أمين عام «أوبك» الأسبق: دول المنظمة «تعلمت الدرس».. وتبحث اليوم عن «سعر عادل»

شهاب الدين أكد لـ «الشرق الأوسط» أن مرحلة «شد الأحزمة» قد تستغرق ثلاث سنوات

الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
TT

أمين عام «أوبك» الأسبق: دول المنظمة «تعلمت الدرس».. وتبحث اليوم عن «سعر عادل»

الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)

الجميع اليوم أصبح مقتنعا بأننا لم نعد نتطلع لمستويات 140 أو 150 دولارا لبرميل النفط، بل إلى أسعار عادلة لنفوطنا رخيصة التكلفة، وعليه يجب أن نحافظ على سعر معقول يحقق لنا عائدا معقولا. هذا ما يراه الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
شهاب الدين، الذي يشغل حاليًا مدير عام مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، يرجح من خلال خبرته الطويلة في دهاليز (أوبك) التوصل لاتفاق في اجتماع دول المنظمة نهاية الشهر الحالي، مبينًا أن دول المنظمة تعلمت «الدرس» بعد أن فشلت في التنبؤ بالقدر الكافي باحتياجات السوق واستجابتها للأسعار المرتفعة؛ وبالتالي عدم قدرتها المحافظة على التوازن.
رغم كل ذلك، يرى شهاب الدين أن الروس سيطرحون خلال الاجتماع مسألة التعاون في فصل الشتاء وهي نفس الورقة التي يكررونها دائمًا، مطالبًا بوجوب الحذر مع الاستفادة قدر الإمكان من المتاح.
ويعتقد الأمين العام السابق لأوبك بأهمية وجود تفاهم مع كل من العراق وإيران بشأن حصص ومستويات الإنتاج، أخذًا بالاعتبار متطلباتهما الخاصة، لكن يجب ألا يكون ذلك «بابًا مفتوحًا». وعلق شهاب الدين في الحوار أيضًا على إعلان البعض «وفاة» أوبك وانحسار دورها، والدور السعودي والخليجي القيادي للمنظمة، إلى جانب التحولات في مراكز الطاقة على مستوى العالم.
وإلى تفاصيل الحوار..
* كيف تنظر إلى التغير في محركات الطاقة في العالم؟
- من الواضح أن العالم ليس ثابتًا، كنا نتحدث دائمًا أن منطقة الشرق الأوسط هي المصدر الرئيسي للطاقة الأحفورية، وبالذات النفط والغاز، بالنسبة إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية الموجودة في أميركا الشمالية وأوروبا وجزء منها في اليابان. اليوم أصبحنا ننظر حتى في موضوع النفط والغاز، فمصادر الإنتاج تنوعت مع الوقود الأحفوري وتقنياته.
وأميركا الشمالية أصبحت تنتج كميات كبيرة، في الوقت نفسه الاستهلاك والتصدير الرئيسي تحول عوضًا عن أن يذهب إلى أميركا الشمالية وأوروبا، أصبح يذهب اليوم إلى دول آسيا وبالذات الصين والهند.
طبعًا نتحدث عن أفريقيا قادمة في الطريق، لأن النمو الاقتصادي فيها خلال العقود القادمة سيكون متسارعا.. وأيضًا تنوع المصادر، كنا نتحدث عن النفط كأساس وبدرجة ثانية الغاز، اليوم نتحدث عن الغاز والنفط لا يزال يلعب دورا، لكن الطاقة المتجددة أصبحت تلعب دورًا رئيسيا. كنا نتحدث عن الطاقة النووية التي تراجعت بعض الشيء على الأقل مؤقتًا نتيجة للحوادث التي تعرضت لها في تشرنوبيل ثم في فوكوشيما، أيضًا لأن اقتصاديات الطاقة النووية لم تعد منافسة لبعض التقنيات الحديثة في إنتاج الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والرياح، وأيضًا مع انخفاض أسعار النفط.
كل هذه التحولات تعطينا درسا أنه لا يمكن أن ننظر إلى نظام الطاقة على أساس أنه «نظام جامد» يعتمد عليه ويعتد بالعمل فيه لأمد طويل، هذه الحقيقة لم تعد قائمة، وبالتالي الدول التي تعتمد اقتصادياتها بالدرجة الأولى على إنتاج وتصدير النفط والغاز، مثل السعودية ودول الخليج، أصبحت مطالبة اليوم بأن تكون مستعدة للتحرك السريع والتعامل مع التغيرات الرئيسية، سواء التقنية أو في الاقتصاد العالمي سواء في الإنتاج أو الاستهلاك.
* الفترة الماضية شهدت انخفاضات كبيرة في أسعار النفط، وتأثرت دول الخليج بدرجة كبيرة نتيجة لذلك، كيف تقرأ تعاطي دول الخليج ومنظمة (أوبك) مع هذه الفترة الحرجة التي مرت بها من ناحية التنسيق والمحافظة على الأسعار؟
- قبل الحديث عن العامين الماضيين، دعني أرجع للوراء عشر سنوات عندما بدأت الأزمة المالية العالمية في 2007 واستمرت حتى 2009. والحقيقة لعبت دول (أوبك) خلال هذه المرحلة دورا رئيسيا في استعادة الاقتصاد العالمي عافيته، ويسجل لـ«أوبك» أنها سحبت من الأسواق العالمية نتيجة للانخفاض الحاد في الطلب على النفط والطاقة بشكل عام، ما يعادل 4 ملايين برميل من الأسواق، وعندما بدأ الاقتصاد العالمي يستعيد توازنه وينطلق للأمام كانت دول (أوبك) مستعدة لإعادة ضخ هذه الكميات للسوق النفطية. ما حصل أنه في 2009 و2010 ربما تأخرت دول (أوبك) في الاستجابة لمتطلبات السوق، بمعنى أننا شاهدنا الأسعار انخفضت في 2007 إلى 20 و30 دولارا للبرميل، لكنها عادت مرة أخرى إلى مستويات 40 و50 و70 دولارا، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله تحدث في 2009 و2010 أن السعر العادل للنفط هو 70 دولارا للبرميل في ذلك الوقت، وكان الوزير السابق النعيمي يتحدث بنفس الاتجاه، حتى الوزير الفالح وقتها عندما كان رئيسًا لأرامكو كان يؤكد نفس الأمر.
السعر العادل الذي يحقق التوازن ومصلحة الطرفين هو 70 دولارا للبرميل، ومن أجل المحافظة على هذا السعر العادل وهذا التوازن كان يطلب من دول (أوبك) أن تحتفظ بكميات من الطاقة أو القدرة الإنتاجية احتياطية، وهذا كان يتطلب استثمارًا. ما حصل أنه ربما لم نستطع أن نتنبأ بالقدر الكافي باحتياجات السوق وباستجابة السوق للأسعار المرتفعة عندما لم تستطع دول (أوبك) المحافظة على هذا التوازن، عندما ارتفعت الأسعار إلى 120 دولارًا ساهم هذا الارتفاع الحاد في الإسراع في تطوير تقنيات سواء في مجال النفط الصخري أو مصادر أخرى للطاقة البديلة، ارتفاع الأسعار الحاد الذي لم نستطع كبح جماحه في الوقت المناسب أدى إلى هذه التغيرات.
وأصبحنا في العام 2014 أمام أمر واقع، يحتم علينا أن ننسى الماضي ونتعامل مع الحاضر والمستقبل، لم يكن أمام السعودية ودول الأوبك والخليج بالذات إلا أن تعيد النظر في أن القضية الأساسية اليوم ليست المحافظة على أسعار مرتفعة، بل كيف نتعامل مع الوضع الجديد والتنافس الموجود على النفوط منخفضة التكلفة (النفط الخليجي) مقابل المرتفعة التكلفة التي بدأت تزاحم النفوط في الأسواق العالمية. وكان لا بد من إجراء هذا التعديل وأن يكون هناك نوع من التضحية وشد الأحزمة، وأعتقد أن هذا ما نشهده حاليًا، وهذا يتطلب مرحلة تتراوح ما بين سنتين أو ثلاث.
إذن قرار (أوبك) في 2014 ربما جاء متأخرا بعض الشيء – على الأقل في تقديري الشخصي – وما كان يجب أن تصل الأسعار لمستويات 140 – 150 دولارا، على أي حال القرار السليم والحكيم هو كما يقولون «الأفضل الآن وليس متأخرًا»، وبدأت دول (أوبك) إعادة النظر في سياستها، طبعًا ليست كل دول الأوبك ترغب في هذا القرار، لأن في بعض دول أوبك مصلحتها هي مصلحة قصيرة الأجل لعدم امتلاكها احتياطيات كبيرة، وبالتالي لا بد أن ننتظر جميعًا حتى يستوعب الجميع الدرس، مر عامان منذ العام 2014 وحتى 2016.. وأعتقد الجميع اليوم أصبح مقتنعا أننا لم نعد نتطلع لمستويات 140 – 150 دولارا للبرميل، بل إلى أسعار عادلة لنفوطنا رخيصة التكلفة، وعليه يجب أن نحافظ على سعر معقول يحقق لنا عائدا معقولا، لكن في الوقت نفسه لا يجعل من مصادر الطاقة مرتفعة التكلفة تنافسنا وتخرجنا من الأسواق العالمية.
والقرار الذي اتخذ في الجزائر قد يكون الوقت حان، طالما الأسواق استعادت توازنها، أن نحافظ على الأسعار في مستويات الـ50 دولارا.. كيف نحافظ عليها؟ هنا يجب أن يعي الجميع الدرس الحاصل، وألا يطلق العنان لإنتاجه، وقد بدأنا نسمع ملاحظات حتى من روسيا.
* هل تعتقد أن روسيا هي الأخرى تعلمت الدرس أسوة بدول (أوبك)؟
- لا شك عندما يظهر رئيس روسيا فلاديمير بوتين ويعلن أنه على استعداد للتعاون مع دول (أوبك)، ويحضر وزير الطاقة الروسي اجتماعات وزراء الأوبك في الجزائر، كما يحضر خبراء من روسيا في اجتماع رفيع المستوى في فيينا، لا شك أن هذا مؤشر على «رغبة».. في النهاية كل دولة ستحاول أن تعظم من مكاسبها وتقلل من خسائرها، لكن الجميع يجب أن يشارك، أتصور أن روسيا في هذا المجال مستعدة في الوقت الحاضر لأن ظروفها الاقتصادية تجبرها على التعاون مع دول أوبك.
أعتقد أن المشكلة الرئيسية الآن داخل (أوبك) أكثر منها مع روسيا، لا بد أن يحدث تفاهم مع كل من العراق وإيران، لأن من غير تفاهم معهما بشأن حصص ومستويات الإنتاج، أخذًا بالاعتبار متطلباتهما الخاصة، لكن يجب ألا يكون ذلك بابًا مفتوحًا، يجب أن تكون في حدود المعقول، وهذا ما طرحته السعودية ودول الخليج عندما أعلنت عن استعدادها لتخفيض 4 في المائة من إنتاجها، في إطار أن تلتزم الأطراف الأخرى بمستويات إنتاج معقولة.
أتصور نحن في الاتجاه الصحيح قد يصادفنا بعض المطبات لكن أعتقد الدرس تعلمناه، وهذا يعني أننا في المستقبل عندما تصل الأسعار 60 أو 70 دولارا، يجب أن نكون حذرين ويكون لدينا قضيتان أساسيتان، الأولى الاستثمار بحيث يكون لدينا سعة إنتاج إضافية كافة لتلبية احتياجات الأسواق إذا ارتفعت الأسعار، حتى لا تقفز الأسعار مرة أخرى لمستويات 100 دولار ونجد أنفسنا في دورة أخرى تساعد على ظهور النفوط مرتفعة التكلفة ومصادر الطاقة البديلة.
وأيضا حاليًا لدينا تحدٍ أساسي للنفط لم يظهر بعد بشكل واضح، وهو السيارات الكهربائية، ومن أجل أن تنتشر بسرعة في العالم تحتاج إلى بطاريات بتقنيات تختلف عن البطاريات الحالية، سعتها التخزينية عالية، سعة الشحن سريعة وقليلة التكلفة، لم نصل بعد لهذه التقنية لكن هناك تقدم، لذلك علينا أن نكون حذرين بعدم السماح للأسعار بالارتفاع بشكل يجعل هذه التقنيات تتطور بشكل سريع وتزاحم النفط بالدرجة الأولى لأن النفط أصبح محصورًا تقريبًا في المواصلات، وإذا تحولت إلى كهرباء مع طاقة بديلة يعني أن قيمة النفط ستقل.. طبعًا لن نستطيع أن نمنع تطور التقنية، لكن يمكننا لعب دور في سرعة تحول التقنية من خلال محافظتنا على أسعار معتدلة وعمل استثمار حقيقي لإيجاد قدرات إنتاجية فائضة تتطلب التضحية لكنها تضحية مفيدة، أيضًا إيجاد مصادر للطاقة النظيفة نستطيع داخل دولنا نستثمر فيها بحيث يتحول بعض إنتاجنا من النفط إلى تصدير.
* من واقع خبرتك في منظمة أوبك كأمين عام سابق، كيف تقرأ الاجتماع القادم في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي وإمكانية التوصل لاتفاق؟
- من الصعب جدًا التنبؤ باجتماعات أوبك، اجتماع باجتماع، لكن تستطيع قراءة مؤشرات على الاتجاه الذي يسيرون عليه. لا أستطيع الجزم بأن الاجتماع القادم سيكون ناجحًا ويتم فيه التوصل لاتفاق للمحافظة على الأسعار في المستوى الحالي أو ترتفع قليلاً، قد يتأخر هذا القرار نتيجة لبعض المفاوضات، لكنني متأكد أن هناك قرارا بالتوجه السليم، فإذا لم يتم التوصل لاتفاق في 30 نوفمبر ربما يعقد اجتماع آخر بعد شهر أو شهرين للتوصل لنتيجة. قراءتي أننا نتجه لاتفاق، وهناك احتمال كبير للوصول لاتفاق في نهاية الشهر الحالي، وإذا لم نصل لاتفاق في 30 نوفمبر، من خبرتي في أوبك سيكون هناك اتفاق بعده بفترة بسيطة.
* البعض يطرح مخاوف حول مدى الالتزام الروسي بأي اتفاقات قد يتم التوصل إليها مع (أوبك)، وهناك تجارب عملية لإخلال الروس باتفاقات سابقة، هل تعتقد أن هذه المرة مختلفة؟
- ذكرت سابقًا أن الروس لديهم رغبة في استقرار الأسعار أو أن ترتفع بعض الشيء، طبعًا سيحاولون المحافظة على أعلى قدر من المكاسب، لكن أيضًا سيكونون حذرين بألا يكونوا سبب انهيار الأسعار. أتصور أن روسيا ستتعاون لكن ليس بالقدر الكافي، روسيا دائمًا تقول: «مستعدة للتعاون عندما تكون الأمور الفنية تساعدني على ذلك، فمثلاً في فصل الشتاء إنتاجي يمر بمراحل صيانة وخلال هذه الفترة مستعدة للمساهمة»، هذا التوجه سمعناه منهم عدة مرات وأعتقد أنهم سيلعبون بنفس هذه الورقة، نحن يجب أن نكون حذرين لكن نستفيد من المتاح، المرحلة القادمة تتطلب من الجميع الحكمة، تأخذ المتاح وتضغط في اتجاه تحقيق المصلحة الأكبر.
* ماذا عن دور الأوبك كمنظمة ومستقبلها، وصل بالبعض لإعلان وفاتها عدة مرات، كيف تعلق؟
- منظمة الأوبك -ومنذ إنشائها- هنالك حديث أن دورها انحسر ولم يعد مهمًا في عدة مراحل من تاريخ المنظمة، ودائمًا أقول إذا لم يكن هناك منظمة اسمها (أوبك) سيكون هناك رغبة لإنشاء منظمة على غرارها، هذا لا يعني أن الأوبك منظمة التفاهم والتجانس قائم فيها باستمرار، ليس فقط لأسباب اقتصادية بل أحيانًا لأسباب سياسية وربما أسباب دول تمر بتقلبات، وبالتالي ليس من الخيال بل من الواقع أن أوبك دورها يمر بمد وجزر، بعض الأحيان تتضافر الجهود والعوامل بحيث تلعب أوبك دورا رئيسيا وهي متجانسة باتخاذ القرار، وأحيانًا تمر بمراحل صعبة سواء داخليًا أو قد تتعرض لضغوط خارجية.
أوبك لا شك في 2007 لعبت دورا رئيسيا، وفي 2009 لعبت كذلك دور بناء ورئيسيا، بعدها الكل تناسى وأصبح يبحث عن مصلحته الآنية ويرفع الإنتاج إلى أقصى حدود دون النظر لما يدور في العالم. أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة ومرة أخرى دور الأوبك سيفعل، ليس في تحديد الأسعار، بل في اتخاذ القرار المناسب للتأثير على الأسعار في الاتجاه الذي يحافظ على مصلحة الطرفين المنتج والمستهلك.
* ماذا عن الدور السعودي في قيادة دول الأوبك والمحافظة على استقرار الأسواق؟
- السعودية طوال تاريخها مع دول الخليج هي التي تقود أوبك، تقودها لسبب، لأن أرخص نفط ينتج هو من دول أوبك الخليجية وتحديدًا السعودية مع الكويت والإمارات وقطر، لديهم 45 في المائة من الاحتياطي العالمي، أيضًا لديهم السعة الإنتاجية والتزام بالاحتفاظ بسعة إنتاجية فائضة، طبعًا هذا مكلف لكنه هو من يعطيك دور القائد، ولذلك الدور السعودي مع دول الخليج هو دائمًا من يقرر أين تتجه أوبك وهذا ما نراه اليوم.. إذا نجحت أوبك في اتخاذ القرار المناسب، بلا شك سيكون نتيجة للقيادة السعودية ودول الخليج في هذه المرحلة.



محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأوضح خلال كلمته في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، الأحد، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في العديد من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية، لافتاً إلى أن تقييمات أسهم قطاع التكنولوجيا، ولا سيما المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لعبت دوراً مهماً في ذلك.

وأشار إلى أن ظروف الأسواق كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير، معتبراً أن عدم حدوث ذلك يعكس عدة عوامل من بينها أن الأسواق أصبحت أكثر حذراً في ردود فعلها وأن بعض إعلانات التحولات في السياسات لم تنفذ بالكامل، كما أُعلن عنها، فضلاً عن تردد الأسواق في تسعير المخاطر الجيوسياسية عندما تكون بعض أصول الملاذ الآمن التقليدية قريبة من بؤر هذه المخاطر نفسها.

وأضاف أن هناك أيضاً ميلاً لدى الأسواق للاعتقاد بأن «هذه المرة مختلفة»، مدفوعاً بتوقعات فوائد الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، حذَّر من مخاطر الاطمئنان المفرط، مشيراً إلى أن أحدث تقييم للمخاطر في الاقتصاد العالمي يظهر أنها تميل إلى الجانب السلبي، معدداً أربعة مصادر رئيسية لهذه المخاطر: احتمال تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتعطل التوازن الهش في سياسات التجارة، وظهور هشاشة مالية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب احتمال خيبة الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتطرق بيلي إلى الخلفية الهيكلية للاقتصاد العالمي، موضحاً أن الصدمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة كانت أكبر بكثير من تلك التي أعقبت الأزمة المالية العالمية وأن معظمها جاء من جانب العرض، وهو ما يصعب على الأطر الاقتصادية التقليدية التعامل معه.

ولفت إلى تراجع معدلات النمو المحتمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية نتيجة ضعف نمو الإنتاجية.

وأضاف أن شيخوخة السكان وتراجع معدلات الإحلال في العديد من الدول يضغطان على النمو الاقتصادي والأوضاع المالية العامة، محذراً من أن هذه القضية رغم تداولها منذ سنوات لم تحظَ بعد بالاهتمام الكافي في النقاشات العامة.

كما نبَّه إلى أن تراجع الانفتاح التجاري ستكون له آثار سلبية على النمو، لا سيما في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، أبان أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

وتطرق إلى التحولات الكبيرة في أسواق السندات الحكومية وصعود أسواق الأصول الخاصة وابتكارات تهدف إلى توسيع نطاق النقود في القطاع الخاص.

وعن الإنتاجية، رجح بيلي أن يكون الذكاء الاصطناعي والروبوتات «التكنولوجيا العامة التالية» القادرة على دفع النمو، معرباً عن تفاؤله الواقعي بإمكاناتهما، لكنه شدَّد على أن أثر هذه الابتكارات يحتاج وقتاً للظهور كما حدث سابقاً مع الكهرباء وتقنيات المعلومات.

وأضاف أن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل قد يأتي عبر أربعة مسارات: تعزيز الإنتاجية، وإحلال بعض الوظائف، وخلق مهام جديدة، وإعادة توزيع الوظائف بين القطاعات، مؤكداً أن النتيجة النهائية لا تزال غير مؤكدة.

وأكد أهمية التعليم والتدريب على المهارات، داعياً إلى تجنب الاستنتاجات المبسطة بشأن آثار الذكاء الاصطناعي على التوظيف.


الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، والتي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

وأوضح الجدعان، خلال كلمته الافتتاحية في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» بنسخة الثانية الذي عُقد في العلا، الأحد، أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في مجموعة العشرين تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

وأشار الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

وفي ختام كلمته، حثَّ المشاركين في المؤتمر على الصراحة والتركيز على الحلول العملية والخبرات الميدانية بدلاً من الأطر النظرية؛ بهدف صياغة خريطة طريق تساعد الأسواق الناشئة على التكيُّف مع المشهد العالمي المتغير بسرعة، بما يخدم الصالح العام.

وتحتضن محافظة العلا السعودية، النسخة الثانية من «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026»، بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي وبمشاركة رفيعة المستوى من صناع القرار الاقتصادي، ووزارة المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

جانب من المعرض المصاحب للمؤتمر (الشرق الأوسط)

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظلِّ مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وازدياد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزِّز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويهدف المؤتمر إلى الإسهام في تشكيل أجندة السياسات الاقتصادية لاقتصادات الأسواق الناشئة بما يدعم تحقيق النمو والازدهار، ويعزِّز في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي العالمي، من خلال توفير منصة دولية رفيعة المستوى لتبادل الرؤى، ومناقشة السياسات، واستعراض التجارب والخبرات ذات الصلة.

ويُعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان «السياسات في ظل إعادة ضبط أنظمة التجارة والمالية الدولية»، إذ يسلّط الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من تحديات وفرص أمام اقتصادات الأسواق الناشئة، خصوصاً في مجالات التجارة الدولية، والأنظمة النقدية والمالية، والسياسات الاقتصادية الكلية.

ويركّز برنامج المؤتمر على عدد من القضايا والسياسات ذات الأولوية، من أبرزها إعادة تشكيل التجارة العالمية في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، وديناميكيات النظام النقدي والمالي الدولي، إضافة إلى التحديات التي تواجه السياسة النقدية في بيئة تتسم بعدم اليقين والتحولات الهيكلية.

كما يناقش المؤتمر مرونة السياسات المالية وأطرها في عالم يتسم بتكرار الصدمات الاقتصادية، ودور السياسات العامة في تعزيز القدرة على الصمود، إلى جانب بحث سبل تحفيز النمو بقيادة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتحقيق التوازن بين دور الدولة وتمكين القطاع الخاص في اقتصادات الأسواق الناشئة.

ويُختتم المؤتمر بنقاشات تركز على تعزيز صمود اقتصادات الأسواق الناشئة والتحول الاقتصادي، واستعراض أبرز الدروس المستفادة، والخطوات المستقبلية لدعم التعاون الدولي، وتنسيق السياسات، وبناء حلول عملية تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

ويُتوقع أن يسهم مؤتمر العلا في رفع مستوى الوعي الدولي بقضايا اقتصادات الأسواق الناشئة، وتسليط الضوء على دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، وتعزيز حضور هذه القضايا في الأجندة الاقتصادية والإعلامية الدولية، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولية واستدامة على المدى الطويل.


وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال وزير المالية الصيني لان فوآن آن، إن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، «تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية».

وذكر الوزير، خلال مشاركته في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، أن «الاقتصاد العالمي يمرُّ بمرحلة جديدة من الاضطراب والتحول، تتسم بتصاعد الأحادية والحمائية والمخاطر الجيوسياسية، في ظلِّ موجة متزايدة من تراجع العولمة».

وأشار إلى أن «الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة»، مؤكداً أن ذلك يعود إلى «تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عنه من تباطؤ في التجارة العالمية وتجزؤ الاقتصاد الدولي».

وأضاف أن «هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية».

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكد أن «أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار ويؤثر سلباً على جهود التنمية»، مشيراً إلى أن «دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي، إلا أن تمثيلها وصوتها في منظومة الحوكمة الاقتصادية الدولية لا يزالان دون المستوى المطلوب».

وأوضح لان فوآن، أن «الصين طرحت مبادرتَي التنمية العالمية والحوكمة العالمية بوصفهما إطاراً لمعالجة هذه التحديات»، داعياً إلى «إطلاق زخم نمو جديد قائم على الابتكار، وتعزيز التعاون الدولي في المجال التكنولوجي، بما يضمن استفادة الدول النامية من ثورة الذكاء الاصطناعي دون اتساع الفجوة الرقمية».

وشدَّد على «أهمية إصلاح منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية، ودعم النظام التجاري متعدد الأطراف، وتعزيز تمثيل الدول النامية في المؤسسات المالية الدولية»، مؤكداً التزام الصين بـ«مواصلة الانفتاح، ودعم النمو العالمي، وتقديم مزيد من اليقين لاقتصاد عالمي مضطرب».