الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

إسماعيل عمر غيلة أكد أن علاقة بلاده مع السعودية تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة
TT

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

من وسط مبانٍ بسيطة بُنيت حديثا، وأخرى تاريخية وقديمة، يدير الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلة، شؤون بلاده التي تتطلع للعب دور مهم في العالم الجديد، معتمدة على موقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. ويقول إن الدولة، محدودة الموارد، تستعد لفتح أبواب واسعة للتعاون عربيا وأفريقيا ودوليا على الصعيد الاقتصادي والأمني والعسكري، مشددا على عمق علاقة بلاده مع المملكة العربية السعودية والتي تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم.
وفي وقت جرى فيه توقيع اتفاقية للتعاون الأمني بين جيبوتي والسعودية، يؤكد الرئيس غيلة على أن البلدين «سيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري».
ويقول الرئيس الجيبوتي إن بلاده لا تخشى من تنافس عسكري بين الدول الكبرى فوق الأراضي الجيبوتية، لأن وجودها موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب وضد القرصنة البحرية ولحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم، مشيرا إلى أن العالم شهد خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية حرجة. ويضيف أن هذا الأمر أدى لانعكاسات خطيرة للأوضاع الدولية، منها انتشار واسع، لم يسبق له مثيل، للإرهاب والعنف والتطرف.
وقطعت جيبوتي علاقتها بطهران التي تدعم المتمردين الحوثيين، وانضمت للتحالف العربي الذي تقوده السعودية لمساندة الشرعية في اليمن، ودخلت أيضا في التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب. ويقول الرئيس غيلة إن إيران تتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق، من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، ما أدى لزعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول، وحوَّلها لساحات حروب، معربا عن اعتقاده في أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
ومن خلال حديثه، يبدو أن الرئيس الجيبوتي يضع نصب عينيه تنفيذ خطة شاملة للنهوض بدولته الفقيرة من خلال فتح أبواب التعاون العربي والأفريقي والدولي. ويقول إن أفريقيا سوق استهلاكية ضخمة وستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020 ما يجعل القارة جاذبة للمستثمرين الأجانب، مشيرا إلى أن التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في القارة يكمن في غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرهما.
وإلى نص الحوار..
* فخامة الرئيس.. شاركتم في عدة محافل دولية خلال الشهرين الماضيين، منها الاجتماع السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، والقمة العربية في موريتانيا. كيف تنظرون إلى خريطة العالم اليوم، مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، خاصة فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، على الصعيد الدولي، وقضية التضامن والتعاون على الصعيد العربي؟
- شهد العالم خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية الحرجة التي تسود في الكثير من أنحاء العالم في الظرف الراهن. وكجزء من هذه الانعكاسات الخطيرة للأوضاع الدولية، فإن الإرهاب والعنف والتطرف سجل انتشارا واسع النطاق على نحو لم يسبق له مثيل، ويبذل المجتمع الدولي جهودا متواصلة لمحاربة هذه الظاهرة وتجفيف منابعها. وفي هذا السياق، فإن من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن التصدي بفعالية لهذه الآفة يتطلب تعاونا دوليا وثيقا، كما يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني والعسكري، بل تتعامل أيضا مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بتنامي الإرهاب. وفيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، فإن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة أزمات سياسية وأمنية خطيرة تستدعي تعزيز التضامن والتعاون وتكريس كافة الجهود في سبيل وحدة الصف العربي، انطلاقا من وحدة الهدف والمصير، لمواجهة تداعيات هذه الأزمات، والتصدي للتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، والعمل على نشر ثقافة السلم والاعتدال والتسامح، ونبذ كل أشكال الغلو والتطرف والعنف والكراهية، ومعالجة الأزمات العربية بالطرق السلمية، ورفع التحديات التنموية وترسيخ قيم العدل والمساواة، والإسراع في تنفيذ مشروعات التكامل العربي القائمة وتوسيع فرص الاستثمارات بين الدول العربية، وإيجاد آليات لمساعدة الدول العربية الأقل نموًّا وتأهيل اقتصادياتها، ونأمل أن تؤتي الجهود العربية المبذولة في هذا الاتجاه أكلها.
* منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد حالة من الاضطراب منذ سنوات، وذلك بالنظر إلى القلاقل الموجودة في الصومال والحرب في اليمن والقرصنة البحرية وغيرها. ما الدور الذي تلعبه جيبوتي للمساعدة في جعل هذه المنطقة أكثر أمنا واستقرارا؟
- تعتبر الأزمة الصومالية والحرب في اليمن والقرصنة البحرية والإرهاب والجفاف المتكرر (قلة مياه الأمطار) من التحديات الرئيسية التي تعاني منها هذه المنطقة الحيوية من العالم على الصعيدين الأمني والتنموي. وكما يعلم الجميع فإن جمهورية جيبوتي تضطلع بدور طليعي في الجهود المبذولة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لينعكس ذلك إيجابا على التكامل والتضامن الاقتصادي وتعزيز فرص العيش الكريم لشعوبها.
* كانت لكم زيارة منذ نحو سنة إلى السعودية حيث التقيتم مع الملك سلمان بن عبد العزيز. فإلى أي حد تطورت العلاقات بين البلدين، في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، خاصة بعد انضمام جيبوتي للتحالف العربي المساند للشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب؟
- علاقاتنا مع المملكة العربية والسعودية الشقيقة هي علاقات أخوية تاريخية متينة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة. ومنذ زيارتي الرسمية للرياض منذ نحو عام ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة. وقد أكدنا حينها كقيادتين سياسيتين، على ضرورة الارتقاء بهذه العلاقة إلى المستوى الاستراتيجي. وأستطيع أن أؤكد أن قيادتي البلدين تمكنتا من تحقيق ذلك الهدف. وفي هذا المضمار، وقع البلدان الشقيقان مؤخرا اتفاقية للتعاون الأمني، وسيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري. كما نترقب في قادم الأيام انعقاد المنتدى الاقتصادي الجيبوتي السعودي الذي سيشهد إطلاق مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين، وكل ذلك يبرز مدى التطور الذي تشهده العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين الشقيقين على مختلف الأصعدة. أما فيما يتصل بموقف جيبوتي من التحالف العربي المساند للشرعية في اليمن، فإنه يأتي في سياق التنسيق والتعاون الوثيق القائم مع المملكة، كما يعكس في ذات الوقت الواجب الأخوي والأخلاقي الذي يتحتم علينا القيام به حيال أشقائنا اليمنيين الذين تجمعنا بهم روابط القرابة والجوار والتاريخ والحضارة. أما انضمامنا إلى التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة انطلاقا من دورها الريادي والقيادي في العالم الإسلامي، فعلاوة على كونه يندرج في إطار التنسيق الفعال الموجود بيننا وبين المملكة، فإنه يعكس أيضا رؤيتنا بأن إنشاء هذا التحالف كان مطلبا ملحا لشعوب الدول الإسلامية التي عانت أكثر من غيرها من الإرهاب الأعمى الذي يرتكب جرائمه البشعة دون تفريق بين دين أو مذهب أو عرق.
* قطعتم العلاقة الدبلوماسية مع إيران تضامنا مع السعودية عقب الاعتداء الذي تعرضت له سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد بإيران مطلع هذا العام. في هذا الإطار، كيف تنظرون إلى الاتهامات الموجهة إلى إيران بالتدخل في الشؤون العربية، ومنها اليمن والعراق وسوريا؟
- دور إيران في المنطقة العربية لم يعد سرا، فقد قامت إيران مرارا وتكرارا بالتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، مما أدى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول العربية وحولها إلى ساحات حروب. وأعتقد أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
* تأتي فترة رئاستكم الجديدة في وقت يشهد فيه العالم الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تزداد الأهمية الدولية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب. هل تخشى جيبوتي من مغبة التأثر بالتنافس من عدة دول كبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين، على الاستفادة من موقع بلادكم الجغرافي، خاصة أن مقر القيادة الأفريقية التابعة للقوات المسلحة الأميركية، يوجد في جيبوتي، مع ظهور تسريبات عن رغبة الصين في إيجاد صيغة لتعاون عسكري كبير مع بلادكم؟
- قطعا، لا نخشى من ذلك، لأن الوجود العسكري للدول الكبرى التي ذكرتموها في جيبوتي ليس استقطابا أو تنافسا بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في منطقتنا، ولكنه موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم، كما أننا بالمقابل نسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا على وجه الخصوص وفي المنطقة على وجه العموم. إذن فإنه يمكنني القول بأنه توجد هناك مصالح مشتركة، كما يوجد هنالك هدف مشترك يصبو إليه الجميع، ويتمثل في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وصون السلم والأمن الدوليين.
* كيف ترون مستقبل التعاون في القارة الأفريقية مع الوضع في الاعتبار أن «منظمة الإيقاد» التي تضم دولا أفريقية تأسست في جيبوتي عام 1986، بهدف زيادة التعاون في الأمن الغذائي وحماية البيئة وتعزيز وصون السلم والأمن. كما أن جيبوتي عضو فاعل في منظمة الكوميسا. فما هي العراقيل التي تطمحون إلى التغلب عليها للوصول إلى قوة اقتصادية أفريقية قادرة على سد احتياجات الداخل والمنافسة مع التكتلات الاقتصادية في القارات الأخرى؟
- أفريقيا قارة واعدة، بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، فقد حققت القارة معدلات نمو اقتصادي سريعة خلال الأعوام الماضية، كما يتوقع أن تحقق معدلات نمو لافتة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث يرى المحللون الاقتصاديون بناء على الحقائق الديموغرافية أن القارة ستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020، أضف إلى ذلك كونها سوقا استهلاكية ضخمة، ووفرة الأيدي العاملة فيها، كل هذه العوامل تجعل القارة الأفريقية جاذبة للمستثمرين الأجانب. ومع ذلك، فإن غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرها يعد التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في أفريقيا بما في ذلك تعزيز القدرة التنافسية للقارة، وتحقيق التكامل الاقتصادي والتصنيع السريع، والتحول الهيكلي لاقتصادها. وهناك مساع تبذل حاليا على المستوى القاري للتغلب على هذا التحدي، ففي جيبوتي على سبيل المثال قمنا باستثمار ملايين الدولارات خلال السنوات القليلة الماضية في تطوير البنية التحتية اللوجستية (كالطرق البرية والسكك الحديدية)، وكذلك البنية التحتية المالية والتجارية والتي تخدم اليوم الاقتصاديين على مستوى المنطقة.
* ما مدى رضاكم عن طريقة عمل الجامعة العربية بوضعها الراهن؟ وما هو تصور جيبوتي لتطوير عمل الجامعة بما يمكنها من لعب دور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة؟
- جامعة الدول العربية قامت عبر مسيرتها المديدة التي بدأت قبل سبعين عاما ببذل جهود جبارة في حلحلة قضايا عديدة، وإذا نظرنا إليها بوصفها منظمة تجمع بين «دول»، وأخذنا كذلك بعين الاعتبار الطابع التقليدي الذي تميز به الميثاق المنشئ لها، فإنه يمكننا القول بأن ثمة إنجازات وإيجابيات عديدة تحققت، ولكن توجد أيضا في المقابل بعض السلبيات التي لا يمكن أن نغفلها أو نقلل من شأنها. وعلى الرغم من أوجه القصور التي شابت أداءها، فإن جامعة الدول العربية ستبقى الإطار التنظيمي الملائم لتجسيد آمال الأمة العربية. ومع ذلك، فإنني أعتقد أنه توجد هنالك حاجة إلى إصلاح وتطوير آليات عمل الجامعة العربية وتفعيل دورها. وعليه، فإنه لا بد من العمل بجدية من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، وذلك من خلال تعديل الميثاق على نحو يكفل لها القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة لذلك، حتى يتسنى لها القيام بدور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، فضلا عن مواكبة التطورات والمستجدات على الساحة الدولية.
* شاركتم في أعمال الدورة الـ71 للجمعية العمومية للأمم المتحدة وقمة القادة في نيويورك حول أزمة اللاجئين. هل ترى ثمة إجراءات دولية حقيقية لمساعدة جيبوتي في التعاطي مع مشكلة اللاجئين خاصة أولئك القادمين من منطقة القرن الأفريقي ودولة اليمن؟
- جمهورية جيبوتي، منذ استقلالها، استضافت أعدادا كبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة الهاربين من ويلات الحرب أو الآثار المدمرة للجفاف. وتشكل الأحداث الطبيعية والأفعال البشرية والتغير المناخي والتدهور البيئي مجتمعة، تهديدات تفاقم ظاهرة النزوح في أفريقيا بشكل عام وفي منطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص. وعلى الرغم من مواردنا المحدودة، فإن التزامنا قوي بمد يد العون لأولئك الذين يلجأون إلينا، حيث فتحنا لهم بيوتنا وقلوبنا، وقدمنا لهم المساعدة الإنسانية اللازمة. وهذا يتماشى مع القيم التي نعتز بها كدولة وكشعب، وفي هذا الصدد، قمنا بإنشاء وكالة خاصة تعنى بتقديم المساعدة للاجئين وضحايا الكوارث، والأزمات الإنسانية التي تضرب المنطقة. وبالإضافة إلى اللاجئين الموجودين منذ سنوات في بلادنا وجلهم من الصومال وإثيوبيا، فقد لجأ إلينا مؤخرا عدد كبير من إخواننا اليمنيين الذين اضطرتهم لذلك الأوضاع التي يشهدها اليمن الشقيق. وقد بادرنا على المستويين الرسمي والشعبي إلى تقديم العون الإنساني اللازم لهم في حدود إمكاناتنا، وساهمت منظمات دولية وإنسانية أيضا في المهمة، وإن كنا نعتقد أن هذه المساهمة لم تكن ترقى إلى المستوى المأمول. ومهما يكن من أمر، فإن الجهات الدولية والهيئات الإنسانية التي تعنى بشؤون اللاجئين تواكب جهود الحكومة الجيبوتية وتقدم إسهامات معتبرة، ولكن في ظل حرصنا الشديد على توفير كافة المتطلبات للاجئين الموجودين في بلادنا، فإننا نأمل أن نحظى بدعم أكبر من هذه الجهات والهيئات.
* لبلادكم تجربة مهمة في التعامل مع مشكلة اللاجئين.. فوفقا لتقرير البنك الدولي كان عدد اللاجئين في جيبوتي نحو 77.6 ألف في عام 1990، لكنه انخفض إلى أقل من 10 آلاف في عام 2007، إلا أن العدد ارتفع مرة أخرى إلى نحو 14.5 ألف لاجئ حسب إحصاء 2014. فما هو عدد اللاجئين حاليا في جيبوتي وما هي البلاد التي ينتمون إليها، وكيف تتعامل جيبوتي مع هذه المشكلة، وتأثير ذلك على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد؟
- عدد اللاجئين الموجودين حاليا في جيبوتي يصل إلى 21.412 لاجئا حسب إحصائية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وينتمون في غالبيتهم العظمى إلى اليمن والصومال وإثيوبيا، كما توجد بينهم قلة تنحدر من بلدان أخرى من قبيل العراق وسوريا وإريتريا. وتتعاطى جيبوتي مع هذه القضية من منطلق إنساني بحت، وكما ذكرت آنفا، فإن التزامنا قوي حيال مساعدة كل من يلجأ إلينا هاربا من ويلات الصراع في بلده، وتوفير الحماية له وضمان احترام حقوقه. وفي هذا الصدد، تبنت جيبوتي في عام 1977 تشريعات قانونية لضمان احترام حقوق اللاجئين. وتعززت هذه التشريعات بعد إنشاء المكتب الوطني لغوث اللاجئين والمنكوبين الذي يعتبر الآلية الرئيسية في مجال التعاطي مع شؤون اللاجئين. ومهما يكن من أمر، فإن التشريعات والآليات بشأن اللاجئين ساعدتنا على تنظيم عملية إدارة أوضاع اللاجئين وتوفير المتطلبات والاحتياجات لهم، بما في ذلك الحماية وعدم الإعادة القسرية. وفي ظل حرصنا على التعامل مع هذه المسألة بحكمة وبكل إنسانية، فإنه لا يوجد تأثير سلبي لوجود اللاجئين على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد.
* هل كنتم تتوقعون أن ينتهي ما يعرف بـ«الربيع العربي» الذي ضرب المنطقة العربية في 2011، بهذه الطريقة التي نشهدها من فوضى ولاجئين واقتتال أهلي في دول مثل ليبيا وسوريا؟ وما هي الدروس المستفادة مما جرى بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي أصيبت بها شعوب هذه الدول؟
- إنه لأمر مؤلم، أن نرى كل هذه الفوضى والأزمات السياسية والأمنية الخطيرة التي أعقبت ما يعرف بالربيع العربي. وعموما، فإنني أعتقد أنه من المهم أن يتم رصد مثل هذه الحالات وتقييمها والإعداد لها ووضع الخطط والبرامج لاستيعابها والتعامل معها في سبيل الأمن والاستقرار والرخاء للمواطنين وتعزيز فرص المشاركة السياسية وخلق الأجواء الاقتصادية الملائمة لرفاهية المواطن الذي وجدت وانتخبت الحكومات في كل مكان في الدنيا من أجل خدمته ورعايته الرعاية اللائقة والكريمة بتوفير الغذاء والطعام والعلاج والتعليم ومحاربة الفقر والبطالة والعمل على تحقيق التنمية المستدامة، بالإضافة إلى حرية التعبير عن الرأي بانضباط في إطار النظام والقانون.
* تتمتعون بخلفية دينية من خلال دراستكم كطالب في «المعهد الديني»، وتتمتعون أيضا بخلفية أمنية من خلال عملكم في السابق كـ«مفتش في الشرطة». في رأيكم وبخبرتكم الطويلة، وبالنظر إلى ما تتعرض له عدة دول من أحداث عنف في الغرب والشرق، ما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب والعمل السياسي. وما هي الطريقة المثلى في رأيكم للقضاء على التشدد والتطرف في العالم؟
- أعتقد أنه توجد هنالك أوجه تقاطع بين المفهومين، فالإرهاب مرتبط بالعقائد والأفكار. والعمل السياسي يمثل في حقيقته مجموعة من المبادئ والرؤى والتصورات التي تبنى من خلالها الظاهرة السياسية. وبالتالي، فإنه قد يكون هنالك إرهاب سياسي وعنف سياسي، وكلاهما يعتبران شكلين من أشكال الإرهاب ويندرجان في إطار العمل السياسي بمفهومه الشامل، وقد يكون هنالك كذلك توظيف سياسي للإرهاب. ومع ذلك، فإن مصطلح ممارسة العمل السياسي كثيرا ما ينصرف عند إطلاقه إلى القيام بهذه الممارسة وفق الأطر الديمقراطية والقانونية وفي ظل تكريس الشفافية والعلانية ونبذ الإرهاب والعنف. أما التشدد أو التطرف فقد يكون ناجما عن أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو تربوية أو دينية أو سياسية أو طائفية أو نفسية، ومن ثم فإن الطريقة الأنسب للقضاء عليه تكمن، في اعتقادي، في معالجة أسبابه ومواجهته بفكر معاكس ومضاد، وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش والعمل على ترسيخ مبادئ التسامح والاعتراف بالآخر والحوار واللاّعنف.
* هل كانت هناك قرارات لم يسعفكم الوقت لاتخاذها وتنفيذها خلال فترة رئاستكم الماضية، وترون أنه يمكن إصدارها وتفعيلها في فترة الولاية الجديدة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي والدولي؟
- أعتقد أن النجاح والإخفاق من الأمور البديهية في الحياة، وأستطيع القول إننا اتخذنا الكثير من القرارات الناجحة في المرحلة الماضية، لكننا لم نتمكن من القيام بكل ما كنا نود القيام به، وبالتأكيد فإننا سنسعى في المرحلة المقبلة إلى إنجاز ما لم نتمكن من إنجازه، وآمل أن يحالفنا التوفيق والسداد.
* هذه هي السنة الأولى لكم في فترة ولايتكم الجديدة للرئاسة، والتي بدأت بنشاط للقضاء على البطالة وإعادة البناء وإحلال المساكن العصرية بدلا من المساكن العشوائية للارتقاء بالعاصمة والمدن المجاورة، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لمد خطوط السكك الحديدية إلى إثيوبيا، وتحديث الطيران الجيبوتي وتحديث الموانئ البحرية وتعبيد الطرق.. السؤال: هل الموارد المالية للحكومة في جيبوتي قادرة على تنفيذ كل هذه المشروعات الطموحة، أم أنها ستكون في حاجة إلى الدخول في شراكات مع القطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي؟
- نحن نحرص دائما على تعزيز وتحسين إدارة مواردنا المحدودة وتكريسها لتلبية احتياجاتنا التنموية، وقد نجحنا في إنجاز الكثير في مسيرة بناء هذا البلد، أما الشراكات سواء مع القطاع الخاص المحلي أو العربي والأجنبي فهي تمثل بعدا هاما في استراتيجيتنا التنموية، خاصة في تنفيذ المشاريع العملاقة من قبيل الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، وسنمضي قدما في هذه الشراكات خلال المرحلة المقبلة لا سيما وأننا قمنا بتنفيذ الإصلاحات المؤسسية والفنية اللازمة لتوفير المناخ الملائم لهذه الشراكات.
* ماذا تقولون للشارع السياسي الجيبوتي وهو يستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المحلية التي تجري مطلع العام المقبل، والانتخابات التشريعية في العام التالي؟
- الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة جزء من مسيرة العملية الديمقراطية المستمرة في بلادنا منذ أكثر من عقدين، وشعبنا بات الآن ناضجا بعد تجربته الطويلة في ممارسة هذه العملية، وأنا على يقين بأنه سيخوض الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة بحماس أقوى أكثر من أي وقت مضى لإثراء العملية الديمقراطية ودفعها نحو الأمام.
* ما هو «الحلم الكبير» الذي تتمنون أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030، وهو، كما تعلمون، العام الذي حددته الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية والكوكب.
- في الواقع فإن «الحلم الكبير» الذي أتمنى أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030 يحمل في طياته أهدافا طموحة من أبرزها ما يلي: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في عموم التراب الوطني. وضمان تمتّع جميع المواطنين بمختلف فئاتهم العمرية بأنماط عيش صحية وبالرفاهية. وضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع. وضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع. وحصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. وإقامة بنى تحتية متطورة وقادرة على الصمود، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار. وتوفير السكن اللائق لجميع المواطنين. واتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.

الرئيس إسماعيل عمر غيلة في سطور
* ولد في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) في بلدة ديرة داوا في إثيوبيا عام 1947. وتلقى تعليمه في المعهد الديني في كل من إثيوبيا وجيبوتي. والتحق بعد ذلك بسلك الشرطة حتى وصل إلى رتبة مفتش.
* ترك العمل الشرطي وانخرط في العمل السياسي، وقاد «حركة استقلال الشعب الأفريقي». وشغل عضوية فريق التفاوض للاستقلال عن فرنسا عام 1977. وعُيِّن عقب الاستقلال رئيسا لمجلس الوزراء الرئاسي.
* بعد عامين من الاستقلال اندمجت «حركة استقلال الشعب الأفريقي» مع أحزاب جيبوتية أخرى. وتشكل من هذا الاندماج «حزب التجمع الشعبي للتقدم». وفي عام 1983 انتخب للجنة المركزية للحزب. وفي عام 1996 انتخب للمرة الثالثة نائبا لرئيس الحزب.
* في فبراير (شباط) عام 1999 رشحه الحزب لرئاسة جيبوتي، وذلك بعد أن قرر حسن غوليد (1916 - 2006) أول رئيس للبلاد منذ استقلالها، عدم ترشحه للانتخابات. وبذلك أصبح غيلة منذ ذلك الوقت ثاني رئيس للبلاد، حيث فاز لولاية رابعة في الانتخابات التي جرت في ربيع هذا العام.



توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.


رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
TT

رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)

كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن حزمة من ثلاث خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال «صومالي لاند»، مشيراً إلى التنسيق الوثيق مع شركائهم، بقيادة السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وقال الرئيس الصومالي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن هناك دولاً في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، دون أن يسميها: «لا أود تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض، ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».

واستدرك محمود قائلاً: «لكن رسالتنا واضحة للجميع بأن وحدة الصومال خط أحمر، وأن الصومال اتخذ مواقف لحماية الوحدة والسيادة الوطنية. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

وشدد على أهمية التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة لفوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أن السعودية، تعد شريكاً استراتيجياً محورياً لبلاده في دعم الاستقرار والوحدة، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

ثلاث خطوات

وحول الخطوات التي تتخذها الحكومة الصومالية إزاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة، قال محمود: «أؤكد، وبأقصى درجات الوضوح والحزم، أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال – أو ما يُعرف بـ(صومالي لاند) – دولةً مستقلة يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وزاد: «كما أن هذا الاعتراف الإسرائيلي، بإقليم أرض الصومال، يعد مخالفة جسيمة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأفريقي التي تُجمع على احترام الحدود الموروثة للدول الأفريقية. وعلى هذا الأساس، اتخذ الصومال، وسيتخذ حزمة من الخطوات المتوازية».

وعدد الرئيس الصومالي، عدة خطوات بهذا الشأن، تبدأ من التحرك الدبلوماسي الفوري عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لرفض هذا الاعتراف وإبطاله قانونياً وسياسياً.

ولفت إلى أن بلاده، دعت بالفعل إلى عقد جلسة رسمية في مجلس الأمن الدولي بشأن هذا «الانتهاك الإسرائيلي السافر لسيادتنا ووحدتنا الوطنية»، مبيناً أنه تم عقد الجلسة، وكانت نصراً دبلوماسياً مهماً للصومال، لا سيما في ظل عضوية الصومال الحالية في مجلس الأمن الدولي.

وأضاف: «نُعرب هنا عن بالغ امتناننا لمواقف التضامن والتنديد التي صدرت عن الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الشركاء الدوليين».

الخطوة الثانية من الخطة الصومالية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق الرئيس الصومالي، تتمحور في العمل على تنسيق موقف عربي وإسلامي وأفريقي موحد «ونثمّن عالياً أن السعودية كانت سبّاقة في إصدار بيان واضح وصريح استنكر أي مساس بوحدة الصومال».

مشيراً إلى أن «الموقف السعودي، هو موقف يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، زاد هذا الموقف رسوخاً ما أكده مجلس الوزراء السعودي من دعم ثابت ومبدئي للصومال في هذا الظرف الدقيق».

وزاد محمود: «نشير بتقدير بالغ إلى أن دولاً عربية وإسلامية وأفريقية عديدة، إضافة إلى دول من أميركا اللاتينية وآسيا، أصدرت بيانات تضامن وتنديد. ومن خلال صحيفتكم المرموقة، نتقدم إليهم جميعاً بالشكر والتقدير، مؤكدين أن الذاكرة الوطنية الصومالية ستحتفظ بهذا التضامن التاريخي».

الخطوة الثالثة من المسعى الصومالي لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق محمود، يتمحور في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة جميع القضايا السياسية في إطار الدولة الصومالية الواحدة، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية.

السلم الإقليمي والدولي

وحول التخوف من أن يعيد هذا الاعتراف الإسرائيلي تشكيل الديناميكيات الإقليمية، وما يترتب عليه من مخاطر على أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، قال محمود: «إن هذا الاعتراف – إذا لم يُواجَه بموقف حازم – ربما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة ستزعزع الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».

وفسّر ذلك بأن هذا الاعتراف، سيعمل على تشجع النزعات الانفصالية ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في أفريقيا والعالم العربي عموماً، بما يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ما تشهده بعض «الدول الشقيقة»، مثل السودان واليمن، خير دليل على كلفة تفكك الدول وانهيار بنيتها الوطنية.

أما فيما يتعلق بأثر هذا الاعتراف، بأمن بالبحر الأحمر، فقال الرئيس الصومالي: «نحن نتحدث عن شريان ملاحي عالمي وأمن قومي عربي بامتياز. وأي توتر سياسي أو أمني على السواحل الصومالية سينعكس مباشرة على أمن التجارة الدولية، وأمن الطاقة».

وأضاف: «سيمتد هذا الأثر الخطير، إلى استقرار الدول المشاطئة، وفي مقدمتهم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن والأردن. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن البحر الأحمر الجماعي».

مقدمة لهيمنة على المنطقة

وحاول الرئيس الصومالي قراءة الهدف الحقيقي لإسرائيل من هذا الاعتراف، ومدى اختبار ذلك لمعارضة الصومال التاريخية للانفصال، وقال: «نرى أن الهدف يتجاوز مجرد اعتراف سياسي».

وأضاف: «إن الهدف يتجاوز الهدف السياسي، ليشمل السعي إلى إيجاد موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي وعلى مقربة مباشرة من البحر الأحمر، بما يتيح لها التأثير على مضيق باب المندب وتهديد الأمن القومي لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وأوضح أن هذا التحرك، يمثل محاولة لاختبار صلابة الموقف الصومالي، والعربي، والأفريقي تجاه قضايا السيادة ووحدة الدول، «هنا أؤكد بجلاء أن معارضة الصومال للانفصال ليست موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، بل هي مبدأ وطني راسخ، يحظى بدعم عربي وأفريقي واسع، وفي طليعته دعم السعودية».

ولفت الرئيس الصومالي إلى أن المخطط الإسرائيلي بالاعتراف، ينقل الصراع في الشرق الأوسط إلى الأراضي الصومالية، «أقول بوضوح أننا لن نسمح بتحويل الصومال إلى ساحة لتصفية صراعات دولية أو إقليمية لا تخدم مصالح شعبنا ولا أمن منطقتنا».

وشدد على أن الصومال يتطلع إلى السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وليس إلى استيراد أزمات الشرق الأوسط أو عسكرة سواحله ومياهه الإقليمية، «ونحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا العرب، وفي مقدمتهم السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب».

وأضاف: «إن التجارب أثبتت أن تفتيت الدول لا يصنع استقراراً، بل يخلق فراغات أمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

ودعا الرئيس الصومالي، الدول العربية، لا سيما المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى إدراك أن الصومال يمثل البوابة الجنوبية لأمنها القومي، مجدداً دعوته للدول الأفريقية، خصوصاً دول الجوار الصومالي، إلى التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (سفارة الصومال بالرياض)

العلاقات السعودية الصومالية

وعلى صعيد العلاقات السعودية – الصومالية، وأهميتها في تأمين البحر الأحمر، قال محمود: «إن العلاقات الثنائية، علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة الجذور، تقوم على الأخوة، والدين، والمصير المشترك، حيث تُعد السعودية شريكاً استراتيجياً محورياً للصومال في دعم استقراره ووحدته، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية».

وأضاف: «ينظر الصومال بإعجاب وتقدير كبيرين إلى رؤية المملكة 2030، وما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء. ونحن بصدد الاستفادة من الخبرات السعودية في هذه المجالات».

وتابع: «في الظرف الحالي أيضاً نحن على ثقة تامة بأن حكمة القيادة السعودية، وقوتها، وثقلها الإقليمي والدولي، تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في مساعدة الصومال على النهوض مجدداً قوياً، وموحداً، وعزيزاً».

وزاد: «نتطلع لأن تلعب الدبلوماسية السعودية، دوراً محورياً ورئيسياً، لحشد التأييد والتضامن للصومال بين الدول والمنظمات الدولية. وكما تعلمون، مرّ الصومال بظروف قاسية، لكنه اليوم يتعافى بوتيرة متسارعة».

وقال محمود: «في هذا السياق، نشعر بآلام الشعوب التي تمر اليوم بما مرّ به الصومال سابقاً، ونعرب عن تضامننا الصادق معها، ونشيد ونقف مع الدور الأخوي الصادق والمخلص، الذي تضطلع به السعودية تجاه اليمن، والسودان، وسوريا، وبإسهامها البارز في تعزيز استقرار المنطقة والعالم».

وعن انطباعه عند تلقيه، قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً، الرافض لأي تقسيم لوحدة جمهورية الصومال، قال محمود: «تلقَّت الحكومة الفيدرالية في جمهورية الصومال قرار مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقدير بالغ وارتياح كبير».

وأضاف: «نعدّ هذا الموقف امتداداً للدعم التاريخي الذي تقدمه المملكة لوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها. إن التأكيد الواضح من القيادة السعودية على رفض أي محاولات للمساس بوحدة الصومال يعكس عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي حول أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».