الهجرة والمواطنة ديمتري أفرامبولوس، ويان فيغل المبعوث الأوروبي لحرية الأديان خارج أوروبا في استقبال القيادات الدينية من مختلف أنحاء أوروبا، وتركز النقاش حول التحديات التي تفرضها الشعبوية والتعصب والدور الحيوي للتعليم والتوعية في تحسين التماسك والتكامل الاجتماعي في أوروبا واتفق الجميع على العمل بشكل وثيق مع المفوضية الأوروبية لضمان تبني القيم الأوروبية في سياق الهجرة والاندماج.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».