مشهد تصويت بوتفليقة على كرسي متحرك يعمق الجدل بشأن انتخابات الرئاسة الجزائرية

اشتباكات بين الأمن وشبان رافضين للاقتراع في ولاية البويرة.. ونسبة المشاركة أبرز تحد

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

مشهد تصويت بوتفليقة على كرسي متحرك يعمق الجدل بشأن انتخابات الرئاسة الجزائرية

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على كرسي متحرك خلال الادلاء بصوته في مدرسة البشير الإبراهيمي في العاصمة أمس (إ.ب.أ)

صوت الجزائريون أمس لاختيار رئيس للبلاد من بين ستة متنافسين، بينهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أدلى بصوته على كرسي متحرك وهو طامح لفترة رئاسية رابعة على التوالي، ومنافسه الرئيس علي بن فليس الذي أكد «تفاؤله» بالفوز وجدد «التحذير من التزوير».
وجرى الاقتراع وسط إجراءات أمنية مشددة ومخاوف مسبقة لدى المواطنين من حدوث «نزاع» حول النتيجة المرتقبة بين المتنافسين الرئيسين، وربما اشتباكات في بعض الأماكن يقدم عليها رافضون للاقتراع بسبب ترشح الرئيس بوتفليقة وهو عاجز صحيا عن أداء بعض الوظائف الكلامية والجسدية. كما تمثل نسبة المشاركة تحديا أمام هذا الاقتراع، خصوصا بعدما تجندت عدة قوى سياسية خلال الأسابيع الماضية تدعو الناس للامتناع عن التصويت في ما سمته «المهزلة الانتخابية».
وكان لافتا أن الرئيس بوتفليقة أدلى بصوته على كرسي متحرك في مدرسة البشير الإبراهيمي بأعالي العاصمة، في مشهد قد يعمق الجدل المرتبط بصحة الرئيس. وحضر الرئيس مرفوقا بشقيقه وكبير مستشاريه بالرئاسة السعيد، وشقيقه الآخر ناصر المستشار بالرئاسة أيضا، والأمين العام بوزارة التكوين المهني، ونجله الأصغر الذي يبلغ عشر سنوات.
ونزل بوتفليقة من سيارة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وسط إجراءات أمنية مشددة وبحضور مسؤول التشريفات بالرئاسة. ولم يتفوه بكلمة واحدة أثناء الدقائق الخمس التي أمضاها داخل مكتب التصويت، ورفع يده اليمنى ثلاث مرات لتحية الموجودين في المكتب من موظفين ومصورين وصحافيين. فيما سلم عليه بعض المصوتين الذين كانوا ينتظرون الدور لوضع الورقة في الصندوق، وكان بينهم مسؤول الإعلام بمديرية حملته وزير الصناعة سابقا عبد السلام بوشوارب. والتحق الرئيس بالعازل حاملا معه ظرفا وأوراق المرشحين الستة، وبعد ثوان خرج ليضع الظرف في الصندوق. وفعل شقيقاه ناصر والسعيد الشيء نفسه بعده. ثم خرج الرئيس وهو يدقق النظر في الحاضرين وعن يمينه ابن شقيقه. ووضع في السيارة التي أقلّته من جديد تحت زغاريد امرأة، أظهرت سعادتها لرؤيته، وقالت لصحافي أجنبي «ربي يحفظ رئيسنا من كل سوء».
لكن سيدة جزائرية قالت لـ«الشرق الأوسط» داخل مركز الاقتراع بعدما رأت المشهد «يا إلهي، لماذا لا يتركونه يرتاح؟ هذا ليس بوتفليقة الذي أعرفه». وعبرت السيدة الستينية عن شعورها بـ«الألم»، على حد تعبيرها، وهي ترى الرئيس فوق كرسي متحرك يدفعه الحرس الرئاسي الخاص إلى باب مكتب الاقتراع. وقال شخص آخر، يسكن بنفس الحي الذي يقيم به الرئيس، إن حالة بوتفليقة «تحسنت كثيرا مقارنة بما كان عليه في الشهور الماضية، لكنني لا أتصور أنه يملك القدرة على الاستمرار في الحكم».
وفي خارج مكتب التصويت، وقف عدد كبير من المصورين المحليين والأجانب، لالتقاط صور المرشح غير العادي. وعبر صحافيون جزائريون وأجانب عن استيائهم لرفض الحرس الرئاسي دخولهم إلى مركز الاقتراع، بحجة أن المكان لا يتسع إلا لبضعة صحافيين جرى انتقاؤهم من طرف مديرية الإعلام بالرئاسة. وانطلق الموكب الرئاسي بسرعة كبيرة على طول شارع البشيري الإبراهيمي، تحت زغاريد نساء وقفن على جنبات الطريق. وعادت الحركة إلى الحي من جديد، بعد أن توقفت لمدة 30 دقيقة. وغير بعيد عن المكان كان المشهد مختلفا بعض الشيء في مدرسة محمد عليق بحي حيدرة. فهناك أيضا حضر عدد كبير من الصحافيين منذ وقت مبكر انتظارا لقدوم «المرشح المستقل» علي بن فليس. وبعد أن وصل مرفوقا بعدد كبير من المساعدين، وجد بن فليس صعوبة للتقدم نحو مكان الإدلاء بصوته بسبب التفاف الصحافيين والمصورين حوله. وبعد تصويته أدلى بتصريح للصحافة شدد فيه على «ضرورة احترام سيادة الشعب»، مذكرا بأنه حذر من التزوير طوال الحملة الانتخابية وما زال يحذر منه اليوم. وقال إنه «وعد الجزائر بمشروع واعد» وحضر لها «مستقبلا واعدا يتضمن مشروعا للتجديد». كما عبر عن «تفاؤله» بالمرحلة المقبلة «شريطة أن تحترم إدارة الشعب»، مما سيسمح له بقيادة البلاد «نحو شاطئ الأمان، لكن إذا حدث غير ذلك وبقي التزوير يلعب دوره فالأمر يصعب حله وستتفاقم الأزمة». وتابع قائلا «لا أتمنى هذا على الإطلاق، فأنا رجل سلم وسلام، رجل محبة ووئام، رجل يرفض العنف ولا ينادي له على الإطلاق، بل يعمل من أجل سكينة وهدوء وطمأنينة الجزائر».
وبدورهم، صوت المرشحون الآخرون عبد العزيز بلعيد مرشح جبهة المستقبل، ولويزة حنون زعيمة حزب العمال اليساري والمرأة الوحيدة المشاركة في السباق الرئاسي، وعلي فوزي رباعين مرشح حزب «عهد 54»، كلهم في العاصمة، بينما صوت موسى تواتي مرشح حزب الجبهة الوطنية في ولاية المدية (80 كم جنوب العاصمة) التي يتحدر منها. وكان لافتا أن بلعيد، الذي يعد أصغر المتنافسين الستة (50 عاما) دعا بعد الإدلاء بصوته الشباب إلى التصويت لأن جيل الاستقلال «حاضر في هذا السباق»، في إشارة إلى شخصه الذي يعد المرشح الوحيد المولود بعد استقلال البلاد عن فرنسا عام 1962.
وتمثل نسبة المشاركة الشعبية أكبر تحد في هذه الانتخابات، علما بأن مجموعة الأحزاب التي قررت مقاطعة الاقتراع ظلت تتحدث خلال الأسابيع الماضية عن وجود تجاوب شعبي مع دعواتها لتفكيك المصداقية عن الاقتراع الذي يشارك فيه الرئيس بوتفليقة وهو في وضع صحي لا يؤهله لأداء مهام الرئاسة، على حد قولها. ولاحظت «الشرق الأوسط» حتى ظهر أمس تدني نسبة الإقبال في بعض مراكز الاقتراع بالعاصمة، إلا أن العاصمة والحواضر الكبرى في البلاد تصنف في العادة ضمن الولايات الأقل مشاركة. واستفاد السكان من العطلة التي منحت لهم بسبب يوم الاقتراع، للخروج والاستمتاع بالجو الذي كان مشمسا.
وتحدث مرشحون، مثل بن فليس وتواتي، صباح أمس، عن بروز مؤشرات أولية على التزوير. إلا أن غالبية المرشحين، عدا بوتفليقة وبن فليس، لم يتمكنوا من توفير عدد من الممثلين عنهم لمراقبة مراكز الاقتراع. وقال رئيس بلدية حيدرة أمس إن المركز الذي صوت فيه بن فليس لم يأته سوى مراقبين أحدهما عن بوتفليقة والثاني عن بن فليس.
ودعي أكثر من 23 مليون ناخب للتصويت في أكثر من 60 ألف مركز ومكتب اقتراع في كل الولايات الـ48، يشرف على تأطيرها 460 ألف شخص. وافتتحت مراكز الاقتراع في الساعة الثامنة صباحا، على أن تغلق في السابعة مساء مع إمكانية تمديد المهلة ساعة إضافية.
وتحدثت تقارير عن وقوع اشتباكات بين متظاهرين مناهضين للاقتراع وقوات الأمن في منطقة رافور التابعة لولاية البويرة غير البعيدة عن العاصمة، أصيب خلالها العشرات من عناصر الدرك الوطني. ووقعت الاشتباكات، حسب مصادر محلية، إثر إقدام متظاهرين على حرق صناديق الاقتراع. وتحدثت المصادر عن وقوع أحداث مشابهة في منطقتي السحاريج وأغبالو التابعتين لنفس الولاية. وفي بلدة آيت رزين بأقبو التابعة لولاية بجاية (شرق، عاصمة القبائل الصغرى)، أحرق مجهولون مكتب اقتراع.
يذكر أن السلطات أمرت بنشر 180 ألف عنصر أمن إضافة لقوات الدرك والجيش، لتأمين الاقتراع على مستوى الوطن. وجاءت هذه الأحداث بينما شدد وزير الداخلية الطيب بلعيز، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الرسمية، على «اتخاذ جميع آليات الشفافية والحياد والأمن لإنجاح الاقتراع»، ودعوته المواطنين إلى «المشاركة بقوة في الاستحقاق الذي يجري في ظل الأمن والطمأنية». ومن المنتظر أن تعلن نتائج الانتخابات اليوم الجمعة، علما بأن قانون الانتخابات ينص على أنه في حال لم يحصل أي مرشح على أغلبية 50 في المائة من الأصوات سيجري تنظيم دور ثان في غضون أسبوعين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.