مسؤولو البيت الأبيض يأملون إقناع ترامب بأهمية إرث أوباما

خبرة رجل الأعمال السياسية المحدودة تعزز دور وزرائه

مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
TT

مسؤولو البيت الأبيض يأملون إقناع ترامب بأهمية إرث أوباما

مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)
مسؤولة حملة دونالد ترامب الانتخابية كيليان كونوي تصل إلى برج ترامب في نيويورك أمس (رويترز)

صباح الجمعة، أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب عبر موقع «تويتر» بعد فوزه المذهل أنه «يوم مليء بالعمل في نيويورك. سأتخذ قريبًا بعض القرارات بالغة الأهمية بخصوص الأشخاص الذين سيتولون إدارة حكومتنا».
في الواقع، لا تفي هذه العبارة بحجم خطورة القرارات التي سيتخذها ترامب بخصوص تعيينات أفراد الفريق المعاون له، ذلك أنه نادرًا في تاريخ الرئاسة الأميركية أن حملت قرارات اختيار أفراد الإدارة الأميركية مثل هذا التأثير واسع النطاق على طبيعة وأولويات الإدارة الجديدة.
وعلى خلاف الحال مع غالبية الرؤساء الجدد، يأتي ترامب إلى المنصب الجديد دون خبرة سياسية سابقة أو أجندة سياسية متناغمة، مخلفًا وراءه في الوقت ذاته سيلاً من التصريحات الاستفزازية، المتناقضة في معظمها، حول الهجرة والقضايا العنصرية والإرهاب.
في ظل مثل هذه البيئة الفوضوية، فإن الأشخاص الذين يقع الاختيار عليهم لمناصب محورية داخل البيت الأبيض، مثل رئيس فريق العمل المعاون للرئيس، وكذلك الوزراء الذين سيرأسون وزارات الخارجية والدفاع والخزانة، من الممكن أن يتمتعوا بنفوذ كبير يفوق حجم مناصبهم. وسيسهم اختيارهم في تحديد ملامح الإدارة الجديدة، وما إذا كانت ستعكس الوجه الغاضب الذي ظهر به ترامب خلال حملته الانتخابية، أم الوجه البراغماتي الذي غالبًا ما يبدو عليه خلف الأبواب المغلقة.
في هذا الصدد، أعرب روبرت داليك، المؤرخ المعني بشؤون الرئاسة، عن اعتقاده بأن «أي رئيس جديد يكون عرضة لمختلف أنواع التأثيرات والنفوذ من قبل المستشارين أصحاب الشخصيات القوية. وستحمل التعيينات التي سيقرّها ترامب خلال الأسابيع الستة المقبلة أهمية كبيرة للغاية فيما يتعلق بكشف ما إذا كان يرغب في توحيد الصفوف داخل البلاد، أم أنه ينوي بالفعل المضي قدمًا في تنفيذ الأفكار التي أعلنها خلال حملته الانتخابية».
ومن المحتمل أن تأتي بعض التأثيرات على ترامب من مصدر غير محتمل، وهو الرئيس أوباما، والذي في أعقاب لقاء ترامب معه داخل المكتب البيضاوي، الخميس، قال الأخير إنه «يتطلع نحو العمل مع الرئيس مستقبلاً، بما في ذلك في الحصول على مشورته». وبعد ذلك بيوم، قال في مقابلة مع كل من «وول ستريت جورنال» وبرنامج «60 دقيقة» إنه قرر الإبقاء على عناصر من قانون الرعاية الصحية الذي أقره أوباما بعد حديثهما معًا، ما يوحي بأنه ربما يدير أمور الحكم على نحو أقل راديكالية عما تحدث عنه خلال الحملة الانتخابية.
من ناحيتهم، أعرب مسؤولو البيت الأبيض عن أملهم في أن يتمكن أوباما من إقناع ترامب بأهمية عناصر أخرى من إرث إدارته، مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني. ومن المنتظر أن يقيم الاثنان فيما بينهما علاقة نظير بنظيره، والتي لا يمكن بناؤها إلا بين رئيسين. وهو أمر يأمل مسؤولو الإدارة الحالية في أن يلقى قبولاً من جانب ترامب، ويتواءم مع كبريائه.
إلا أنهم اعترفوا في الوقت ذاته بعدم وجود سوابق تاريخية كثيرة لمثل هذه العلاقة، خاصة عندما يكون الرئيس المنتخب قد أطاح بحزب الرئيس الذي أوشكت فترة ولايته على نهايتها بعد حملة انتخابية شرسة، إلى جانب أنه من غير المحتمل دخول ترامب وأوباما في علاقة صداقة.
من جانبه، يعتمد ترامب بصورة أساسية على مجموعة من المساعدين والأنصار الذين يثق بهم، تبعًا لما أفادته مصادر قريبة من حملته الانتخابية. جدير بالذكر أن ترامب أعلن الجمعة عن أن ثلاثة من أبنائه البالغين، وهم إيفانكا ودونالد وإيريك، إلى جانب صهره جاريد كوشنر، سيشاركون في فريق العمل المؤقت المساعد له، الأمر الذي أثار قلقا داخل واشنطن لأنهم يتولون أيضًا إدارة نشاطاته التجارية. ومن الواضح أن آل ترامب سيتمتعون بنفوذ غير عادي في تحديد عناصر الإدارة الجديدة.
ومع ذلك، فإنه حتى داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، تبقى هناك اختلافات حادة على أصعدة الآيديولوجيا والخلفية والمزاج العام من الممكن أن تلعب دورًا حاسما في كيفية تعامل البيت الأبيض مع الكونغرس، وكيفية تعامل الولايات المتحدة مع باقي دول العالم.
وربما يقع التباين الأكبر بين ستيفين بانون، رجل الأعمال العامل بمجال الإعلام وصاحب التوجهات المحافظة والذي تولى رئاسة حملة ترامب الانتخابية، ورينس بريبس، رئيس الحزب الجمهوري الذي تصالح مع فكرة ترشح ترامب للرئاسة مؤخرًا. جدير بالذكر أن كليهما مرشح لمنصب رئيس فريق العمل بالبيت الأبيض، وبغض النظر عمن سيقع عليه الاختيار، فإن الآخر من المحتمل أن ينال منصبًا محوريًا آخر داخل البيت الأبيض.
وسيحمل كل منهما توجها مختلفا تمامًا عن الآخر، إلى وظيفة غالبًا ما توصف بأنها ثاني أهم وظيفة في واشنطن، ويوصف صاحبها بأنه حارس بوابة الرئيس، وغالبًا ما يكون أول شخص يلتقيه الرئيس داخل المكتب البيضاوي.
المعروف أن بانون، الرئيس التنفيذي لموقع «بريتبارت نيوز» الإلكتروني الإخباري والذي سبق له العمل مسؤولاً تنفيذيًا بـ«غولدمان ساكس»، يعتبر غريمًا شرسًا لرئيس مجلس النواب بول راين، إلى جانب ارتباطه بصلات مع حركة «أولت رايت». وربما يبدي بانون اهتمامًا ضئيلاً بالتوصل إلى أرضية مشتركة مع الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون في ظل قيادته الحالية. كما أنه من أشد منتقدي نظام الهجرة الحالي، وشجع ترامب مرارًا على محاولة استقطاب أصوات قواعد الحزب الجمهوري عبر طرح انتقادات للعولمة.
أما بريبس، فيبدي ولاءً كبيرًا تجاه الحزب وقد سعى نحو التصالح مع قيادات الجمهوريين، والاحتمال الأكبر أنه سيعمل على بناء جسور مع راين وغيره من قيادات الحزب.
من ناحية أخرى، يمكن النظر إلى بانون وبريبس باعتبارهما يخوضان حربًا بالوكالة أوسع نطاقًا تدور حول الوجه الذي سيظهر به الرئيس ترامب. ذلك أن بعض المسؤولين الجمهوريين السابقين ما يزال الأمل يحدوهم في أن يتفاعل ترامب مع الشخصيات المعتدلة، في الوقت الذي يخالج البعض الآخر القلق من أنه سينصت ببساطة إلى آخر شخص تحدث إليه.
في هذا الصدد، أوضح جون نيغروبونت، المدير السابق للاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس جورج دبليو. بوش، أنه «دائمًا ما نجد ثمة توترا بين ما قاله كي يفوز بانتخاب المواطنين له، وما يؤمن به حقًا».
وأعرب نيغروبونت، الجمهوري الذي أيد هيلاري كلينتون في الانتخابات الأخيرة، عن اعتقاده بأنه ربما تظهر أصوات داخل مجلس الأمن الوطني المعاون لترامب تحذره من مخاطر التخلي عن دول وتركها خارج المظلة النووية الأميركية، الأمر الذي هدد ترامب بفعله خلال حملته الانتخابية، في إشارة إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
وربما تجري معركة موازية للفوز بدعم ترامب على صعيد السياسات الخارجية. جدير بالذكر في هذا الصدد أن لفتنانت جنرال مايكل تي. فلين، ضابط الاستخبارات المتقاعد، من أقرب مستشاري ترامب فيما يخص السياسة الخارجية، وهو مرشح لمنصب مستشار الأمن الوطني، تبعًا لوثيقة داخلية سربت مؤخرًا لوسائل الإعلام، وكذلك ستيفن هادلي الذي عمل بهذا المنصب في عهد إدارة بوش.
يذكر أن هادلي، الذي ربما أيضًا يقع الاختيار عليه في منصب وزير الدفاع، ضغط على بوش لزيادة أعداد القوات الأميركية بالعراق ويميل نحو سياسات التدخل العسكري.
في المقابل، نجد أن جنرال فلين، المسجل بصفوف الحزب الديمقراطي، انتقد السياسات المحافظة الجديدة التي انتهجتها إدارة بوش بسبب دفعها الولايات المتحدة في مستنقعات مثل العراق.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأسماء المرشحة للمناصب الاقتصادية الكبرى لا تكشف ذات القدر من التباين الآيديولوجي مثل تلك الخاصة بمناصب البيت الأبيض والأمن الوطني، لكنها تثير القلق بالنظر إلى المشاعر المعادية للمؤسسة المهيمنة و«وول ستريت» التي أججها ترامب خلال حملته الانتخابية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».