تعيين بانون مستشارًا رفيعًا انتصار لمعارضي منظومة واشنطن السياسية

سياسيون ينتقدون سعيه لـ«تدمير» المؤسسات بدلاً من إدارتها

كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
TT

تعيين بانون مستشارًا رفيعًا انتصار لمعارضي منظومة واشنطن السياسية

كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
كبير استراتيجيي البيت البيض المعيّن ستيف بانون يغادر برج ترامب بنيويورك الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

دعم دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب حديثًا، بترشيحه لستيفن بانون لشغل منصب بارز في البيت الأبيض، الحركة القومية اليمينية المتشددة التي يرعاها بانون منذ سنوات بنقلها من أطراف المشهد السياسي الأميركي إلى قلبه.
يمثل هذا القرار تحولاً ملحوظًا يزيد القلق بشأن توجهات الإدارة الجديدة. وينشر موقع الأخبار والآراء الاستفزازي «بريتبارت نيوز» الذي يديره بانون، باستمرار مقالات تؤكد وجود رابط بين المهاجرين وانتشار الأمراض. وينتقد كتاب مقالات الرأي به السياسيين الذين لا يدعمون إخضاع المهاجرين لاختبار ديني من أجل التأكد من عدم تبنيهم فكرًا إرهابيًا. وروّج الموقع الإلكتروني لروايات حاولت الإشارة إلى علاقة هما عابدين، وهي واحدة من أبرز مساعدي هيلاري كلينتون، والتي تدين بالإسلام، بمسلحين متطرفين.
ورفض بانون، البالغ من العمر 62 عامًا، في مقابلة ما أسماه توجهات «عرقية - قومية» للبعض داخل الحركة. وأوضح أن اهتمامه بالشعبوية، والقومية الأميركية، يتعلق بالحد مما يرى أنه التأثير التآكلي للعولمة. ويعتقد أن خصومه يتلاعبون بآرائه، وآراء الكثير من مؤيدي ترامب. وقال إن «هؤلاء الناس وطنيون. إنهم يحبون بلدهم، ولا يريدون سوى أن يتم الاعتناء بها». وأضاف قائلا: «الأمر هو أن هناك البعض على الهامش طالحون، كما هو الحال في أي حركة، لكن هذا أمر غير ذي صلة».
وتعرضت بعض تصريحات بانون وسلوكه إلى انتقادات من جانب قيادات دينية، وجماعات مناهضة للتمييز، شعروا بالقلق بسبب قرار تعيينه يوم الاثنين. وأشارت بعض الجماعات اليهودية إلى اتهامات وجهتها زوجة بانون السابقة له بقوله تعليقات معادية للسامية بشأن طلبة في مدرسة ابنته. كذلك أشار منتقدون له إلى مواقف سابقة له، ومنها مقابلة أجراها عام 2011 سخر فيها من الليبراليين الذين ينتقدون النساء المحافظات، إذ وصفهم بأنهم «حفنة من خريجات مدارس سيفن سيسترز».
وسرعان ما أصبح صعود بانون محطّ أنظار واهتمام هؤلاء المنتقدين، الذي أدانوا هذا الاختيار بوصفه تكريسًا لحالة الانقسام، إن لم يكن اختيارا يتسم بالعنصرية. مع ذلك، كان يمثل هذا القرار انتصارًا ذي أبعاد واسعة بالنسبة إلى رجل يعد مستجدًا على الدائرة المقربة من الرئيس المنتخب. عندما انضم بانون إلى حملة ترامب الرئاسية الانتخابية في أغسطس (آب) الماضي، كان يؤكد لأصدقائه أنه حتى في حال خسارة ترامب، سيتمكن على الأقل من تخفيف حدة أي ضرر يقع للحركة القومية، التي ساعد في تعزيز قوتها من موقعه كرئيس لموقع «بريتبارت». عوضًا عن ذلك، سوف يكون لتلك الحركة القومية، التي روّجت لمشاعر معاداة المهاجرين، والمسلمين، والمواقف العنصرية، ودعمتها، بطل في معسكر ترامب في الجناح الغربي بالبيت الأبيض.
وبهذا القرار سيكون منصب مستشار رفيع المستوى وكبير المخططين الاستراتيجيين، والذي يعد من أهم المناصب التي لها دور في الحكومة، من نصيب شخص يسعى لتدمير المؤسسات بدلا من إدارتها.
وكان الهدف من وراء هذا التعيين إرسال إشارة مطمئنة لأفراد قاعدة ترامب الشعبوية المنزعجة المناهضة لواشنطن، والتي تنتابها شكوك بشأن السلطة، وأي شخص يمتلكها. ويعد ترامب بطلهم، لكن بانون يعد المراقب على مؤسسة واشنطن، وعلى أي محاولات تبذلها من أجل إضعاف عزم الرئيس الجديد.
ولا يأتي بانون من الخلفية السياسية أو الآيديولوجية المعتادة، التي شكلت الحزب الجمهوري على مدى السنوات القليلة الماضية؛ فهو ليس محافظا متدينا يركّز على القضايا الاجتماعية. كذلك لا يعد نموذجا للشخص المحافظ الاقتصادي التقليدي. الأمر الذي يمثل دافعا بالنسبة إلى بانون، كما يوضح أصدقاؤه وزملاؤه، هو الشعور بأن النخبة الثقافية والسياسية تزدري المواطن الأميركي العادي؛ وهذا هو السبب الذي جعله قريبًا إلى قلب ترامب، الذي لم يشعر أبدًا بأنه يلقى الاحترام الذي يليق به ويستحقه لتأسيسه هذه الحركة السياسية الكبيرة. وتفسر «غطرسة النخبة»، كما يقول بانون، عدم انتباه وسائل الإعلام، والطبقة السياسية لبزوغ نجم ترامب. ولا يقل اشمئزاز بانون من السياسة السائدة للحزب الجمهوري عن اشمئزازه من الليبراليين؛ فهو يرى الجمهوريين «حزب متبرعي دافوس»، واحتقرهم بسبب وصفهم لمؤيدي ترامب بـ«الغوغاء السوقيين» و«الفلاحين».
إلى ذلك، يعتبر بانون مقربا من سارة بالين، وكان قد حثّها في وقت من الأوقات على خوض معركة داخل الحزب الجمهوري ممتعة بالنسبة له، تمثلت في معركة أولية ضد جون ماكين، عضو مجلس الشيوخ، الذي كان مرشحًا منافسًا لها عام 2008، لكنها رفضت. وكان بانون وراء بعض التحركات الاستفزازية التي اتخذتها حملة ترامب، مثل دعوة عدة نساء كانوا قد وجهن اتهامات لبيل كلينتون بارتكاب تجاوزات بحقهن إلى الجلوس بجانب أسرة ترامب أثناء إحدى المناظرات.
ولم يعمل بانون في أي حملة قومية قبل حملة ترامب، وله ذوق متنوع في حياته المهنية؛ فقد عمل ضابطا في البحرية، ثم انتقل إلى المجال المصرفي من خلال العمل في مؤسسة «غولدمان ساكس». كذلك ساعد في تشغيل نظام «بايوسفير 2» البيئي ذي القبة في ولاية أريزونا الذي كان يعيش به الناس دون أي اتصال بالعالم الخارجي. ومثل الكثير من قادة الحركة اليمينية المتشددة الصاعدة، انخرط في السياسة مع بزوغ نجم «حزب الشاي» في بداية الفترة الرئاسية الأولى للرئيس باراك أوباما. وشعر أن خطة الإنقاذ الحكومية للنظام المصرفي قد أساءت استخدام أموال دافعي الضرائب، إذ لم تفعل أي شيء لمساعدة المواطن الأميركي العادي. وكان السبب وراء ذلك موقفًا شخصيًا حيث اضطر والده، وهو عامل سابق في شركة هواتف، إلى بيع الأسهم التي يمتلكها في حساب معاشه من أجل تلبية احتياجاته الأساسية.
وأخبر بانون أفراد الدائرة المقربة من ترامب بأن الإدارة الجديدة سوف يكون أمامها فترة زمنية قصيرة لتنفيذ برنامجها، وأن عليها التركيز أولاً على الأولويات التي من المتوقع أن تكون هي الأكثر إثارة للجدل.
ونظرًا لكونه متعطشًا دائمًا للصراع السياسي، من المتوقع أن يؤيد بانون بقوة الكثير من خطط ترامب الأكثر عدائيًا وعنفًا بشأن الهجرة. ويتضمن ذلك منع هجرة اللاجئين السوريين، وترحيل المهاجرين الذين لا يمتلكون أوراقا ولهم ماض إجرامي، إلى جانب تخصيص المزيد من الموارد لتأمين الحدود وضبطها.
وحصل بانون، الذي نشأ في حي للطبقة العاملة في مدينة نورفولك بولاية فيرجينيا، على شهادات من جامعتي «جورج تاون»، و«هارفارد». وكثيرًا ما يشبّه بانون صعود ترامب السياسي بصعود أندرو جاكسون، القائد العسكري والبطل الشعبي، الذي هاجم وعارض النخبة السياسية والاجتماعية في زمنه، بصفته الرئيس السابع للولايات المتحدة الأميركية.
في الوقت الذي أصبح فيه ترامب زعيم حركة الأميركيين الغاضبين، الذي يشعرون بالضياع، والحرمان من الحقوق في دولة تشهد تغيرًا ثقافيًا وديموغرافيًا سريعًا، أصبح بانون طالبا يدرس التوجهات الشعبوية العالمية، والذي يتابع جيدًا صعود الجبهة القومية، التي تقع على أقصى يمين الطيف السياسي في فرنسا، تحت قيادة مارين لوبان، والفوز المميز لحزب الاستقلال البريطاني خلال الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي أجري مؤخرًا خلال العام الحالي في بريطانيا.
بهذا الصدد، قال لاري سولفو، كبير المسؤولين التنفيذيين في «بريتبارت»: «لقد رأى ستيف، الذي كان قائدا ذكيا مفكرا وله رؤية، المشكلات والحركة التي لحق بها ترامب في النهاية وتبناها». وأضاف قائلاً: «إنه مثل قائد ميداني، ويرى بدرجة كبيرة الصراع من أجل روح هذا البلد كحرب».
وسوف يستغل بانون وظيفته في البيت الأبيض في معارضة بول راين، رئيس مجلس النواب، وأحد حلفاء بريباس، الذي يسعى بانون لتدميره منذ زمن طويل. عندما أدار بانون موقع «بريتبارت» الإخباري، دعم منافس راين في ولاية ويسكونسن من خلال الموضوعات التي نشرت على الموقع الإلكتروني، وكذلك خلال المقابلات الإذاعية التي تم إجراؤها معه. وبانون مقرب من أعضاء في الكونغرس الأميركي مثل ديف برات، العضو الجمهوري عن ولاية فيرجينيا، الذي عزل إيريك كانتور، زعيم الأغلبية السابق. كذلك كتب أن عملية توزيع المخصصات المالية تحت قيادة راين كانت «عملية بيع كامل وشامل للشعب الأميركي». ويشير زملاء بانون السابقون إليه بإعجاب، ويصفونه بأنه مثل حيوان «غرير العسل» بسبب مثابرته، وهي صفة يتوقعون أن يستخدمها الآن في مواجهة واشنطن. وقال جويل بولاك، محرر بدوام جزئي في موقع «بريتبارت»: «ما يحرك ستيف هو الطريقة التي تعرقل بها المؤسسة السياسية السياسة الأميركية».
*خدمة «نيويورك تايمز»



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟