تجديد النظر إلى الفلسفة بمناسبة يومها العالمي

في ظل التطور التقني والتحولات الجذرية التي يشهدها العالم

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة
TT

تجديد النظر إلى الفلسفة بمناسبة يومها العالمي

* أستاذ فلسفة
* أستاذ فلسفة

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، الذي يصادف هذا العام، بروز تحولات عالمية جذرية، على المستويين السياسي (ترامب والأصوليات على الصعيد العالمي)، والأخلاقي (تدمير النزعة التضامنية)، والاقتصادي (غياب عدالة توزيع الخيرات الرمزية والمادية)، هل هناك مبرر اليوم لإعادة طرح السؤال الكلاسيكي / المعاصر: ما هي الفلسفة، وفيم يمكن أن تفيدنا؟ وهل من قيمة تتملكها الفلسفة اليوم بالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في القرن الواحد والعشرين، عصر التطور التقني على جميع المستويات والمجالات؟
قد يبدو السؤال للقارئ، مجرد درس تقليدي يجب أن يوجه للمبتدئين، أو لتلامذة المدرسة الثانوية، في حصصهم الأولى، التي تكون بمثابة مداخل عامة يتعرفون، من خلالها، على جزء من «تاريخ الفلسفة» وليس على الفلسفة.
إن ما يجعلنا في حاجة إلى إعادة النظر في تعريف الفلسفة، وقيمتها، هو تشكيكنا في الطرح الذي يعتقد في كون كل من ولج إلى المدرسة / المؤسسة قد تعلم الفلسفة. وهذا التشكيك نابع من شهادات الواقع، التي تجعلنا نصادف، يوميا، وفي وضعيات مختلفة، طلابا درسوا الفلسفة في المرحلة الثانوية أو الجامعية، لكنهم في كل مناحي حياتهم وسلوكهم، لا يزالون يسلكون ويتصرفون، كما يتصرف بادئ الرأي - الإنسان البسيط في التفكير الذي يسلّم لانطباعاته. وهذا ما يجعل المسلمة، التي تقدم إلينا، بأن تعريف الفلسفة بات واضحا بمجرد ما نقول إنها محبة / عشق / إيثار، ونزوع نحو الحذق، والمهارة، والحقيقة، والحكمة، لا يفي بالغرض. من هنا نكون دائما في حاجة إلى البحث عن تعريف للفلسفة خارج التعريفات الايتيمولوجية والمعجمية والتاريخية الشائعة. بل نكون هنا، في حاجة إلى استيعاب «روح الفلسفة».
قد يعترض علينا اليوم معترض، بكون العلم حينما صار قادرا على السيطرة التقنية على الجسد والطبيعة والمادة بشكل كبير، لم تعد الحاجة إلى الفلسفة ضرورية. ويفرض علينا هذا الاعتراض، أن نقارن بين مجالات الفلسفة ومجالات العلم، لكي نوضح مدى قدرة هذا الزعم على الصمود أمام المساءلة الفلسفية.
صحيح، نحن لا ننكر أن العلم، إذا أخذنا علم الوراثة، على الأقل، قد صار قادرا على التدخل في مسألة الخلق، التي كانت تعتبر، إلى عهود قريبة، أسرارًا إلهية. ولكي نوضح ما قد تتعرض له هذه الفكرة من سوء فهم، لنعط مثالا بسيطا: إذا سألت شخصا ما، بعد عملية حمل مباشرة، عن جنس الجنين، وما إذا كان ذكرا أم أنثى، فسيكون جوابه: هو الله أعلم بذلك. أما اليوم، وبفضل العلم، فقد صار بالإمكان التدخل في شريط الصبغيات، وفي مورثات الجنين، لتفادي أي ولادة مشوهة أو إعاقة - وحوار هابرماس وبيتر سلوتردايك الشهير دليل على ذلك. ويجري ذلك التدخل، من خلال عملية زرع مبكرة، واستئصال أي مورثات قد تكون مسؤولة، في المستقبل، عن أي تشوهات. أما على مستوى المادة، فقد صار العلم قادرا على تحرير الطاقة الكامنة فيها، والتحكم فيها. ولم يقف العلم عند حدود التحكم في الجسد والطبيعة والمادة، بل هناك أبحاث للتحكم في المستقبل، في مجال تكنولوجيا الـ«نانو» التي أحدثت ثورة في عالمنا المعاصر. كل هذه الممكنات التي أصبحت العلوم الحقة قادرة عليها، قد تجعل بعض الغرور، أو بعض السذاجة، يتسرب للإنسان ليشكك في قيمة الفلسفة أمام قوة العلم التقنية. هذا القول يصبح مدعاة للسخرية، حينما نعيد التذكير بأن منجزات العلم النظرية والتقنية، إذا ما قورنت بمنجزات الفلسفة، قد تصير من دون أية قيمة عملية للناس في حياتهم اليومية. فالعلم القادر على التحكم في المادة والجسد، قد يصير عاجزا عن الإجابة عن أبسط وأعمق الأسئلة التي يطرحها الإنسان العادي بشكل يومي. فسؤال الحب، والعدالة، والحرية، والديمقراطية والموت، والخير، والشر، هي من بين أسئلة كثيرة يكون العلم إزاءها عاجزا. وهي الأسئلة التي نطرحها بشكل يومي، سواء كنا كبارا أو صغارا أو شيوخا. فإذا استحضرنا طفلا عمره ثلاث سنوات مثلا، يهتم به والداه، فإن هذا الاهتمام العائلي، والحب والتقدير، ينتقل في حالة ولادة أخ صغير، إلى المولود الجديد، مما يجعل المولود الأول يقوم بتصرفات وسلوكيات عدائية غايتها في العمق، المطالبة بحقه في الحب والتقدير والاهتمام. وفي غياب معرفة توجه التربية داخل الأسرة، نجد أن أغلب الآباء، يلجأون إلى العنف والترهيب، كجواب بسيط على ذلك. كما أن سؤال الحب يصبح مطروحا بشدة لدى المراهقين والمراهقات. إذ تسود بينهم حالات الإحباط والتوحد والانطوائية، فيلجأون إلى وسائل الاتصال الحديثة من أجل تشييد عوالم تستجيب لحاجاتهم النفسية والوجدانية والعقلية. كما يخلقون فضاءات لمناقشة القضايا التي تعتبر تابوهات لا يسمح لهم الفضاء الأسري والمجتمعي والمؤسساتي بمناقشتها علانية. ولا يتوقف طرح سؤال الحب عند مستوى الصغار والمراهقين، بل يطرحه العجائز كذلك. فكم من مرة نلتقي عجوزا وقد وفر له أبناؤه كل ما يحتاج إليه، أو تكفلت الدولة بذلك. لكنه رغم كل شيء يشتكي. وحين تواجهه بأن كل ما يحتاج إليه متوفر، يجيبك متحسرا «آه، إنني لا أحتاج فقط للمال والأكل والشرب، بل أحتاج لمن يتحدث إلي ويهتم بي»؛ إنه في العمق، بحاجة إلى من يحبه ويعترف به كذات. ويحدث هذا مع باقي المطالب الأخرى، مما يعني أن أسئلة العلم، إذا قارناها بأسئلة الفلسفة، سنجد بينهما بونا شاسعا. فأسئلة العلم قد تكون مهمة لطلبة العلم في الكليات والمدارس، أو للعلماء في المختبرات، بينما أسئلة الفلسفة هي مهمة بالنسبة للجميع ويطرحها الجميع، بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، لأنها أسئلة وجودية ويومية مرتبطة بالإنسان في كل زمان ومكان. ومن هنا، يمكننا أن نخلص إلى تعريف بعيد عن التعريف المعجمي للفلسفة، فنقول، إنها نشاط معرفي وعقلي يتيح للإنسان إمكانية أن يجيب ويفكر في الأسئلة التي لا يستطيع العلم أن يقدم له أجوبة حاسمة عليها. فمثلا، إذا كان العالم يستطيع أن يقدم لي صيغة صورية لجزيء الماء، باعتباره يتكون من الهيدروجين والأكسجين HO2، بحيث يسمح لي ذلك، سواء كنت في المغرب أو الرياض أو لندن أن أجد أن هذه الصيغة تنطبق على جزيء الماء، بغض النظر عن الزمان والمكان، فإن هذا العالم العبقري لا يستطيع أن يعطيني صيغة صورية للحب، بحيث يجعلني تطبيقها محبوبا أو عادلا أو حرا. من هنا، نكون في هذا العالم، بحاجة ماسة إلى الفلسفة، وبالضبط إلى «روح الفلسفة». فتعلم الفلسفة هو تعلم لتاريخها وللفلسفات والأنساق الفلسفية التي عرفها هذا التاريخ. وهذه العملية، لا تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد ما دامت الكتب والمراجع متوفرة. فإن كنت سأتعلم الفلسفة لأقضي حياتي في القول، «قال أرسطو وقال أفلاطون وديكارت وكانط وهيغل وابن مسكويه والفارابي وابن رشد...» فسأظل بعيدا كل البعد عن الفلسفة. والفلسفة التي أتحدث عنها هنا، هي تلك الروح الفلسفية الثاوية في قلب كل الأنساق الفلسفية، بحيث تكون العودة لما كتبه الفلاسفة ليس من أجل الإقامة فيه وإعادة إنتاجه، بل لنتعلم كيف فكّر هؤلاء في قضايا الإنسان، كالحب، والعدالة، والديمقراطية، والجمال، والخير، والشر، والموت وغيرها.
تبدأ الفلسفة إذن، حينما تصبح لدينا القدرة على المخاطرة بالتفكير في قضايانا، لا كما فكّر فيها هؤلاء الفلاسفة العظام في لحظتهم، بل كما نختار نحن في حاضرنا وحسب حاجاتنا. هنا تكون روح الفلسفة طاقة تحريرية تجعلنا متحررين من كلمتين خطيرتين عبر التاريخ وفي حياتنا اليومية، وهما «قال وسمعت / وأحسست». فـ«قال وسمعت»، تحيل على الآخرين وعلى الغير، سواء كان فردا أو جماعة أو آيديولوجية. وقد علمنا التاريخ وتعلمنا الحياة اليومية، أن الآخرين ليسوا مصدرا موثوقا دائما للمعرفة. فهم قد يضللوننا، وقد يحرفون ويزيفون المعارف التي ينقلونها لنا، إن كانت قابلة فعلا للنقل. فكم من مرة اعتمدنا فيها، فقط، على ما يقال لنا أو سمعنا عن شخص ما أو حادثة ما، وتصرفنا بحسب ما سمعناه أو قيل لنا. وبعد مرور ردح من الزمن، نكتشف أننا كنا مخطئين في أحكامنا، أو في سلوكياتنا، التي سلكناها حسب ما قيل لنا وسمعنا. فعبارات «أحسست وبدا لي»، تحيل على الانطباعات الأولية التي نكوّنها دائما عن الآخرين، وعن ظواهر العالم، بفعل العادة والتكرار. فنميل بسرعة، إلى تكوين حكم أو رأي أو موقف انطلاقا مما يظهر لنا، ونتناسى أن الحواس والانطباعات خادعة. وقد وقع ذلك مع البشرية حينما اعتقدت لقرون، أن الأرض التي تدور ثابتة وهي مركز الكون. إذن هنا مرة أخرى، تكون الفلسفة مهمة ليس كمادة تعليمية أو معرفة يمكن أن نتبجح بمعرفة متونها، بل مهمة لأن الروح الفلسفية التي تمنحها لنا، تجعلنا قادرين على مواجهة كل أشكال التضليل التي نحن عرضة لها في هذا العالم، سواء من طرف الآخرين أو من طرف حواسنا وانطباعاتنا. وهنا نستحضر ما قام به بيكون في أرغانونه الجديد، حينما حذرنا من الأوهام التي تحيط بنا، ومن بينها الأوهام التي تدفعنا إلى سرعة التعميم والحكم، وكذلك أعمال رونيه ديكارت.
يحضرني في هذا السياق، سؤال آخر: متى يمكننا أن ندرك بأننا شرعنا في التفلسف وفي امتلاك هذه الروح الفلسفية؟ هل معرفتنا وحفظنا للمتون الفلسفية وإعادة ترديدها، كاف لإدخالنا إلى رحاب الفلسفة؟ أم أن التفلسف والروح الفلسفية شيء آخر؟
أعتقد أن الفلسفة تبدأ حينما نقرأ كل ما كتبه الفلاسفة العظام ونحاوره. وحينما نتمكن من التحرر منه، وتصبح لدينا القدرة على إنتاج موقف خاص بنا، حول القضايا نفسها التي فكر فيها الفلاسفة العظام ذاتهم. آنذاك، نكون قد شرعنا في التفلسف وفي امتلاك هذه الروح الفلسفية. فالقيام بهذه الخطوة الأولى، أي التخلص مما قاله الفلاسفة وإعادة إنتاجه حرفيا، هو المدخل الأساسي للفلسفة. ولا يمكن القيام بهذه الخطوة، إلا بإعادة تملك عقولنا الخاصة واستعادتها من هيمنة الآخرين، ومن هيمنة الانطباعات والأحاسيس الأولية التي قد تضللنا. وهنا نتذكر التعريف الشهير لإيمانويل كانط لمفهوم التنوير. فغاية الروح الفلسفية، هي تعليم طريقة خاصة في التفكير. والتفكير هنا نوع من المخاطرة، لأنه يحتاج إلى الشجاعة اللازمة للإقدام عليه. وهو مخاطرة بالمعنى اليوناني وبالمعنى الكانطي، لأنه يتطلب منا بذل المزيد من الجهد للتخلص من كل ما ترسخ لدينا من انطباعات، ويضعنا في مواجهة كل ما تلقيناه من الآخرين، الذين يعتبرون ما قدموه لنا نوعا من الهبة أو الدين الذي يقتضي منا الخضوع والطاعة والسير على نهج حدد سابقا. فنكون بذلك، مجبرين على الاختيار واتخاذ القرار كما يقرر الآخرون ويسلكون. لذلك تكون الفلسفة هنا، أو «روح الفلسفة»، كما أحب أن أسميها مع تلامذتي في الفصل، أحيانا، موجهة لنا، فتتيح لنا هذه الروح الفلسفية أن ندافع عن هذا الحق في المخاطرة بالتفكير، مما يمنحنا وجودا مختلفا. وكل تخلّ عن هذا الحق في المخاطرة، هو تخلّ منا عن حقنا في الاختلاف، وعن حقنا في العيش بالأسلوب الذي نقرره ونعزم عليه. فكما تحتاج الحرب إلى الشجاعة والشرف في اليونان القديمة، بحيث يبارز المحارب خصمه ندًا لند، فالتفكير أيضًا، هو نوع من فن الحرب، بحيث يتيح لنا أن نواجه وأن نخاطر في مواجهة القديم الذي يسكننا ويعيقنا في الحاضر ندًا لند، بحيث تبزغ الذات وتنبثق من حماة الحشد، مطالبة بحقها في أن تكون في العالم متفردة ضد ثقافة الجموع.



هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».


فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
TT

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات. يحوي هذا الموقع الأثري سلسلة من الألواح الفسيفسائية الأرضية التي تزيّن قاعاته، كشفت عنها حملة تنقيب استمرت من عام 1979 إلى عام 1985، منها لوح كبير خرج إلى النور بشكل كامل عند اكتشافه، غير أنه تعرّض لاحقاً لحادث طبيعي أفقده كثيراً من عناصره. تظهر مكوّنات هذا اللوح في صور التُقطت قبل وقوع هذا الحادث، وتؤلف مشهداً تصويرياً يجمع بين سلسلة متنوّعة من البهائم، تصطفّ حول صيّاد يحتلّ وسط التأليف.

يتكوّن قصر الحلابات من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. يزيّن هذا اللوح الاستثنائي أرض غرفة حملت رقم 11 في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع، ويتبع أسلوباً تقليدياً راج بشكل واسع في سائر أقاليم العالم المتوسّطي. يحضر المشهد التصويري داخل إطار مزدوج يتألّف من شريطين يتبنّى كلّ منهما طرازاً خاصاً. يشكّل الشريط الأول إطاراً خارجياً، وهو تجريدي هندسي، ويتألف من سلسلة من المربعات المائلة، تحضر وسط سلسلتين متواجهتين من المثلثات، صيغت بحلّة لونية ترابيّة، تناوب فيهما الأسوَد والبنّي. اتخذت المربعات المائلة حلّة مشابهة، وبدا كلّ منها على شكل مُعين أبيض يتوسّطه مُعين صغير صيغ بهذين اللونين. يشكّل الشريط الأول إطاراً داخلياً، وهو تصويري نباتي، ويتألف من أغصان حلزونية تتدلّى منها عناقيد العنب. تشكّل هذه الدوالي شريطاً زخرفياً متقناً، وتتبع في صياغتها اللونية حلّة مختزلة تقتصر كذلك على الألوان الترابية.

تستقرّ البهائم وسط هذا الإطار المزدوج، ويقف الصياد بينها في فضاء مجرّد، وفقاً للغة تشكيلية ملتبسة يصعب تحديدها في خانة ثابتة. ينفي المصور نقطة التقاء الصياد والحيوانات بالأرض التي يقفون عليها، معتمداً على مبدأ التنضيد. يغيب الشق الظاهر للبعد الأمامي فتتحرّر الكائنات من قوانين الجاذبية وتبدو في حركاتها المتعددة كأنها تحلّق في فضاء عمودي. يحافظ القسم الأكبر منها على صورته الطبيعية بثقلها الواقعي، لكن أحجامها تخرج عن المنطق الطبيعي. في القسم الأيسر من تأليف الصورة، يظهر أسد وأفعى ومعزاة. وفي القسم الأيمن، يظهر ثور وكبش وطيور من فصائل متعددة. وفي وسط الصورة، يحضر الصياد، وهو حافي القدمين، ويرتدي سروالاً يعلوه قميص ينسدل فوق ركبتيه. نراه رافعاً بيده اليسرى فوق ظهره عصا يتدلى منها أرنب اصطاده، قابضاً بيده اليمنى على حبل يلتف حول عنق نعامة كبيرة. تحيط بهذه الكائنات مجموعة من الشجيرات تختلف في الحجم والشكل، أبرزها شجرة تحتل وسط الجزء الأعلى من التأليف، تتميز بثمارها المتدلية من أغصانها.

في القسم الأعلى، يظهر الأسد في وضع جانبي، ويظهر الثور في وضعية مشابهة، وتفصل بينهما الشجرة المثمرة. يحني الليث رأسه في اتجاه الثور كأنه يستعدّ للانقضاض عليه، كاشفاً عن مخالب كبيرة تخرج من أطراف قوائمه الأربعة. يأخذ الثور طابعاً وحشياً، ويحضر في حركة موازية كأنه يستعدّ لمحاربة خصمه، كاشفاً عن قرنين طويلين يعلوان قمة رأسه. صُوّر وجه الأسد في وضعية المواجهة، وبدت ملامحه واضحة، وقوامها عينان ضخمتان جاحظتان، وأنف أفطس، وشدق عريض. في المقابل، صُوّر وجه الأسد في وضعية نصف جانبية، وتميّزت ملامح وجهه كذلك بطابع عدائي وحشيّ. تظهر الأفعى تحت قوائم الأسد، وتبدو كأنّها تنسلّ أفقياً في الفضاء، وسط ثلاث شجيرات ترتفع في الأفق. يربض الثور فوق شجرتين تماثلان في تكوينهما الشجرة الكبيرة، وتظهر في طرف التأليف ثلاثة طيور صوّرت في وضعية جانبية، منها طير يبدو من فصيلة الحجل.

في القسم الأوسط من التأليف، يحل الصياد وسط شجيرتين بسيطتين خلت أغصانهما من الثمار، وتحوط به نعامتان كبيرتين صوّرتا جانبياً كأنهما متواجهتان. تتميّز هذه النعامة بحجمها الضخم، والشائع أنها الكبيرة من الطير، وتشتهر بقوتها وسرعتها، وهي معروفة في بلاد العرب، كما يشهد قول أبي كثوة: «ولّى نعام بني صفوان زوزأة / لما رأى أسداً بالغاب قد وثبا». في القسم الأسفل، يحلّ الكبش تحت قدمي الصياد، ويظهر في وضعية جانبية شاخصاً في اتجاه معزاة كبيرة في وضعية مماثلة. ومن خلف هذا الكبش، نعامة أخرى تبدو أصغر حجماً.

يبدو هذا اللوح استثنائياً في الميراث الأموي، ويتميّز بحضور عنصر آدمي يتمثّل هنا بصياد يحمل طريدته وسط مجموعة متنوعة من الدواب والطيور. يشكّل هذا المشهد في الواقع امتداداً لتقليد فني ازدهر في الحقبة البيزنطية ازدهاراً كبيراً في الأردن، كما تشهد مجموعة هائلة من أرضيات كنائس تعود إلى تلك الحقبة. ويبدو أن هذا التقليد تواصل مسيحياً في هذه البقاع خلال الحقبة الأموية، وبلغ الحقبة العباسية، كما تؤكد الشواهد الأثرية التي تم الكشف عنها في العقود الماضية. تبنّى الأمويون هذا الفن وبرعوا به، وتجلّى هذا الإبداع في حلل أشهر مساجدهم وأكبرها، كما في أرضيات عمائرهم المدنية. أشار شهاب الدين العمري إلى هذا الفن في كتابه «مسالك الأبصار»، وكتب في وصفه: «والفسيفساء مصنوع من زجاج يُذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق، ومن هذا النوع المسحور، وأمّا الملوّن فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي».

استعاد محمد كرد علي هذا النص في موسوعته «خطط الشام»، وكتب معلّقاً: «ووصف ابن فضل الله هذا يمكن أن يُستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصّت بها القسطنطينية قد نُقلت إلى الشام وجود عملها». كما نقل العلّامة السوري عن ابن عساكر أبياتاً شعرية قيلت في وصف هذا الفن، ومنها:

إذا تفكرت في الفصوص وما

فيها تيقّنت حذق راصعها

أشجارها لا تزال مثمرة

لا تذهب الريح من مدافعها

كأنها من زمرد غُرست

في أرض تِبْرٍ تغشى بفاقعها

فيها ثمارٌ تَخَالُها يَنَعَتْ

وليس يُخشَى فسادُ يانِعِها


فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.