د. أحمد عبد الملك: الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها «غشماء السرد»!

القطريون بدأوا كتابة الرواية عام 1993 وأنتجوا 23 منها في ربع قرن

د. أحمد عبد الملك
د. أحمد عبد الملك
TT

د. أحمد عبد الملك: الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها «غشماء السرد»!

د. أحمد عبد الملك
د. أحمد عبد الملك

خلافًا لدول الخليج التي تتقاسم معها الطبيعة الاجتماعية والثقافية، لم تظهر الرواية في دولة قطر إلا متأخرة جدًا، وتحديدًا في عام 1993، على الرغم من أن الأدب القطري هو جزء من أدب الخليج والجزيرة العربية المنطقة، التي عرفت السرد منذ قرون، وظهرت فيها الرواية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وفي دراسة مهمة ومسحية، قام بها الناقد والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، تحمل عنوان «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015 ترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عامًا منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.
يتحدث الدكتور أحمد عبد الملك في الحوار التالي مع «الشرق الأوسط» الذي أجري معه في الدوحة، عن بدايات التجربة الروائية في قطر، وأسباب تأخرها، وعناصر التأثير فيها. وكذلك قلة المنتج الروائي القطري قياسًا بالفنون الإبداعية الأخرى، فالإنتاج الروائي القطري الذي يمتلك الشروط الفنية للرواية، لم يتعدَّ 23 رواية خلال نحو ربع قرن.
الدكتور أحمد عبد الملك، كاتب وناقد، وإعلامي، وله ست تجارب روائية، هي: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011).. ويصدر له هذا الأسبوع رواية «الموتى يرفضون القبور» (2016)، ورواية «شو» (تحت الطبع).. وكتب في النقد الأدبي، بينها الدراسة الأخيرة عن «الرواية القطرية».
* هل لك أن تحدثنا عن البدايات.. لماذا تأخر ظهور الرواية القطرية حتى عام 1993 تاريخ صدور الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة؟
- بدايات الرواية القطرية كانت في عام 1993، عندما أصدرت الكاتبة شعاع خليفة أولى الروايات وهي «العبور إلى الحقيقة»، ثم أعقبتها برواية «أحلام البحر القديمة»، التي أشارت فيها إلى أنها كتبتها عام 1990. كما أصدرت أختها دلال خليفة روايتها الأولى «أسطورة الإنسان والبحيرة»، وبذلك تكون الأختان شعاع ودلال خليفة رائدتي العمل الروائي في قطر.
وتوالت روايات الأختين بعد ذلك، حيث أصدرت شعاع «في انتظار الصافرة» عام 1994، وأصدرت دلال «أشجار البراري البعيدة» عام 1994 ثم «من البحّار القديم إليك» عام 1995 ثم «دنيانا.. مهرجان الأيام والليالي» عام 2000. ومنذ عام 2005 أصدرتُ أنا رواية «أحضان المنافي»، ثم «القنبلة» عام 2006، ثم «فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج» عام 2009، ثم «الأقنعة» عام 2011، ثم «الموتى يرفضون القبور» عام 2016، ورواية أخرى في المطبعة هذه الأيام هي «شو». وأصدرت الكاتبة مريم آل سعد رواية «تداعي الفصول» عام 2007، ثم أصدرت نورة آل سعد رواية «العريضة» عام 2010، وأصدر الكاتب عبد العزيز المحمود رواية «القرصان» عام 2011، ورواية «الشراع المقدس» عام 2014، وأصدر جمال فايز رواية «زبد الطين» عام 2013، كما أصدر عيسى عبد الله رواية «كنز سازيران» عام 2013، ورواية «بوابة كتارا وألغاز دلمون» عام 2014، ورواية «شوك الكوادي» عام 2015، وأصدرت شمة الكواري رواية «نوافير الغروب» عام 2014، وكذلك رواية «روضة أزهار الياسمين» عام 2014، و«هتون نور العيون» عام 2015. وأصدرت أمل السويدي رواية «الشقيقة» عام 2014.
أما سبب تأخر ظهور الرواية القطرية، فلا توجد أسباب محددة، حيث كان الكُتاب والكاتبات منهمكين في القصة القصيرة، ومعظم الذي كتبوا الرواية كانوا في الأساس من كتاب القصة القصيرة. وأعتقد أن اطلاع المبدعين القطريين على النماذج الحديثة في الرواية قد أسهم في ظهور الرواية القطرية.
* أيضًا كيف تفسّر قلة الأعمال الروائية في قطر، في كتابك «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات» أحصيت نحو 23 رواية قطرية تمتلك فعلاً شروط الرواية الفنية؟
- قلة الأعمال الروائية القطرية، راجع لطبيعة حجم سكان البلد، وبالتالي نسبة المبدعين فيه، ناهيك بأن العمل الإبداعي له اشتراطات، ولقد بينت أنا ذلك في كتاب (الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات)، لأن كثيرًا من الكتاب والكاتبات قد مارسوا كتابة الرواية دون إلمام بالخصائص السردية التي تحكم الرواية، وللأسف، هناك كثير من المخالفات والمغالطات في تثبيت مدلول مفهوم الرواية، ولقد أصبح الجميع يكتب رواية، دون أن يكون قد قرأ رواية واحدة! وهذه إحدى إشكاليات الإنتاج الضعيف الذي نراه اليوم.
* أنت شخصيًا لديك أربع تجارب روائية: «أحضان المنافي»، و«القنبلة»، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج»، و«الأقنعة».. أين تضع هذه الأعمال في سياق التجربة الروائية في قطر..؟ لماذا لم تُضَمِّنْها في دراستك عن الرواية القطرية؟
- نعم، لدي أربع روايات، وسيكون الرقم ستة روايات عند نشر هذا الحديث، حيث وقَّعْت رواية «الموتى يرفضون القبور»، وهنالك رواية أخرى في المطبعة اسمها «شو». أما أين أضع أعمالي في سياق التجربة الروائية في قطر، فأنا تجاوزت الهم الاجتماعي أو استحضار الماضي في رواياتي، وقفزت إلى المستقبل كما هو الحال في رواية «فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج» حيث تتحدث عن مملكة من ممالك الخليج بعد 50 عامًا من عام 2009، وأيضًا رواية «الأقنعة» التي حبكت حول جريمة تقع في فندق بلندن، وأيضًا رواية «الموتى يرفضون القبور» حيث فلسفة الموت والحياة، وأن الأحداث أغلبها تدور في المقبرة. أما لماذا لم أضمِّن أعمالي تلك الدراسة حول الرواية القطرية، فأعتقد أن هذا هو الأصول والأمانة الأدبية، فأنا لا أستطيع تقييم أعمالي، وأترك للآخرين ذلك. وهذا يزيد من مصداقية الدراسة التي قدمتها.
* ذكرت في كتابك أن بعض التجارب الروائية في قطر خلطت بين القصة القصيرة والرواية، أو بين الرواية والخواطر الذاتية والإنشاء.. أليست هذه أزمة الرواية العربية عمومًا وليست خاصة بقطر..؟
- نعم، هنالك التباس في المصطلح لدى كثيرين ممن يكتبون الرواية! وأنا تحدثت عن هذا كثيرًا، هنالك من كتب ما سماها رواية، دون أن يدرك الخصائص السردية التي تشّكل الرواية أو تكون إطارًا علميًا لها. كثيرون كتبوا خواطر أو ذكريات سفر، أو هواجس ليل، وسموها رواية! وهذا خلط غير حميد، أنا لم أكتب روايتي الأولى إلا بعد أن عكفت على قراءة أكثر من خمسين رواية متنوعة بين الأدب العربي واللاتيني والأوروبي والشرقي أيضًا. الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها من سماهم صديقي الدكتور عبد الله إبراهيم «غشماء السرد»! نعم، لا توجد جهة تحدد المسار، أو تفرز المفاهيم، والكل صار يعلّق آماله في الشهرة على الرواية، لا أختلف معك على أنها أزمة الرواية العربية، ولكن «الزبد» تذروهُ الرياح، وحتمًا سوف يأتي جيل يدرك المعاني النبيلة للرواية، حتى وإن تعلق «غشماء» السرد بالواقع الافتراضي لهم، وتفاخروا بالآلاف أو مئات الآلاف من المتابعين على الواقع الافتراضي. الكتابة النبيلة يجب أن تحترم اللغة، وتقدم للقارئ بديع اللغة، وحرفنة الوصل والتواصل بين الشخصيات وتطوراتها، وكثيرًا من الأعمال سادتها أخطاء نحوية وعدم اهتمام بتطور الشخصيات أو الاهتمام بالزمكانية أو تطور الحدث.
* هل تراجعت الرواية لوحدها من بين الأجناس الأدبية والفنون الأخرى، لوحدها في قطر..؟ بمعنى هل هناك اتجاه نحو أجناس إبداعية أخرى..؟
- كلا، الرواية تسير في سرعة مذهلة نحو التطور، ولم تتراجع، وهي أداة ناجعة للتعبير عن المجتمعات، حيث تغني عن المقالة أو المسرح أو الأغنية، التي تحاصرها الرقابة في بعض الدول. لقد تراجع المسرح نظرًا للظروف السياسية التي ألمت بالعالم العربي، بل وتراجع الشعر العربي، مع التقدير لدور الشعر الشعبي! لم ألحظ أجناسًا أخرى في الإبداع، لكن القصة والرواية في تقدم، والدليل أن جيل الشباب بدأ يقرأ القصة والرواية، وبعضهم يكتبها، وله محاولات جيدة تستحق التشجيع.

البيئة والتراث

* كيف تقّيم تجربة عبد العزيز المحمود، الذي أصدر روايتين: «القرصان» و«الشراع المقدس»..؟
- تجربة الأخ عبد العزيز المحمود تجربة فريدة، فأنا لم أعرفه قاصًا ولا روائيًا من قبل، قدر ما كان صحافيًا مقتدرًا. أنا قرأت رواية «القرصان» بشغف، ولن أناقشها من حيث اقترابها من صدقية التاريخ، كلا، أنا قرأتها قراءة فنية، ورأيت فيها لوحة تاريخية معبّرة عن مأساة «ارحمة بن جابر» المقلب بالقرصان، وأعجبني فيها تقسيم فصول الرواية على الأمكنة، وهذا اتجاه جميل، يزيد في التشويق، والانتقال من بيئة إلى أخرى، بكل ما فيها من مناظر وملامح الحياة، من دارين، إلى الزبارة، إلى الشواطئ الإيرانية إلى خورفكان إلى مسقط إلى بومبي إلى «الرس» وغيرها، وهذا ما أضفى على الرواية بعدًا تشويقيًا رائعًا، وإن كنت أتمنى زيادة استخدام البديع والبيان في السرد. رواية «الشراع المقدس» لم أُكملها، ولكنها أيضًا تصبّ في اهتمامات الأخ عبد العزيز المحمود في قراءة التاريخ، وهي ترصد حقبة مهمة من الحقب التي مرت بها منطقة الخليج.
* دراستك ركزت على أثر البيئة في اتجاهات الرواية القطرية.. كيف تصفه؟
- البيئة مهمة في العمل الروائي، لأن الرواية تخدم المجتمع، ولا بد للروائي من تقديم البيئة تقديمًا جيدًا، حتى وإن كانت الرواية متخيلة، أنا تحدثت عن البيئة في كتاب «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات»، لأن أولى التجارب الروائية قد صورت البيئة تصويرًا جيدًا، نقل الصورة عن المجتمع القطري للقارئ العربي، وهذا من أهداف الرواية. إن روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم قد نقلت البيئة نقلاً تصويريًا جميلاً عن المجتمع الذي تحدث فيه الرواية، لذا، أقول هنا: لا بد من تمثيل البيئة في العمل الروائي، ولا نخلق له «واقعًا افتراضيًا» يخصنا لوحدنا، أما كيف أصف ذلك، فإن الأعمال الروائية القطرية قد التصقت بعملية التحول من القرية إلى المدينة، ومن العمل البسيط في التجارة إلى العمل في النفط، ونشوء الشركات، وتطور الإدارة، وأثر التعليم في حياة المجتمع، لذا أستطيع القول إن الرواية القطرية قد صوّرت البيئة القطرية خير تصوير، ووجدت ذلك في أعمال شعاع خليفة ودلال خليفة ومريم آل سعد، وأيضًا في روايتي «أحضان المنافي» و«الموتى يرفضون القبور».
* هناك تحولات ثرية شهدها المجتمع الخليجي والقطري لماذا لم يتحول التاريخ والتراث والأساطير والأحداث التي شهدها الخليج إلى ملهم في كتابة الرواية بشكل أكبر..؟
- استلهام التراث والأساطير من الموضوعات المهمة في إثراء الرواية الخليجية عمومًا. لقد حاول بعض الروائيين استلهام التراث والأساطير في الرواية، كما فعل صديقنا الدكتور سعيد السيابي من عمان في رواية «جبرين وشاء الهوى»، وكذلك فعل صديقنا الروائي القطري عيسى عبد الله في «كنز سازيران» وما بعدها، وأيضًا أعجبت بما قام به الروائي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل في رواية «الظهور الثاني لابن لعبون»، التاريخ فيه مشاهد كثيرة يمكن استلهامها وتصويرها من جديد برؤية حديثة، ولكن لا أريد أن تتحول الرواية إلى ما تحول إليه المسرح، من حيث الإغراق في «الثيمة» البحرية، والمتمثلة في عشق البحار لابنة «النوخذا»، ومهرها «الدانة» فلقد صار إغراق كبير في هذا الشأن.
* هل تعتقد أن مجتمعا صغيرًا ثريًا وناشئًا على ضفاف البحر، ليست لديه حكاية يرويها..؟
- أن يكون هنالك مجتمع صغير وثري على ضفاف الخليج، ليس لديه حكاية يرويها! بالطبع لا. لأن التراث الخليجي ثري بالحكايا والصور والمواقف، ولكن نحن نعاني من «انفصام» و«تنكّر» لكل ما هو ماضي، أو تراثي. أنا لا أريد أن أوغل في التمسك بالتراث، ولكن أسعى لترسيخ القيم، وآباؤنا قالوا: «الأولون ما تركوا للآخرين شيئًا». طبعًا أنا لا أعتبر هذه قاعدة، ولكن فعلاً المعرفة والثقافة في انحدار، وثقافة الإلهاء والتسطيح في تصاعد، وأنا أخشى من هذا الوضع المخيف. مجتمع الخليج لديه حكاية، يمكن أن يستخدمها في القص والرواية، ولكن نحتاج إلى الرؤية المتعمقة في دراسة أحوالنا السياسية والاجتماعية، وأن تكون الرواية مسبارًا حقيقيًا للتغير في حياة المجتمعات، لا أن تكون « ترفًا» فكريًا يضخم « الأنا» لدى البعض.
* هناك مهرجان «كتارا» للرواية العربية.. كيف لهذه الجائزة ولعموم فعاليات الحي الثقافي الكثيرة أن تثمر في المشهد الثقافي القطري..؟
- سؤالك عن جائزة «كتارا» للرواية العربية ذو شجون، أنا مع كل جائزة جديدة تدعم الإبداع العربي، وأنا شاركت في الدورتين السابقتين للجائزة ولم أفز.. ولم أزعل. ولكن تفتحت أسئلة في الدورة الثانية للجائزة، ومنها: هل من المعقول أن تنافس 100 رواية خليجية لست دول، مع 750 رواية من مصر والسودان؟ هذا سؤال مشروع! ثم إن الأسماء العربية في عالم الرواية، لا يمكن أن تنافسها الأسماء الخليجية.. وتلك إشكالية أخرى في تنظيم الجائزة. أنا أرى أن يتم التوصل إلى صيغة لا تحرم الفضاء الخليجي من الفوز بالجائزة، وهذا حق، لأن مصدر الجائزة خليجي وقطري. ثم إنني أريد أن أوضح أن هنالك إشكالية كبرى في تشكيل لجان التحكيم في الجوائز العربية؟ وكان لدي رأي في تشكيل لجنة الحكماء في الدورة الأولى، أنا أرى أنها كانت بحاجة إلى مراجعة.
أعتقد أننا بحاجة إلى البحث عن أهداف الجوائز العربية، وهذا حديث كثير من الأدباء والمبدعين العرب، لقد قرأت رواية فازت بجائزة عربية محددة، ورواية أخرى فازت بجائزة أخرى، وكان مستوى الروايتين متواضعًا، ولربما صُنفت الجائزة طبقًا لتوزيعات جغرافية. أنا فعلاً أستغرب من اتجاهات لجان التحكيم في جوائز مسابقات الرواية العربية، وهذا يفقدها المصداقية!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.