أمين عام «أوبك» الأسبق: دول المنظمة «تعلمت الدرس».. وتبحث اليوم عن «سعر عادل»

شهاب الدين أكد لـ «الشرق الأوسط» أن مرحلة «شد الأحزمة» قد تستغرق ثلاث سنوات

الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
TT

أمين عام «أوبك» الأسبق: دول المنظمة «تعلمت الدرس».. وتبحث اليوم عن «سعر عادل»

الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)

الجميع اليوم أصبح مقتنعا بأننا لم نعد نتطلع لمستويات 140 أو 150 دولارا لبرميل النفط، بل إلى أسعار عادلة لنفوطنا رخيصة التكلفة، وعليه يجب أن نحافظ على سعر معقول يحقق لنا عائدا معقولا. هذا ما يراه الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام الأسبق لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
شهاب الدين، الذي يشغل حاليًا مدير عام مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، يرجح من خلال خبرته الطويلة في دهاليز (أوبك) التوصل لاتفاق في اجتماع دول المنظمة نهاية الشهر الحالي، مبينًا أن دول المنظمة تعلمت «الدرس» بعد أن فشلت في التنبؤ بالقدر الكافي باحتياجات السوق واستجابتها للأسعار المرتفعة؛ وبالتالي عدم قدرتها المحافظة على التوازن.
رغم كل ذلك، يرى شهاب الدين أن الروس سيطرحون خلال الاجتماع مسألة التعاون في فصل الشتاء وهي نفس الورقة التي يكررونها دائمًا، مطالبًا بوجوب الحذر مع الاستفادة قدر الإمكان من المتاح.
ويعتقد الأمين العام السابق لأوبك بأهمية وجود تفاهم مع كل من العراق وإيران بشأن حصص ومستويات الإنتاج، أخذًا بالاعتبار متطلباتهما الخاصة، لكن يجب ألا يكون ذلك «بابًا مفتوحًا». وعلق شهاب الدين في الحوار أيضًا على إعلان البعض «وفاة» أوبك وانحسار دورها، والدور السعودي والخليجي القيادي للمنظمة، إلى جانب التحولات في مراكز الطاقة على مستوى العالم.
وإلى تفاصيل الحوار..
* كيف تنظر إلى التغير في محركات الطاقة في العالم؟
- من الواضح أن العالم ليس ثابتًا، كنا نتحدث دائمًا أن منطقة الشرق الأوسط هي المصدر الرئيسي للطاقة الأحفورية، وبالذات النفط والغاز، بالنسبة إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية الموجودة في أميركا الشمالية وأوروبا وجزء منها في اليابان. اليوم أصبحنا ننظر حتى في موضوع النفط والغاز، فمصادر الإنتاج تنوعت مع الوقود الأحفوري وتقنياته.
وأميركا الشمالية أصبحت تنتج كميات كبيرة، في الوقت نفسه الاستهلاك والتصدير الرئيسي تحول عوضًا عن أن يذهب إلى أميركا الشمالية وأوروبا، أصبح يذهب اليوم إلى دول آسيا وبالذات الصين والهند.
طبعًا نتحدث عن أفريقيا قادمة في الطريق، لأن النمو الاقتصادي فيها خلال العقود القادمة سيكون متسارعا.. وأيضًا تنوع المصادر، كنا نتحدث عن النفط كأساس وبدرجة ثانية الغاز، اليوم نتحدث عن الغاز والنفط لا يزال يلعب دورا، لكن الطاقة المتجددة أصبحت تلعب دورًا رئيسيا. كنا نتحدث عن الطاقة النووية التي تراجعت بعض الشيء على الأقل مؤقتًا نتيجة للحوادث التي تعرضت لها في تشرنوبيل ثم في فوكوشيما، أيضًا لأن اقتصاديات الطاقة النووية لم تعد منافسة لبعض التقنيات الحديثة في إنتاج الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والرياح، وأيضًا مع انخفاض أسعار النفط.
كل هذه التحولات تعطينا درسا أنه لا يمكن أن ننظر إلى نظام الطاقة على أساس أنه «نظام جامد» يعتمد عليه ويعتد بالعمل فيه لأمد طويل، هذه الحقيقة لم تعد قائمة، وبالتالي الدول التي تعتمد اقتصادياتها بالدرجة الأولى على إنتاج وتصدير النفط والغاز، مثل السعودية ودول الخليج، أصبحت مطالبة اليوم بأن تكون مستعدة للتحرك السريع والتعامل مع التغيرات الرئيسية، سواء التقنية أو في الاقتصاد العالمي سواء في الإنتاج أو الاستهلاك.
* الفترة الماضية شهدت انخفاضات كبيرة في أسعار النفط، وتأثرت دول الخليج بدرجة كبيرة نتيجة لذلك، كيف تقرأ تعاطي دول الخليج ومنظمة (أوبك) مع هذه الفترة الحرجة التي مرت بها من ناحية التنسيق والمحافظة على الأسعار؟
- قبل الحديث عن العامين الماضيين، دعني أرجع للوراء عشر سنوات عندما بدأت الأزمة المالية العالمية في 2007 واستمرت حتى 2009. والحقيقة لعبت دول (أوبك) خلال هذه المرحلة دورا رئيسيا في استعادة الاقتصاد العالمي عافيته، ويسجل لـ«أوبك» أنها سحبت من الأسواق العالمية نتيجة للانخفاض الحاد في الطلب على النفط والطاقة بشكل عام، ما يعادل 4 ملايين برميل من الأسواق، وعندما بدأ الاقتصاد العالمي يستعيد توازنه وينطلق للأمام كانت دول (أوبك) مستعدة لإعادة ضخ هذه الكميات للسوق النفطية. ما حصل أنه في 2009 و2010 ربما تأخرت دول (أوبك) في الاستجابة لمتطلبات السوق، بمعنى أننا شاهدنا الأسعار انخفضت في 2007 إلى 20 و30 دولارا للبرميل، لكنها عادت مرة أخرى إلى مستويات 40 و50 و70 دولارا، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله تحدث في 2009 و2010 أن السعر العادل للنفط هو 70 دولارا للبرميل في ذلك الوقت، وكان الوزير السابق النعيمي يتحدث بنفس الاتجاه، حتى الوزير الفالح وقتها عندما كان رئيسًا لأرامكو كان يؤكد نفس الأمر.
السعر العادل الذي يحقق التوازن ومصلحة الطرفين هو 70 دولارا للبرميل، ومن أجل المحافظة على هذا السعر العادل وهذا التوازن كان يطلب من دول (أوبك) أن تحتفظ بكميات من الطاقة أو القدرة الإنتاجية احتياطية، وهذا كان يتطلب استثمارًا. ما حصل أنه ربما لم نستطع أن نتنبأ بالقدر الكافي باحتياجات السوق وباستجابة السوق للأسعار المرتفعة عندما لم تستطع دول (أوبك) المحافظة على هذا التوازن، عندما ارتفعت الأسعار إلى 120 دولارًا ساهم هذا الارتفاع الحاد في الإسراع في تطوير تقنيات سواء في مجال النفط الصخري أو مصادر أخرى للطاقة البديلة، ارتفاع الأسعار الحاد الذي لم نستطع كبح جماحه في الوقت المناسب أدى إلى هذه التغيرات.
وأصبحنا في العام 2014 أمام أمر واقع، يحتم علينا أن ننسى الماضي ونتعامل مع الحاضر والمستقبل، لم يكن أمام السعودية ودول الأوبك والخليج بالذات إلا أن تعيد النظر في أن القضية الأساسية اليوم ليست المحافظة على أسعار مرتفعة، بل كيف نتعامل مع الوضع الجديد والتنافس الموجود على النفوط منخفضة التكلفة (النفط الخليجي) مقابل المرتفعة التكلفة التي بدأت تزاحم النفوط في الأسواق العالمية. وكان لا بد من إجراء هذا التعديل وأن يكون هناك نوع من التضحية وشد الأحزمة، وأعتقد أن هذا ما نشهده حاليًا، وهذا يتطلب مرحلة تتراوح ما بين سنتين أو ثلاث.
إذن قرار (أوبك) في 2014 ربما جاء متأخرا بعض الشيء – على الأقل في تقديري الشخصي – وما كان يجب أن تصل الأسعار لمستويات 140 – 150 دولارا، على أي حال القرار السليم والحكيم هو كما يقولون «الأفضل الآن وليس متأخرًا»، وبدأت دول (أوبك) إعادة النظر في سياستها، طبعًا ليست كل دول الأوبك ترغب في هذا القرار، لأن في بعض دول أوبك مصلحتها هي مصلحة قصيرة الأجل لعدم امتلاكها احتياطيات كبيرة، وبالتالي لا بد أن ننتظر جميعًا حتى يستوعب الجميع الدرس، مر عامان منذ العام 2014 وحتى 2016.. وأعتقد الجميع اليوم أصبح مقتنعا أننا لم نعد نتطلع لمستويات 140 – 150 دولارا للبرميل، بل إلى أسعار عادلة لنفوطنا رخيصة التكلفة، وعليه يجب أن نحافظ على سعر معقول يحقق لنا عائدا معقولا، لكن في الوقت نفسه لا يجعل من مصادر الطاقة مرتفعة التكلفة تنافسنا وتخرجنا من الأسواق العالمية.
والقرار الذي اتخذ في الجزائر قد يكون الوقت حان، طالما الأسواق استعادت توازنها، أن نحافظ على الأسعار في مستويات الـ50 دولارا.. كيف نحافظ عليها؟ هنا يجب أن يعي الجميع الدرس الحاصل، وألا يطلق العنان لإنتاجه، وقد بدأنا نسمع ملاحظات حتى من روسيا.
* هل تعتقد أن روسيا هي الأخرى تعلمت الدرس أسوة بدول (أوبك)؟
- لا شك عندما يظهر رئيس روسيا فلاديمير بوتين ويعلن أنه على استعداد للتعاون مع دول (أوبك)، ويحضر وزير الطاقة الروسي اجتماعات وزراء الأوبك في الجزائر، كما يحضر خبراء من روسيا في اجتماع رفيع المستوى في فيينا، لا شك أن هذا مؤشر على «رغبة».. في النهاية كل دولة ستحاول أن تعظم من مكاسبها وتقلل من خسائرها، لكن الجميع يجب أن يشارك، أتصور أن روسيا في هذا المجال مستعدة في الوقت الحاضر لأن ظروفها الاقتصادية تجبرها على التعاون مع دول أوبك.
أعتقد أن المشكلة الرئيسية الآن داخل (أوبك) أكثر منها مع روسيا، لا بد أن يحدث تفاهم مع كل من العراق وإيران، لأن من غير تفاهم معهما بشأن حصص ومستويات الإنتاج، أخذًا بالاعتبار متطلباتهما الخاصة، لكن يجب ألا يكون ذلك بابًا مفتوحًا، يجب أن تكون في حدود المعقول، وهذا ما طرحته السعودية ودول الخليج عندما أعلنت عن استعدادها لتخفيض 4 في المائة من إنتاجها، في إطار أن تلتزم الأطراف الأخرى بمستويات إنتاج معقولة.
أتصور نحن في الاتجاه الصحيح قد يصادفنا بعض المطبات لكن أعتقد الدرس تعلمناه، وهذا يعني أننا في المستقبل عندما تصل الأسعار 60 أو 70 دولارا، يجب أن نكون حذرين ويكون لدينا قضيتان أساسيتان، الأولى الاستثمار بحيث يكون لدينا سعة إنتاج إضافية كافة لتلبية احتياجات الأسواق إذا ارتفعت الأسعار، حتى لا تقفز الأسعار مرة أخرى لمستويات 100 دولار ونجد أنفسنا في دورة أخرى تساعد على ظهور النفوط مرتفعة التكلفة ومصادر الطاقة البديلة.
وأيضا حاليًا لدينا تحدٍ أساسي للنفط لم يظهر بعد بشكل واضح، وهو السيارات الكهربائية، ومن أجل أن تنتشر بسرعة في العالم تحتاج إلى بطاريات بتقنيات تختلف عن البطاريات الحالية، سعتها التخزينية عالية، سعة الشحن سريعة وقليلة التكلفة، لم نصل بعد لهذه التقنية لكن هناك تقدم، لذلك علينا أن نكون حذرين بعدم السماح للأسعار بالارتفاع بشكل يجعل هذه التقنيات تتطور بشكل سريع وتزاحم النفط بالدرجة الأولى لأن النفط أصبح محصورًا تقريبًا في المواصلات، وإذا تحولت إلى كهرباء مع طاقة بديلة يعني أن قيمة النفط ستقل.. طبعًا لن نستطيع أن نمنع تطور التقنية، لكن يمكننا لعب دور في سرعة تحول التقنية من خلال محافظتنا على أسعار معتدلة وعمل استثمار حقيقي لإيجاد قدرات إنتاجية فائضة تتطلب التضحية لكنها تضحية مفيدة، أيضًا إيجاد مصادر للطاقة النظيفة نستطيع داخل دولنا نستثمر فيها بحيث يتحول بعض إنتاجنا من النفط إلى تصدير.
* من واقع خبرتك في منظمة أوبك كأمين عام سابق، كيف تقرأ الاجتماع القادم في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي وإمكانية التوصل لاتفاق؟
- من الصعب جدًا التنبؤ باجتماعات أوبك، اجتماع باجتماع، لكن تستطيع قراءة مؤشرات على الاتجاه الذي يسيرون عليه. لا أستطيع الجزم بأن الاجتماع القادم سيكون ناجحًا ويتم فيه التوصل لاتفاق للمحافظة على الأسعار في المستوى الحالي أو ترتفع قليلاً، قد يتأخر هذا القرار نتيجة لبعض المفاوضات، لكنني متأكد أن هناك قرارا بالتوجه السليم، فإذا لم يتم التوصل لاتفاق في 30 نوفمبر ربما يعقد اجتماع آخر بعد شهر أو شهرين للتوصل لنتيجة. قراءتي أننا نتجه لاتفاق، وهناك احتمال كبير للوصول لاتفاق في نهاية الشهر الحالي، وإذا لم نصل لاتفاق في 30 نوفمبر، من خبرتي في أوبك سيكون هناك اتفاق بعده بفترة بسيطة.
* البعض يطرح مخاوف حول مدى الالتزام الروسي بأي اتفاقات قد يتم التوصل إليها مع (أوبك)، وهناك تجارب عملية لإخلال الروس باتفاقات سابقة، هل تعتقد أن هذه المرة مختلفة؟
- ذكرت سابقًا أن الروس لديهم رغبة في استقرار الأسعار أو أن ترتفع بعض الشيء، طبعًا سيحاولون المحافظة على أعلى قدر من المكاسب، لكن أيضًا سيكونون حذرين بألا يكونوا سبب انهيار الأسعار. أتصور أن روسيا ستتعاون لكن ليس بالقدر الكافي، روسيا دائمًا تقول: «مستعدة للتعاون عندما تكون الأمور الفنية تساعدني على ذلك، فمثلاً في فصل الشتاء إنتاجي يمر بمراحل صيانة وخلال هذه الفترة مستعدة للمساهمة»، هذا التوجه سمعناه منهم عدة مرات وأعتقد أنهم سيلعبون بنفس هذه الورقة، نحن يجب أن نكون حذرين لكن نستفيد من المتاح، المرحلة القادمة تتطلب من الجميع الحكمة، تأخذ المتاح وتضغط في اتجاه تحقيق المصلحة الأكبر.
* ماذا عن دور الأوبك كمنظمة ومستقبلها، وصل بالبعض لإعلان وفاتها عدة مرات، كيف تعلق؟
- منظمة الأوبك -ومنذ إنشائها- هنالك حديث أن دورها انحسر ولم يعد مهمًا في عدة مراحل من تاريخ المنظمة، ودائمًا أقول إذا لم يكن هناك منظمة اسمها (أوبك) سيكون هناك رغبة لإنشاء منظمة على غرارها، هذا لا يعني أن الأوبك منظمة التفاهم والتجانس قائم فيها باستمرار، ليس فقط لأسباب اقتصادية بل أحيانًا لأسباب سياسية وربما أسباب دول تمر بتقلبات، وبالتالي ليس من الخيال بل من الواقع أن أوبك دورها يمر بمد وجزر، بعض الأحيان تتضافر الجهود والعوامل بحيث تلعب أوبك دورا رئيسيا وهي متجانسة باتخاذ القرار، وأحيانًا تمر بمراحل صعبة سواء داخليًا أو قد تتعرض لضغوط خارجية.
أوبك لا شك في 2007 لعبت دورا رئيسيا، وفي 2009 لعبت كذلك دور بناء ورئيسيا، بعدها الكل تناسى وأصبح يبحث عن مصلحته الآنية ويرفع الإنتاج إلى أقصى حدود دون النظر لما يدور في العالم. أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة ومرة أخرى دور الأوبك سيفعل، ليس في تحديد الأسعار، بل في اتخاذ القرار المناسب للتأثير على الأسعار في الاتجاه الذي يحافظ على مصلحة الطرفين المنتج والمستهلك.
* ماذا عن الدور السعودي في قيادة دول الأوبك والمحافظة على استقرار الأسواق؟
- السعودية طوال تاريخها مع دول الخليج هي التي تقود أوبك، تقودها لسبب، لأن أرخص نفط ينتج هو من دول أوبك الخليجية وتحديدًا السعودية مع الكويت والإمارات وقطر، لديهم 45 في المائة من الاحتياطي العالمي، أيضًا لديهم السعة الإنتاجية والتزام بالاحتفاظ بسعة إنتاجية فائضة، طبعًا هذا مكلف لكنه هو من يعطيك دور القائد، ولذلك الدور السعودي مع دول الخليج هو دائمًا من يقرر أين تتجه أوبك وهذا ما نراه اليوم.. إذا نجحت أوبك في اتخاذ القرار المناسب، بلا شك سيكون نتيجة للقيادة السعودية ودول الخليج في هذه المرحلة.



«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».