معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

على الوعي الديني أن يقر بالاختلاف ويقبل سلطة العلم التي تحتكر معرفة العالم

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته
TT

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

عودة الديني وراهنيته، عنوان إشكالي، له آثاره المفاهيمية والفكرية والقيمية على المجتمعات المعاصرة، لأنه لا يتعلق بالمجتمعات الغربية وحدها، بل وبالمجتمعات الإسلامية التي اتخذ فيها أشكالا مختلفة. فبأي معنى يمكننا أن نتحدث عن عودة الديني إلى العالم المعاصر؟ وما دلالات هذه العودة؟ وهل تعبر هذه العودة إلى الفضاء الغربي، عن عجز في منظومات الحداثة وما بعد الحداثة، أم إنها لم تنقطع أصلا، بل اتخذت أشكالا مختلفة؟ وهل يحق لنا الحديث عن عودة الديني في الفضاء الإسلامي؟ وكيف تمظهرت هذه العودة؟
تعبر عودة الديني وراهنيته عن مكر العقل والتاريخ؛ فبعدما اعتقدت الحداثة أنها أزالت السحر عن العالم، وحذفت كل أشكال الدين ودلالاته الإيمانية والمقدسة، عن كل تفاصيل الحياة في الفضاء العمومي الغربي، وقزمت من تأثيراته وتداعياته، انبثق سؤال الإيمان وجدواه مجددا، بعدما سادت العبثية واللامعنى الوجود الإنساني، وتفتحت مع الحداثة أبواب العدمية.
لقد اعتقد العقل الحداثي الغربي، أن الدين أمر يعود إلى الماضي، وهو من سمات المجتمعات البدائية السابقة للحداثة، وأنه إما سيضعف بشكل كبير أو سيختفي كليا، وفي أفضل الأحوال، سيصبح أمرا خاصا بالفرد في المجتمعات العلمانية الحديثة. لكن التاريخ العالمي اتخذ هذه الأيام، مسارات مختلفة عن كل التوقعات؛ إذ تمظهر الديني في مختلف الحركات الدينية في العالمين الغربي والإسلامي. وهذا ليس مجرد إعادة إحياء لأشكال تقليدية، بل بناء لظواهر حديثة للغاية؛ فالجديد في لحظتنا الراهنة، يتمثل في الحضور المتزامن لجميع ديانات العالم، ووجودها بشكل منفصل عن سياقها الزماني والمكاني، مما يجعلها عرضة لاستحواذ النزعات الفردية والأصولية عليها. فراهنية الديني وعودته، ارتبطتا بحاجات الشعوب إليه، حيث خضع لملابسات التجربة التاريخية؛ إذ يمكن للدين أن يلتقي مع الاستبداد في ظروف معينة، مثلما يمكنه أن يكون مقارعا للاستبداد والمستبدين في أوضاع مغايرة. وبهذا المعنى، لم يعد الدين، حسب ريجيس دوبري، أفيون الشعوب، بل «أصبح فيتامينها»، ومخلصها من كل أشكال السيطرة والاستلاب والاستغلال. كما أن الهويات الخاصة، والطوائف الدينية، تسعى لأن تحصل على الاعتراف بها من داخل ذاتها، ولما هي عليه. لقد كشفت صيرورة التاريخ أقنعة المقدس، ولم تتخلص من هذه الأقنعة، بل ألبست الإنسان تلك الأقنعة، وجعلت من أنسنة المقدس هدفا من أجل التوازن، لسد الفراغ المركب الذي أحدثته تلك الصيرورة. إن راهنية الديني أو عودته، تتجلى في سيرورة أنسنة الإلهي، وسيرورة تأليه الإنسان، بحيث يصبح الدين أقل عقائدية، وأكثر روحانية، لكي لا تتسع الهوة بينه وبين الحياة.
إذا كان عنوان الحداثة هو السيطرة والتحكم نتيجة التطور العلمي والتقني، فإن عنوان ما بعد الحداثة، هو الحيرة المعرفية، والارتباك المنهجي، والفراغ القيمي. أمام هذا الوضع، جرت عودة الدين، وازدادت الحاجة إلى الإيمان والاعتقاد والتدين. وجرت، بالتالي، إعادة الاعتبار إلى الدين، باعتباره شعورا بالتبعية المطلقة، والعجز الإنساني أمام القوى الخارجية.
إن ظاهرة «عودة الديني»، ارتبطت بالبراديغم (النموذج القياسي أو المعياري) العلماني، والبراديغم الإسلامي، على حد سواء، لتظهر في أشكال مختلفة، عما كان سائدا في التقاليد المسيحية - اليهودية أو الإسلامية. فحينما نتحدث عن عودة الديني، لا نقصد أن المسيحية اختفت أو أن الإسلام لم يعد حاضرا، بل ما نحاول مقاربته هو أن الديني لم يبق مفصولا عن المجال العمومي، وعن أسئلة السياسة والثقافة والمجتمع، بل أصبح يثير كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالوجود الإنساني عموما. فالمجتمع العلماني، قزّم دور الدين في إطار دائرة الإيمان الفردي، وفي علاقة أحادية بين العبد وخالقه. لكن المجتمع ما بعد العلماني، لم يعد ينظر للديني فيه بتوجس، بل على أنه مكون أساسي في بناء حقائقه. الأمر نفسه بدأ يحدث في المجتمعات الإسلامية، لكن بصيغ مختلفة، أي وسيلة للمقاومة والتحرر، أو وسيلة للعنف والإرهاب، أو وسيلة للبناء الحضاري وتجاوز حالة الضعف والتأخر، والمساهمة في العالمية. فعودة الديني، مؤشر على أن العلمانية لم تستطع إقناع الروح الحرة داخل الإنسان، الذي ينزع بفطرته إلى الدين، واحتجاج على ثقافة مستلبة أو وهمية، أو كشكل مختلف للدخول في الحداثة. وهذه الأخيرة فقدت أسها، أي «تحرير العالم من سحره»، أي طرد الغامض والميتافيزيقي واللاهوتي. وبدا أنه بحاجة إلى «قوة غامضة» تقوده إلى الطريق القويم وتخرجه من عنق الزجاجة. فلم يتردد «آندريه توزيل» في أن يتوقف أمام الدور الإيجابي الممكن للدين، مستعيدا أعمال إرنست بلوخ، الذي رأى أن في الدين قوة محرضة على العدالة والإصلاح، في حال توفر الشروط السياسية والاجتماعية، رافضا اختصار الدين إلى دور تضليلي سلطوي المنطلق. يبرز في هذا المنظور، «لاهوت التحرير» الذي عرفته أميركا اللاتينية، وحاول أن يوحد بين الدعوة إلى الثورة والتعاليم المسيحية، مبتعدا عن «الإيمان المجرد»، ومعطيا تأويلا سياسيا للنصوص الدينية، ينقد الاستبداد والاستغلال، وينادي بمنظور للعالم يصالح بين الدين والمقولات الماركسية، وينطلق من الإنسان المضطهد؛ لا من الإنسان المؤمن أو الكافر.
إن «عودة الديني» تعبر عن قلق في العقل الغربي، يرجع إلى أنه يدرك التاريخ بشكل أحادي الاتجاه؛ إذ ينطلق من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حداثية، من دون الأخذ بعين الاعتبار البعد التعددي والمشاركة الحضارية للثقافات والشعوب الأخرى. فخطاب الغرب نفسه حول الحضارة والحداثة والتقدم، لا يخرج عن التعاليم المسيحية المعلمنة؛ إذ يشكل فصلا جديدا في تاريخ الدين الذي يحمل رسالة الخلاص. لكن الخلاص هنا، هو خلاص أرضي يبشر بالجنة في الحياة الدنيا.
ما يلاحظ في الربع الأخير من القرن العشرين، أن هناك فكرتين: الأولى ترى في العلمنة سيرورة محتمة، وشرطا للحداثة، ونتيجة لها في آن واحد. والثانية تسجل عودة الديني، مدركة أنها احتجاج على حداثة مستلبة أو وهمية، أو باعتبارها شكلاً مختلفا للدخول في الحداثة. فعودة الديني تحيل إلى إعادة صياغة «الدين، وليست عودة إلى ممارسات سلفية مهجورة»، بل هي بلا صفة إقليمية، وليست هوية ثقافية. فعلى الرغم من أزمة الديني، التي هي أزمة ثقافة، فإن الاعتقادات الدينية وتحولاتها وانتقالاتها، قادرة على البقاء والازدهار.
فالتجربة الدينية مرت عبر التاريخ بمراحل تعاقبت فيها تفسيرات وتأويلات، حاولت، قدر الإمكان، أن تواكب التطورات التي يعرفها الواقع الاجتماعي والسياسي. إلا أن ما يميز اللحظة الراهنة هو حضور الظاهرة الدينية بقوة في كل نزاعات العالم المعاصر، حيث أصبح الهروب من تحليلها وإعادة تأويلها، بمثابة مساهمة في نشر العنف والدمار للبشرية. وفي هذا الإطار، أكد يورغن هابرماس، أن المستقبل لـ«الدين العاقل». ففي مجتمع حديث قطع الصلة بالخرافات والأساطير، لم يبق من الدين غير «الجانب العقلي»، ففي هذا العالم المتعدد دينيا وثقافيا وعرقيا، يجب على الوعي الديني أن يقر بمبدأ الاختلاف مع المذاهب الأخرى، وأن يقبل سلطة العلم، التي تمتلك اليوم حق احتكار معرفة العالم. كما يجب عليه أن يتقبل القوانين والمبادئ التي تتأسس عليها الدولة، على الرغم من انبثاقها عن أخلاق غير دينية. فهابرماس، يقر بأن الدين يجب أن يعود إلى الفضاء العمومي، وأن يساهم في بناء حقائقه. لقد كانت فكرة الحداثة في تجليها العلماني، تقتضي في الأساس، فصل السلطات حتى لا يؤثر الشأن الديني على الشأن السياسي. كما تقتضي احترام تنوع المعتقدات، دفاعا عن حرية التفكير والاعتقاد وقبول القيم الكونية. لكن هذا المبدأ جرى نقضه، واختزال العلمانية في مهاجمة الدين ومحاربة وجوده في المجتمع، وجعلها وسيلة لإقصاء الرؤية الدينية من الحياة العامة. بعبارة أخرى، أينما حل العقل، لا يمكن القبول بالتعامل مع الدين. فنحن هنا أمام نوع من الاستعلاء في الفكر الفلسفي والسياسي.
لقد كان الاعتقاد السائد، عند كثير من العلمانيين في القرن العشرين، أن الدين وهمٌ يجب أن يتبدد، وأن الأديان هي مجموعة من الخرافات التي تمضي إلى الأفول، ولم تعد سارية المفعول. لكننا نشهد إعادة إحياء لكل ما هو «ديني»: فالحجاب، والمساجد، والصوامع، والأسماء الشرقية الإسلامية كلها، دلالات على هذا الوجود «المزعج»؛ إذ أصبحت هذه المظاهر، تحتل أهمية كبرى في الوعي الغربي.
إن الأمر هنا، يتعلق بالرؤية الجديدة والواضحة للدين الذي يأبى الأفول والإبادة. إن أساس المعضلة، لا يتعلق بالإسلام أو بالأديان، بل بإساءة فهم للعلمانية، ذلك أن الدين ما كان يومًا وسيلة بشرية لضبط الناس وإدارتهم، أو السيطرة عليهم، بل تلبس بالتحولات التي عرفتها المجتمعات الحداثية وما بعد الحداثية.
بشكل عام، إن عودة الديني في الغرب، جاءت استجابة لحاجة إلى المعنى، في ظل مجتمع مأزوم بكل أشكال الاستهلاك والتشيؤ والعلمنة. بينما يختلف الأمر في العالم الإسلامي، حيث يطغى الإسلام السياسي والرهان الآيديولوجي، بوصفهما أفقًا لتجاوز التخلف والاستبداد.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.