لؤلؤة يترجم «غنائيات» شكسبير

قبل تحدي جبرا إبراهيم جبرا ولو بعد ثلاثين عاما

أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها

ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
TT

لؤلؤة يترجم «غنائيات» شكسبير

أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها

ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد
أشار لؤلؤة إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات وهما ترجمتا جبرا وكمال أبو ديب.. وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها بدر توفيق.. كما ترجم سركون بولص بعضا منها مُنتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية فيها.. أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان فهي مزودة بمقدمة غنية.. وتتيح للقارئ أن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد

صدر عن مشروع «كلمة» في أبوظبي كتاب «الغنائيات» لويليام شكسبير، ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي قدّم شروحا وتفسيراتٍ مستفيضة لكل غنائية على انفراد، مُعتمدا فيها على أفضل ما كتبه النقاد البريطانيون والمتخصصون في أدب شكسبير على وجه التحديد، أمثال دون باترسن، ستيفن بوث وكاثرين دنكان وآخرين لا مجال لذكرهم جميعا.
ينقسم كتاب «الغنائيات» إلى أربعة أقسام رئيسة، وهي المقدمة الرصينة، وتراجم الغنائيات بالعربية، والنصوص الإنكليزية. هذا إضافة إلى الشروحات الوافية التي لم تترك شاردة أو واردة إلا وتوقّف عندها الباحث والمترجم عبد الواحد لؤلؤة المعروف بملَكته النقدية المرهفة.
لا بد من الإقرار سلفا بأن هذه المراجعة لا يمكن أن تغطي الكم الكبير من المعلومات النوعية التي وردت في المقدمة والتراجم والشروح الدقيقة التي تنطوي على إحالات نقدية وفكرية وتاريخية تحلّ كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالعاشق والمعشوق والسيدة السمراء التي سرقها المعشوق أو اللص الظريف من الشاعر، كما تسلّط هذه الشروح الضوء على بعض الاستنتاجات الخاطئة التي حاولت أن تلصق تهمة المثلية الجنسية بشكسبير، ولو كان كذلك لما قصّر حُسّاده ومنافسوه من الشعراء والكُتّاب المسرحيين في الترويج لهذه التهمة وتكريسها كحقيقة دامغة في حياته الشخصية.
تشي المقدمة الشافية للؤلؤة بإعجابه الواضح بأستاذه الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي ترجم أربعين «سونيتة» فقط تاركا البقية الباقية لغيره من المترجمين، وحجته في ذلك «أنها تتطلّب الكثير من الشروح والتعليقات الأكاديمية التي تقتل الشعر فيها»، غير أن لؤلؤة لم يقتنع بهذه الإجابة فتحدّاه جبرا أن يقوم بهذه المهمة، كجزء من نشاطه الأكاديمي فقَبِل لؤلؤة بهذا التحدي، ولو بعد 30 عاما.
أشار لؤلؤة في مقدمته إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات، وهما ترجمة جبرا وترجمة كمال أبو ديب، وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها الشاعر والمترجم المصري بدر توفيق وجاءت تحت عنوان «سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الإنجليزي»، كما ترجم الشاعر الراحل سركون بولص بعضا من سونيتات شكسبير، منتقدا فيها ترجمة جبرا لعدم مراعاته للسياقات اللفظية في هذه السونيتات، أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها.
يشيد لؤلؤة بترجمة أستاذه جبرا ويصفها بأنها «أنيقة العبارة، دقيقة في فهم المعنى»، لكنه ينتقد توسّعه في العبارة الإنجليزية المكثفة لكي يجعلها مُستساغة في العربية. وقد اكتفى جبرا بهوامش قليلة عوضا عن الشروح الطويلة، كي يظل تركيز القارئ مُنصّبا على القصائد نفسها، لا على الشروح والإحالات الجانبية.
يُعرِّب لؤلؤة كلمة سونيت بـ«الغنائية»، بخلاف بقية المترجمين العرب الذين يفضلون الاحتفاظ بالاسم الأصلي، وحجته الدامغة في ذلك أنها مشتقة من كلمة «Sonetto» الإيطالية، التي تعني بالعربية «الأغنية الصغيرة أو القصيدة القصيرة التي وُضعت للغناء».
تعود الغنائية الإنجليزية شكلا ومضمونا إلى الغنائيات الإيطالية التي وضعها بتراركا، ثم نقلها شعراء إنجليز أمثال سير توماس وايات وإيرل أوف سري، ثم استعمل هذا النمط سير فيليب سدني إلى أن جاء شكسبير فكتب «154» غنائية مطوِّرا نظامها البتراركي الذي يتألف من «ثُمانية» و«سُداسية» إلى ثلاث رباعيات ومزدَوجة في ختام القصيدة، آخذين بنظر الاعتبار أن بتراركا نفسه قد استوحى ذلك من دانته أليغيري الذي كتب عددا من غنائيات الحب التي ظهرت في مجموعته الشعرية المسماة «الحياة الجديدة».
يؤكد دانته بأن الشعر الإيطالي قد وُلد في صقليا متطورا عن شعر التروبادور، الذي كُتِب باللغة الأوكسيتانية في الجنوب الفرنسي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. أن أي دراسة رصينة عن شعراء التروبادور؛ سواء أكانت للدكتور لؤلؤة أم لغيره من الباحثين المنصفين تُبيّن أن الجد الأعلى للغنائية الإيطالية هو الموشّح، وقرينه الزجل الذي كُتب بعامية قرطبة في القرن الثاني عشر.
تتبع لؤلؤة الشاعر جياكومو دا لينتيني الذي يُنسب إليه أول ظهور للغنائية في صقليا، والذي كان معجبا، مثل سورديلو، بغنائيات التروبادور بلغتها الأوكسيتانية المفهومة التي تتمحور حول مواضيع شديدة الشبه بما نجده في الموشحات والأزجال الأندلسية، كالحب الدنيوي، وموقف الشاعر من المرأة. وقد تبنى شكسبير هذا النزوع، بعد اطلاعه على ترجمة «وايات» و«سري»، ثم أخذها عنه «ملتن» و«جون دن» على امتداد القرن التاسع عشر، ثم أصبح نظم الغنائية نوعا من إظهار البراعة لدى الشعراء اللاحقين.
قسم لؤلؤة الغنائيات الـ«154» إلى ثلاثة أبواب، معتمدا في هذا التقسيم على المواضيع التي يعالجها في كل باب. فالغنائيات من «1 إلى 17» يحثّ فيها الشاعر صديقَه الحبيب على أن يتزوج كي ينجب طفلا يحفظ ذكراه وجماله. أما الغنائيات من «18 إلى 126» فتتمحور حول الحب، وتذلل العاشق للمعشوق، وجمال المحبوب وخيانته، واختلاط الحواس، والقطيعة المفترَضة، والإلهام، والسهر، والخوف من الشيخوخة والفراق وما إلى ذلك. فيما تتحدث الغنائيات من «127 إلى 152» عن الخليلة السمراء التي تمتلك قدرا كبيرا من الفتنة والجمال. أما أبرز المواضيع التي عالجها الشاعر في هذا الباب، فهي عبودية الحبيب للمحبوب، واضطراب الرؤية، والشهوة الجنسية، والعيون القاتلة، وسهام الألحاظ وغيرها من المواضيع المستوحاة من الموشحات والأزجال الأندلسية. وضمن الباب الثالث أفرد لؤلؤة إطلالة خاصة على الغنائيتين الأخيرتين «153 و154» اللتين تماهيان بين الحب والشبق الجنسي.
يؤكد لؤلؤة أن الباحثة المعاصرة كاثرين دنكن - جونز قد توصلت إلى أن هوية الشاب الأرستقراطي، محبوب الشاعر، هو إيرل أوف بمبروك. أما السيدة السمراء، فلم يجرِ تحديد هويتها. لا شك في أن السؤال المثير للجدل هو: هل كان غزل الشاعر بالشاب الأرستقراطي الوسيم دليلا على مثليته الجنسية أم لا؟ غير أن دراسة النصوص لا تعزّز مثل هذه الشكوك والتخرصات. فالشاعر يشجع الشاب الأرستقراطي على الزواج كي ينجب ولدا يديم مواصفات الأب الجمالية. وهذا الأمر يتعارض مع مثلية المتكلّم. غير أن الأبحاث الأخرى تكشف عن اكتظاظ القسم الأخير من الغنائيات بالإشارات الشبقية تجاه السيدة السمراء. ولكي نطوي سؤال المثلية الجنسية تماما، نستعين بما قاله الباحثان «إنكرام» و«ردباث» بأن العلاقة بين الشاعر والشاب كانت «عميقة.. مضطربة أحيانا، تنطوي على شيء من الافتتان الجسدي شبه الجنسي مصدره الشاب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حُبّ الذّكران بأي معنى فظيع». كما ينفي الباحث ستيفن بوث ما يثبت تهمة المثلية لدى الشاعر.
توقف لؤلؤة عند بعض الهنات اللغوية التي ارتكبها كل من جبرا وكمال أبو ديب، منبها إلى أن لغة شكسبير قد تغيّرت عبر العصور، ولم تبقَ بعض المعاني على ما كانت عليه في العصر الإليزابيثي، فكلمة «pen» كانت تعني «ريشة» الرسام، وليس «قلما»، و«brave» كانت تعني «الجميل»، وليس «الشجاع»، و«bail»، كانت «يضمّ» أو «يغلّق» وليس «يكفل»، و«hue» الهيئة وليس اللون، و«argument» كانت تعني «موضوع» القصيدة وليس الجَدَل، و«modern».. «المبتذل» وليس «الحديث».
ومن بين الهنات التي اقترح تعديلها لترجمة جبرا نذكر «بقلمك القديم».. «بريشتك القديمة»، «هول الإساءة».. «عبء الإساءة»، «مطلية بالعسجد».. «المذهّبة»، «التراب الثابت».. «الأرض الصلبة»، «سيّدها».. «زوجها»، «يكفل قلب صديقي».. «يضم قلب صديقي».
أما الأخطاء التي وقع فيها كمال أبو ديب، فهي تقرب من الثلاثين خطأ، نذكر منها «النهار الشجاع».. «النهار الجميل»، «خبأهم الموت».. «طواهم»، «كوارس».. «جوقات»، «عار الزندقة».. «عار النغولة»، «أشهبان».. «كامدان»، «طاعوني».. «مصيبتي»، «مبتلاة بالترقّب».. «السهر». يتساءل لؤلؤة في خاتمة مقدمته عن السبب الذي دفع أبو ديب لأن يترجم السونيتات بأسلوب شعر التفعيلة؟ وهل القارئ العربي بحاجة إلى شعر موزون ومقفى مُترجَم عن لغة أجنبية؟ يعتقد لؤلؤة أن ما يحتاجه القارئ العربي هو الصور الشعرية، وما تنطوي عليه من استعارات ومجازات في قصائدهم، شرط أن تُترجم بأسلوب نثري واضح لا لبس فيه، فالأوزان الشعرية العربية المقحمة في هذا المجال تدفع المترجم إلى التوسّع في التفسير على حساب النص الأصلي، وإرضاء لتفعيلات البحور العربية، وهو ما فعله فيتزجيرالد وأحمد رامي في ترجمة «رباعيات الخيام»، لكنهما ابتعدا عن الأصل إرضاء للوزن والقافية. بقي أن نقول في خاتمة هذه المراجعة إن ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في رأينا هي الأولى من نوعها في الدقة والإتقان، على الرغم من صدور ترجمات سابقة لها، كونها تتيح للقارئ أن يطلع على هذه المقدمة الفاتحة للشهية، وأن يقرأ الغنائيات بنصوصها العربية والإنجليزية، وأن يستزيد من الشروح المستفيضة لكل غنائية على انفراد.



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،