د. أحمد عبد الملك: الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها «غشماء السرد»!

القطريون بدأوا كتابة الرواية عام 1993 وأنتجوا 23 منها في ربع قرن

د. أحمد عبد الملك
د. أحمد عبد الملك
TT

د. أحمد عبد الملك: الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها «غشماء السرد»!

د. أحمد عبد الملك
د. أحمد عبد الملك

خلافًا لدول الخليج التي تتقاسم معها الطبيعة الاجتماعية والثقافية، لم تظهر الرواية في دولة قطر إلا متأخرة جدًا، وتحديدًا في عام 1993، على الرغم من أن الأدب القطري هو جزء من أدب الخليج والجزيرة العربية المنطقة، التي عرفت السرد منذ قرون، وظهرت فيها الرواية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وفي دراسة مهمة ومسحية، قام بها الناقد والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، تحمل عنوان «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015 ترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عامًا منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.
يتحدث الدكتور أحمد عبد الملك في الحوار التالي مع «الشرق الأوسط» الذي أجري معه في الدوحة، عن بدايات التجربة الروائية في قطر، وأسباب تأخرها، وعناصر التأثير فيها. وكذلك قلة المنتج الروائي القطري قياسًا بالفنون الإبداعية الأخرى، فالإنتاج الروائي القطري الذي يمتلك الشروط الفنية للرواية، لم يتعدَّ 23 رواية خلال نحو ربع قرن.
الدكتور أحمد عبد الملك، كاتب وناقد، وإعلامي، وله ست تجارب روائية، هي: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011).. ويصدر له هذا الأسبوع رواية «الموتى يرفضون القبور» (2016)، ورواية «شو» (تحت الطبع).. وكتب في النقد الأدبي، بينها الدراسة الأخيرة عن «الرواية القطرية».
* هل لك أن تحدثنا عن البدايات.. لماذا تأخر ظهور الرواية القطرية حتى عام 1993 تاريخ صدور الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة؟
- بدايات الرواية القطرية كانت في عام 1993، عندما أصدرت الكاتبة شعاع خليفة أولى الروايات وهي «العبور إلى الحقيقة»، ثم أعقبتها برواية «أحلام البحر القديمة»، التي أشارت فيها إلى أنها كتبتها عام 1990. كما أصدرت أختها دلال خليفة روايتها الأولى «أسطورة الإنسان والبحيرة»، وبذلك تكون الأختان شعاع ودلال خليفة رائدتي العمل الروائي في قطر.
وتوالت روايات الأختين بعد ذلك، حيث أصدرت شعاع «في انتظار الصافرة» عام 1994، وأصدرت دلال «أشجار البراري البعيدة» عام 1994 ثم «من البحّار القديم إليك» عام 1995 ثم «دنيانا.. مهرجان الأيام والليالي» عام 2000. ومنذ عام 2005 أصدرتُ أنا رواية «أحضان المنافي»، ثم «القنبلة» عام 2006، ثم «فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج» عام 2009، ثم «الأقنعة» عام 2011، ثم «الموتى يرفضون القبور» عام 2016، ورواية أخرى في المطبعة هذه الأيام هي «شو». وأصدرت الكاتبة مريم آل سعد رواية «تداعي الفصول» عام 2007، ثم أصدرت نورة آل سعد رواية «العريضة» عام 2010، وأصدر الكاتب عبد العزيز المحمود رواية «القرصان» عام 2011، ورواية «الشراع المقدس» عام 2014، وأصدر جمال فايز رواية «زبد الطين» عام 2013، كما أصدر عيسى عبد الله رواية «كنز سازيران» عام 2013، ورواية «بوابة كتارا وألغاز دلمون» عام 2014، ورواية «شوك الكوادي» عام 2015، وأصدرت شمة الكواري رواية «نوافير الغروب» عام 2014، وكذلك رواية «روضة أزهار الياسمين» عام 2014، و«هتون نور العيون» عام 2015. وأصدرت أمل السويدي رواية «الشقيقة» عام 2014.
أما سبب تأخر ظهور الرواية القطرية، فلا توجد أسباب محددة، حيث كان الكُتاب والكاتبات منهمكين في القصة القصيرة، ومعظم الذي كتبوا الرواية كانوا في الأساس من كتاب القصة القصيرة. وأعتقد أن اطلاع المبدعين القطريين على النماذج الحديثة في الرواية قد أسهم في ظهور الرواية القطرية.
* أيضًا كيف تفسّر قلة الأعمال الروائية في قطر، في كتابك «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات» أحصيت نحو 23 رواية قطرية تمتلك فعلاً شروط الرواية الفنية؟
- قلة الأعمال الروائية القطرية، راجع لطبيعة حجم سكان البلد، وبالتالي نسبة المبدعين فيه، ناهيك بأن العمل الإبداعي له اشتراطات، ولقد بينت أنا ذلك في كتاب (الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات)، لأن كثيرًا من الكتاب والكاتبات قد مارسوا كتابة الرواية دون إلمام بالخصائص السردية التي تحكم الرواية، وللأسف، هناك كثير من المخالفات والمغالطات في تثبيت مدلول مفهوم الرواية، ولقد أصبح الجميع يكتب رواية، دون أن يكون قد قرأ رواية واحدة! وهذه إحدى إشكاليات الإنتاج الضعيف الذي نراه اليوم.
* أنت شخصيًا لديك أربع تجارب روائية: «أحضان المنافي»، و«القنبلة»، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج»، و«الأقنعة».. أين تضع هذه الأعمال في سياق التجربة الروائية في قطر..؟ لماذا لم تُضَمِّنْها في دراستك عن الرواية القطرية؟
- نعم، لدي أربع روايات، وسيكون الرقم ستة روايات عند نشر هذا الحديث، حيث وقَّعْت رواية «الموتى يرفضون القبور»، وهنالك رواية أخرى في المطبعة اسمها «شو». أما أين أضع أعمالي في سياق التجربة الروائية في قطر، فأنا تجاوزت الهم الاجتماعي أو استحضار الماضي في رواياتي، وقفزت إلى المستقبل كما هو الحال في رواية «فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج» حيث تتحدث عن مملكة من ممالك الخليج بعد 50 عامًا من عام 2009، وأيضًا رواية «الأقنعة» التي حبكت حول جريمة تقع في فندق بلندن، وأيضًا رواية «الموتى يرفضون القبور» حيث فلسفة الموت والحياة، وأن الأحداث أغلبها تدور في المقبرة. أما لماذا لم أضمِّن أعمالي تلك الدراسة حول الرواية القطرية، فأعتقد أن هذا هو الأصول والأمانة الأدبية، فأنا لا أستطيع تقييم أعمالي، وأترك للآخرين ذلك. وهذا يزيد من مصداقية الدراسة التي قدمتها.
* ذكرت في كتابك أن بعض التجارب الروائية في قطر خلطت بين القصة القصيرة والرواية، أو بين الرواية والخواطر الذاتية والإنشاء.. أليست هذه أزمة الرواية العربية عمومًا وليست خاصة بقطر..؟
- نعم، هنالك التباس في المصطلح لدى كثيرين ممن يكتبون الرواية! وأنا تحدثت عن هذا كثيرًا، هنالك من كتب ما سماها رواية، دون أن يدرك الخصائص السردية التي تشّكل الرواية أو تكون إطارًا علميًا لها. كثيرون كتبوا خواطر أو ذكريات سفر، أو هواجس ليل، وسموها رواية! وهذا خلط غير حميد، أنا لم أكتب روايتي الأولى إلا بعد أن عكفت على قراءة أكثر من خمسين رواية متنوعة بين الأدب العربي واللاتيني والأوروبي والشرقي أيضًا. الرواية مساحة نبيلة للتعبير ولا يجوز أن يلجها من سماهم صديقي الدكتور عبد الله إبراهيم «غشماء السرد»! نعم، لا توجد جهة تحدد المسار، أو تفرز المفاهيم، والكل صار يعلّق آماله في الشهرة على الرواية، لا أختلف معك على أنها أزمة الرواية العربية، ولكن «الزبد» تذروهُ الرياح، وحتمًا سوف يأتي جيل يدرك المعاني النبيلة للرواية، حتى وإن تعلق «غشماء» السرد بالواقع الافتراضي لهم، وتفاخروا بالآلاف أو مئات الآلاف من المتابعين على الواقع الافتراضي. الكتابة النبيلة يجب أن تحترم اللغة، وتقدم للقارئ بديع اللغة، وحرفنة الوصل والتواصل بين الشخصيات وتطوراتها، وكثيرًا من الأعمال سادتها أخطاء نحوية وعدم اهتمام بتطور الشخصيات أو الاهتمام بالزمكانية أو تطور الحدث.
* هل تراجعت الرواية لوحدها من بين الأجناس الأدبية والفنون الأخرى، لوحدها في قطر..؟ بمعنى هل هناك اتجاه نحو أجناس إبداعية أخرى..؟
- كلا، الرواية تسير في سرعة مذهلة نحو التطور، ولم تتراجع، وهي أداة ناجعة للتعبير عن المجتمعات، حيث تغني عن المقالة أو المسرح أو الأغنية، التي تحاصرها الرقابة في بعض الدول. لقد تراجع المسرح نظرًا للظروف السياسية التي ألمت بالعالم العربي، بل وتراجع الشعر العربي، مع التقدير لدور الشعر الشعبي! لم ألحظ أجناسًا أخرى في الإبداع، لكن القصة والرواية في تقدم، والدليل أن جيل الشباب بدأ يقرأ القصة والرواية، وبعضهم يكتبها، وله محاولات جيدة تستحق التشجيع.

البيئة والتراث

* كيف تقّيم تجربة عبد العزيز المحمود، الذي أصدر روايتين: «القرصان» و«الشراع المقدس»..؟
- تجربة الأخ عبد العزيز المحمود تجربة فريدة، فأنا لم أعرفه قاصًا ولا روائيًا من قبل، قدر ما كان صحافيًا مقتدرًا. أنا قرأت رواية «القرصان» بشغف، ولن أناقشها من حيث اقترابها من صدقية التاريخ، كلا، أنا قرأتها قراءة فنية، ورأيت فيها لوحة تاريخية معبّرة عن مأساة «ارحمة بن جابر» المقلب بالقرصان، وأعجبني فيها تقسيم فصول الرواية على الأمكنة، وهذا اتجاه جميل، يزيد في التشويق، والانتقال من بيئة إلى أخرى، بكل ما فيها من مناظر وملامح الحياة، من دارين، إلى الزبارة، إلى الشواطئ الإيرانية إلى خورفكان إلى مسقط إلى بومبي إلى «الرس» وغيرها، وهذا ما أضفى على الرواية بعدًا تشويقيًا رائعًا، وإن كنت أتمنى زيادة استخدام البديع والبيان في السرد. رواية «الشراع المقدس» لم أُكملها، ولكنها أيضًا تصبّ في اهتمامات الأخ عبد العزيز المحمود في قراءة التاريخ، وهي ترصد حقبة مهمة من الحقب التي مرت بها منطقة الخليج.
* دراستك ركزت على أثر البيئة في اتجاهات الرواية القطرية.. كيف تصفه؟
- البيئة مهمة في العمل الروائي، لأن الرواية تخدم المجتمع، ولا بد للروائي من تقديم البيئة تقديمًا جيدًا، حتى وإن كانت الرواية متخيلة، أنا تحدثت عن البيئة في كتاب «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات»، لأن أولى التجارب الروائية قد صورت البيئة تصويرًا جيدًا، نقل الصورة عن المجتمع القطري للقارئ العربي، وهذا من أهداف الرواية. إن روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم قد نقلت البيئة نقلاً تصويريًا جميلاً عن المجتمع الذي تحدث فيه الرواية، لذا، أقول هنا: لا بد من تمثيل البيئة في العمل الروائي، ولا نخلق له «واقعًا افتراضيًا» يخصنا لوحدنا، أما كيف أصف ذلك، فإن الأعمال الروائية القطرية قد التصقت بعملية التحول من القرية إلى المدينة، ومن العمل البسيط في التجارة إلى العمل في النفط، ونشوء الشركات، وتطور الإدارة، وأثر التعليم في حياة المجتمع، لذا أستطيع القول إن الرواية القطرية قد صوّرت البيئة القطرية خير تصوير، ووجدت ذلك في أعمال شعاع خليفة ودلال خليفة ومريم آل سعد، وأيضًا في روايتي «أحضان المنافي» و«الموتى يرفضون القبور».
* هناك تحولات ثرية شهدها المجتمع الخليجي والقطري لماذا لم يتحول التاريخ والتراث والأساطير والأحداث التي شهدها الخليج إلى ملهم في كتابة الرواية بشكل أكبر..؟
- استلهام التراث والأساطير من الموضوعات المهمة في إثراء الرواية الخليجية عمومًا. لقد حاول بعض الروائيين استلهام التراث والأساطير في الرواية، كما فعل صديقنا الدكتور سعيد السيابي من عمان في رواية «جبرين وشاء الهوى»، وكذلك فعل صديقنا الروائي القطري عيسى عبد الله في «كنز سازيران» وما بعدها، وأيضًا أعجبت بما قام به الروائي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل في رواية «الظهور الثاني لابن لعبون»، التاريخ فيه مشاهد كثيرة يمكن استلهامها وتصويرها من جديد برؤية حديثة، ولكن لا أريد أن تتحول الرواية إلى ما تحول إليه المسرح، من حيث الإغراق في «الثيمة» البحرية، والمتمثلة في عشق البحار لابنة «النوخذا»، ومهرها «الدانة» فلقد صار إغراق كبير في هذا الشأن.
* هل تعتقد أن مجتمعا صغيرًا ثريًا وناشئًا على ضفاف البحر، ليست لديه حكاية يرويها..؟
- أن يكون هنالك مجتمع صغير وثري على ضفاف الخليج، ليس لديه حكاية يرويها! بالطبع لا. لأن التراث الخليجي ثري بالحكايا والصور والمواقف، ولكن نحن نعاني من «انفصام» و«تنكّر» لكل ما هو ماضي، أو تراثي. أنا لا أريد أن أوغل في التمسك بالتراث، ولكن أسعى لترسيخ القيم، وآباؤنا قالوا: «الأولون ما تركوا للآخرين شيئًا». طبعًا أنا لا أعتبر هذه قاعدة، ولكن فعلاً المعرفة والثقافة في انحدار، وثقافة الإلهاء والتسطيح في تصاعد، وأنا أخشى من هذا الوضع المخيف. مجتمع الخليج لديه حكاية، يمكن أن يستخدمها في القص والرواية، ولكن نحتاج إلى الرؤية المتعمقة في دراسة أحوالنا السياسية والاجتماعية، وأن تكون الرواية مسبارًا حقيقيًا للتغير في حياة المجتمعات، لا أن تكون « ترفًا» فكريًا يضخم « الأنا» لدى البعض.
* هناك مهرجان «كتارا» للرواية العربية.. كيف لهذه الجائزة ولعموم فعاليات الحي الثقافي الكثيرة أن تثمر في المشهد الثقافي القطري..؟
- سؤالك عن جائزة «كتارا» للرواية العربية ذو شجون، أنا مع كل جائزة جديدة تدعم الإبداع العربي، وأنا شاركت في الدورتين السابقتين للجائزة ولم أفز.. ولم أزعل. ولكن تفتحت أسئلة في الدورة الثانية للجائزة، ومنها: هل من المعقول أن تنافس 100 رواية خليجية لست دول، مع 750 رواية من مصر والسودان؟ هذا سؤال مشروع! ثم إن الأسماء العربية في عالم الرواية، لا يمكن أن تنافسها الأسماء الخليجية.. وتلك إشكالية أخرى في تنظيم الجائزة. أنا أرى أن يتم التوصل إلى صيغة لا تحرم الفضاء الخليجي من الفوز بالجائزة، وهذا حق، لأن مصدر الجائزة خليجي وقطري. ثم إنني أريد أن أوضح أن هنالك إشكالية كبرى في تشكيل لجان التحكيم في الجوائز العربية؟ وكان لدي رأي في تشكيل لجنة الحكماء في الدورة الأولى، أنا أرى أنها كانت بحاجة إلى مراجعة.
أعتقد أننا بحاجة إلى البحث عن أهداف الجوائز العربية، وهذا حديث كثير من الأدباء والمبدعين العرب، لقد قرأت رواية فازت بجائزة عربية محددة، ورواية أخرى فازت بجائزة أخرى، وكان مستوى الروايتين متواضعًا، ولربما صُنفت الجائزة طبقًا لتوزيعات جغرافية. أنا فعلاً أستغرب من اتجاهات لجان التحكيم في جوائز مسابقات الرواية العربية، وهذا يفقدها المصداقية!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».