ألان باردو: وجودي في كريستال بالاس لا يجعلني أهتم بمنتخب إنجلترا

المدرب الذي أشاد الجميع بقدراته قام بثورة تغيير في ناديه من أجل الوصول للبطولات الأوروبية

الان باردو في غرفته بمركز تدريب كريستال بالاس
الان باردو في غرفته بمركز تدريب كريستال بالاس
TT

ألان باردو: وجودي في كريستال بالاس لا يجعلني أهتم بمنتخب إنجلترا

الان باردو في غرفته بمركز تدريب كريستال بالاس
الان باردو في غرفته بمركز تدريب كريستال بالاس

في الوقت الذي انهمك فيه لاعبو الفريق الأول بنادي كريستال بالاس في الاستعداد للمباريات بجلسات تدريبية منتظمة في فترة ما بعد الظهيرة، كان المدرب ألان باردو قد قطع شوطًا كبيرًا في اتجاه آخر، فقد كلف مساعديه بالعمل على تصميم برنامج كومبيوتر جديد تمامًا، يهدف إلى مساعدته في تحليل أداء فريقه في المباريات السابقة على شاشة تلفزيونية عملاقة تعمل باللمس، وتحتل هذه الشاشة الحائط الخلفي لغرفة الاجتماعات الرئيسية في المجمع الذي خضع للتجديد.
في الخلف، وإلى جوار مطعم النادي، يجلس الجهاز التدريبي المعاون لباردو في مساحة مفتوحة لمراجعة التقارير المقدمة من الكشافة (مكتشفو المواهب الجديدة)، وكذلك لإعداد التقارير عن خصمه المقبل. ويضم الجهاز المعاون محللين نفسيين، وكذلك اللاعب السابق لمنتخب الكريكيت الإنجليزي جريمي سناب الذي ينصب عمله بالجهاز المعاون على تنمية التواصل بين اللاعبين. وسيحمل سناب شهادة الدكتوراه في علم النفس الرياضي. وفي وصفه لطبيعة عمله، قال باردو: «هو لم يأتِ إلى هنا كي يجلس مع اللاعبين ليتحدث معهم عن طفولتهم، فطبيعة عمله هي مساعدتي في توصيل أفكاري إليهم».
وهناك أوقات محددة لعمل الجهاز الطبي المعاون، وكذلك جهاز اللياقة البدنية الذي يتركز عملهم على ملاحظة بيانات التدريب لضمان عدم تجاوز أي لاعب عدد أميال الركض أو الأحمال المستهدفة، مع وضع الإصابات والتعافي في الاعتبار. وهناك أيضًا تطبيقات منزلية يجب على اللاعبين الرجوع إليها عبر هواتفهم الذكية (سمارت فون)، وتشمل لقطات مصورة من مباريات الفرق المفترض مواجهتها قريبًا. واللافت هو كم التفاصيل المهولة التي ستظهر عند مراجعة منافسات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
وقد أضاف باردو: «إنه عالم جديد ومختلف لمدينة متيشام»، فقد كان هناك الكثير الذي جعله يفكر في الأيام الخوالي، عندما كان لاعبا وكانت القوة والتكيف تتمحور في السابق في جولات الفريق بعرض البلاد، ومنها منطقة «فارذنغ داونز»، وكان التركيز منصبًا على تمارين الأحمال بصالة ألعاب غير مدفئة. غير أنه «عليك أن تكون في الطليعة ما دام أن هناك المزيد من المعرفة، فإما أن تستغلها، وإما أن تتخلف وتعود إلى الوراء. هذا ما أفعله هنا، سواء داخل أو خارج المعلب، فقد منحت الفرصة أن أفعل شيئًا متميزًا».
ويواصل باردو: «عندما يسألني الناس عن المنتخب الإنجليزي، سوف أقول إنه لو أنني ما زلت مدربًا لفريق نيوكاسل، فربما سوف يسعدني تولي تدريب المنتخب الإنجليزي، لكن في ضوء الإمكانات التي توفرت لي هنا في كريستال بالاس، فسوف أقول في داخلي: لماذا أترك هذا الفريق الآن؟ بالتأكيد أحب أن أفوز بالألقاب، وإن كنت لا أنكر صعوبة تحقيق ذلك، رغم اقترابنا من تحقيق هذا الهدف الموسم الماضي، بالوصول لنهائي كأس إنجلترا. لكن هذا ليس المقياس الوحيد للنجاح، فقد يكون النجاح إرثًا بمقدوري تحقيقه، وتركه خلفي هنا كي أجعل الناس تنظر وتقول: كانت فترة عظيمة للنادي تلك التي قضاها باردو هنا.. ما زلت أتذكر المدير التنفيذي لنادي ساوثهامبتون، نيكولا كورتسيس، عندما شكرني على خطة العمل التي أعددتها وتركتها لهم. فقد كان هذا التقدير رائعًا؛ أحسست وكأنني قد فزت بميدالية».
وقد مر 22 شهرًا على رحيل باردو عن نادي نيوكاسل الذي حل في عهده تاسعًا في ترتيب فرق الدوري الإنجليزي الممتاز، وارتفع معدل الحضور الجماهيري لمبارياته إلى 52 ألف متفرج، ليغادر إلى فريق كريستال بالاس اللندني الذي كان أبرز إنجازه قبل وصول باردو هو الوصول لقبل نهائي بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1976، مع المدرب مالكولم أليسون. وقبل وصول باردو، كان كريستال بالاس يقترب من حافة الهبوط، مما جعل رئيس النادي ستيف باريش يقرر الاستغناء عن توني بوليس، ويبدأ تفاوضه مع باردو، ومما شجع الأخير على قبول المهمة اتصال تليفوني من بوليس إلى باردو قال فيه: «هناك أمل متزايد في أن النادي بمقدوره أن يفعل الكثير، وأنك تستطيع أن تأخذ بيد كريستال بالاس إلى الأمام».
ويوضح باردو: «لقد عزز ذلك من شكوكي بعد تجربتي في نيوكاسل، عندما تحول غضب الجمهور من مالك النادي مايك أشلي إلى مضايقة لي أيضا، ولذلك كان التوقيت في قبول عرض بالاس صحيحا، لم تكن تلك الخطوة مقامرة كما يعتقد الناس. كنت أرى أنه إذا استطعت الارتقاء بأداء الفريق وتفادي الهبوط، سيكون كريستال بالاس هو النادي الوحيد من جنوب لندن الموجود في الدوري الممتاز. وقد حدث هذا بالفعل، وجاء احتلالنا للمركز العاشر مع نهاية المسابقة ليمهد الطريق أمامنا، ويجعلنا نضع خطة للمستقبل».
قضى باردو الصيف الأول له بنادي كريستال بالاس في الإشراف على تطوير مجمع التدريب، وكذلك التوقيع مع اللاعب يوهان كاباي في ظل مرحلة التبديل والتغيير، لكن التغييرات هذه المرة كانت واسعة. فالفريق الذي اعتاد الاعتماد على الهجمات المرتدة، بات في حاجة لإثبات جدارته، بعدما وصل لهذا المستوى. فالمستوى الهزيل الذي أسفر عن فوزين في 21 مباراة، جعل باردو في النصف الثاني من الموسم الماضي على قناعة بأن التغيير بات حتميًا. ووصل المدرب لقرار التغيير قبل خسارة نهائي الكأس أمام مانشستر يونايتد بفترة طويلة.
يقول باردو: «الجميع أشار إلى التناقض في الأداء بين الشوطين الأول والثاني، بالإضافة إلى أن ذلك بات واضحا في النتائج، فقد تجلى ذلك أيضًا في قدرتنا على السيطرة على مجريات المباريات»، مضيفا: «ما أظهره هذا السباق لي هو أننا لم نعد قادرين على السيطرة على سير المباراة، ولم يعد بمقدورنا تعويض الإصابات في صفوفنا».
واستطرد: «لذلك كان التغيير في الفريق الأول كبيرا، ولن ننسى أيضًا فرق الناشئين. تستطيع الإشارة إلى سياسة الانتقالات التي تطورت كثيرا، وبات بمقدورنا التعاقد مع لاعبين جيدين، مثل كاباي الذي وقعنا معه الصيف الماضي، والآن أحضرنا كريستيان بنتيكي، لكن من الصعب ضمان التوفيق في كل مرة تسعى فيها لإبرام صفقة. فعندما أنهينا موسم 2012 في المركز الخامس مع نيوكاسل، شعرنا أن تغيير اللاعب داني سيمبسون، والتعاقد مع مدافع أيسر آخر، سوف يمهد طريقنا للأمام. ولكن ما حدث هو أن اللاعب ترك الفريق، وبعد بضع سنوات قليلة، أصبح بطلا للدوري مع فريق ليستر سيتي. وقد أصبحنا نتندر بذلك عندما نتقابل، إذن الحل لا يكمن في جميع الأحوال في إحضار لاعبين جدد، الحل يكمن فيما نفعله في أرض الملعب، حتى في تغيير طريقة احتفاظنا بالكرة. نحن نركز على التكنيك أكثر، وعلى التعاقدات وعلى التدريب في المراحل العمرية المختلفة. نحن مقبلون على توقيع اتفاق تعاون مع نادي إسباني قادر على إفراز لاعبين جيدين، وبتنا على وشك توقيع اتفاق لتبادل الثقافة التدريبية معهم، لنرى الشيء المختلف الذي يفعلونه من خلال أكاديمية الناشئين وأيضًا في الفريق الأول، وبعد ذلك يأتي التغيير في طريقة اللعب في أرض الملعب».
وأضاف مدرب كريستال بالاس: «سوف نستمر كأحد الفرق الجيدة في الهجمات المرتدة، وسوف نحافظ على مكاننا عندما نكون في الصدارة. لكن محاولة تغيير طريقة اللعب من دون التأثير على ميزة إتقان الهجمات المرتدة يمثل تحديا كبيرا. فقد لعبت هنا تحت قيادة ستيف كوبل، وأعترف أن فرقه كانت صلبة جدا. كنا نهاجم على الأجناب، وكنا عنيدين جدا ومندفعين للأمام، وضغطنا بتمريرات عرضية داخل منطقة الجزاء. نعم تدربنا قليلا على ذلك لأننا ما زلنا الأفضل في التمريرات العرضية في الدوري الممتاز. لكن ما الخطأ في أن نطلب من اللاعبين استخدام خيالهم وذكائهم في الملعب وحيويتهم وروحهم؟».
لم تكن صفقة المهاجم بنتيكي التي أبرمت في موسم التعاقدات الصيفي هي ما حدد المسار في نيوكاسل، بل كانت صفقة الحارس ستيف مانداندا، فاللاعب الفرنسي القادم من نادي مرسيليا مقابل 1.4 مليون جنيه إسترليني يتمتع بقدرة كبيرة على التحكم في الكرة، للدرجة التي جعلت باردو يقول إنه سيكون سببا لإلهاب الحماس، فهو من حراس المرمي المتقدمين الذين يجيدون أيضًا نقل الكرة والتقدم كمدافع (في الطريقه التي يحبذها مدرب مانشستر سيتي جوزيب غوارديولا في الكرة الإنجليزية).
ويوصل باردو: «لا أكاد أصدق أننا فزنا بهذا الحارس، فهو لاعب دولي في المنتخب الفرنسي، يلعب بالدرجة الأولى، واختير في الفريق المثالي للعام الخامس على التوالي، وكان قائدا لفريق مرسيليا، ويعتبر أسطورة في أعين جماهير ناديه. وليس هناك أدنى شك في إمكانيات هذا اللاعب. لقد قلت لرئيس النادي: سوف يجبرنا هذا اللاعب على إشراكه حتى لو أن هناك لاعبا أو اثنين في فريقنا ممن أحضرناهم في قمة مستواهم، إنه من الذين يستحوذن على الاهتمام كثيرا، وسوف يساعد وجوده على أبراز قدرات زملائه، فقد ساهم أسلوب توزيعه للكره من الخلف في تغيير طريقة لعبنا».
وأضاف باردو: «إن محاولة عمل تغييرات جوهرية في طريقة أداء الفريق أمر لا يخلو من مخاطرة كبيرة، لكن لا توجد مخاطرة من دون مكافأة: فالبقاء في نصف الجدول العلوي لخمس سنوات هو أفضل ما حققه كريستال بالاس في تاريخه، ولا تزال هناك مكافآت مالية في حال واصل الفريق التقدم. فاللعب بطريقتنا الحالية سوف يأخذنا للمركز الرابع عشر أو الخامس عشر، وليس لدينا مشكلة في ذلك. الآن، يمكننا أن ننهى الموسم في المركز الرابع عشر، لكن يمكننا تطوير طريقة لعب الفريق، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق الاحتفاظ بمجموعة اللاعبين. إن استطعت أن أفعل ذلك لعامين، وأضيف لتلك المجموعة من اللاعبين بعض التعاقدات الجديدة في يناير (كانون الثاني) وفي الصيف، فسوف تكون لدينا فرصة عظيمة للمشاركة في بطولات أوروبا مستقبلا. الأمر يتعلق بقدرتي على الاحتفاظ بجاهزيتهم ولياقتهم، في حال تألق بنتيكي وسجل 20 هدفا هذا الموسم ربما نسمع فريق باريس سان جيرمان يطرق بابنا طلبا لضمه، ولو حدث هذا فسيرحل عنا، ووقتها سأبحث عن بديل له في حدود ميزانية نادينا. كل تلك الأشياء واردة الحدوث، لكن في الوقت الحالي، نستطيع القول إننا بنينا سفينة جيدة، وإنها تبحر في المسار الصحيح».
قوة العلاقة بين باردو وباريش، رئيس النادي، تعتبر أمرا جوهريا «إذ إن هناك تواصلا منتظما مع المستثمرين الأميركيين غويش هريس وديفيد بليتزر اللذين يجرى الرجوع إليهما في القرارات الهامة، وهم بالفعل يدركون الحاجة لتطوير ملعب سيلهارست بارك، وسيتم هذا قريبا. وكان المستثمران قد تحمسا في السابق لفكرة شراء اللاعب بنتيكي بمبلغ قياسي بلغ 27 مليون جنيه إسترليني، كما أنهم قرروا شراء مانداندا بلا تردد. الملاك الأميركيون محللون جيدون في الرياضة، وهذا هو السبب في أنهم بارعين في تقييم الصفقات في لعبة البيسبول، لكنهم ليسوا بهذه البراعة في كرة القدم لأنها لعبة لا تخلو من المفاجآت».
ويقول باردو: «لهذا، فإن الإحصائيات لا تعكس الصورة الكاملة. هذا ما تعلمته. تعلمت أنه إذا اعتمدنا فقط على الأرقام، فلن نضمن النجاح، وهذا سبب في الكثير من المشكلات بين المدربين وملاك الأندية، لكن ستيف دائما ما يساعدني على توصيل رسالتي بالشكل الصحيح. وديفيد وغوش حريصان على تطوير النادي، فإعادة تطويره يمثل أهمية كبيرة لهما، وهما بالفعل يمثلان أهمية كبيرة للناس هنا. لكن مشكلتنا هي، شأن أي نادي آخر في الدوري الممتاز، أن لاعبينا الناشئين في حاجة لأن يتخطوا مستوى اللاعبين الدوليين كي يتمكنوا من الجلوس على مقعد البدلاء. لكنني أستطيع أن أمنح فرصا فريدة للاعبين الناشئين للوصول إلى الفريق الأول، فمثلا اللاعب لوك دريهر، 17 عاما، يتدرب بصفة يومية تقريبا. بالتأكيد الناشئين هنا لديهم فرصة كبيرة، لكن في الوقت نفسه عليهم إثبات جدارتهم».
وقد ينطبق الشيء نفسه على المدربين الإنجليز، إن أرادوا صنع لاعبين كبار، ويعد باردو الأكثر خبرة في النصف العلوي من الجدول حاليا، وفي سن الخامسة والخمسين لا يزال يمثل المستقبل للكثير من المدربين الإنجليز بالخارج.
وأضاف باردو: «مدير أعمالي دائما ما يطلب منى تعلم اللغة الإسبانية، لكن الكرة تتطور في الولايات المتحدة، وفي الصين»، ولهذا فسوف يصبح باردو مدربا لمنتخب بلاده يوما ما. والآن، يدعم صديقه ورفيقه السابق في النادي غاريث ساوثغيت باعتباره «الرجل الأنسب» لتحقيق طموحات فريق بلاده.
على فريق كريستال بالاس أن يتأمل حال ليستر سيتي، فلا يزال يكافح لتعويض رحيل نغولو كونتي في الصيف، ورغم ذلك يتباهي بانتصاره في دوري الأبطال الأوروبي.
ويقول باردو: «لننسى دوري الأبطال الأوروبي، فسوف نحقق هذا الهدف على المستوى البعيد، لكن دعونا نفكر في مباراتنا المقبلة، فقد عدنا للتو من هزيمة، وأصبحت المباراة التالية هي الأهم، فهي بالنسبة لنا قمة مباريات الدروي الممتاز»، مضيفا: «يتحتم علي الآن المحافظة على التوازن بين حماية فريقي من رد فعل منافسينا، والمحافظة على سير الأمور والدفع به للأمام. ما يعنيني هو أن أتأكد من أن فريقي يعرف ما هو مقبل عليه، وكيف يتعامل معه، وكيف يستغله. كل هذا بالإضافة إلى المراجعة والتحليل وتقارير الكشافة وتكليفات اللاعبين بالمنزل (مراجعة المقاطع على أجهزة آي فون)، وعمل التمارين وحضور الاجتماعات، كل ذلك يهدف إلى ضمان تنفيذ خطط الفريق بالشكل الصحيح، سنعيد ذلك في كل مرة استعدادا للمباراة التالية. هذا ما قاله الرجل بمنتهى الحماس وهو في بيته ووسط بيئته.



قصة صورة ميسي ويامال الرضيع... من صدفة القرعة إلى نهائي مونديال 2026

ميسي مع يامال (أ.ب)
ميسي مع يامال (أ.ب)
TT

قصة صورة ميسي ويامال الرضيع... من صدفة القرعة إلى نهائي مونديال 2026

ميسي مع يامال (أ.ب)
ميسي مع يامال (أ.ب)

عندما تلتقي نبوءات القدر بروح الساحر الأرجنتيني وفتى كاتالونيا الذهبي، تُكتب فصول في تاريخ كرة القدم لا يمكن لأعتى مخرجي السينما تخيلها.

إنها حكاية النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي والفتى الإسباني المعجزة لامين يامال، اللذين بدأت قصتهما برواية إنسانية صامتة قبل نحو 19 عاماً، لتتجسد اليوم في قمة المجد الكروي على أرض ملعب نيوجيرسي بالولايات المتحدة، في نهائي مونديال 2026، بين رضيع يُغسل في حوض بلاستيكي أزرق، وأسطورة حية تبحث عن ختام إعجازي لمسيرتها، تقف لغة الأرقام شاهدة على مسار أسطورتين التقيتا صدفة، وتواجهتا قدراً.

ميسي خلال مشاركته في برنامج تابع لـ«منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)» وهو يحمل يامال (أ.ب)

صدفة «القرعة» وغرفة ملابس «كامب نو»

في خريف عام 2007، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالتعاون، مع صحيفة «دياريو سبورت» الكاتالونية مبادرة إنسانية لإعداد تقويم خيري. اعتمد المشروع على قرعة علنية للعائلات المقيمة في أحياء كاتالونيا للمشاركة في جلسة تصوير مع لاعبي نادي برشلونة.

ابتسم الحظ لعائلة قادمة من حي روكا فوندا في ماتارو من أب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، كانت تحمل طفلاً رضيعاً لم يتجاوز عمره 5 أشهر يُدعى لامين يامال.

ميسي مع يامال ووالدته (أ.ب)

داخل غرفة الملابس الخاصة بالفريق الزائر في ملعب «كامب نو»، وقف شاب خجول وانطوائي في العشرين من عمره يُدعى ليونيل ميسي.

لم يكن ميسي قد تُوّج حينها بأي كرة ذهبية. وبتوجيه من المصوِّر الإسباني خوان مونفورت، تقدم ميسي بارتباك ليحمل الرضيع يامال، ويساعد والدته شيلا إيبانا، في تحميمه داخل حوض بلاستيكي أزرق.

ظلَّت هذه اللقطة منسية في أرشيفات الوكالات حتى نشرها والد يامال معلقاً: «بداية أسطورتين».

مسار البرغوث من كاتالونيا إلى مجد الأبدية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

بينما كان الرضيع يامال يخطو خطواته الأولى نحو مراكز التكوين، كان ميسي يحول ملاعب العالم إلى مسرح شخصي لاستعراضاته السحرية التي لا تنتهي. امتدَّت مسيرة الساحر الأرجنتيني مع نادي برشلونة لتشمل سبعمائة وثمانياً وسبعين مباراة، دكَّ خلالها شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، وقاد الفريق للفوز بخمسة وثلاثين لقباً، بينها عشر بطولات في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا.

ميسي محمولاً على الأعناق بعد قيادة الأرجنتين للفوز على إنجلترا والتأهل للنهائي (أ.ب)

واصل ميسي كتابة التاريخ بعد رحيله عن كاتالونيا، فخاض مع باريس سان جيرمان خمساً وسبعين مباراة أحرز فيها اثنين وثلاثين هدفاً متوَّجاً بالدوري الفرنسي مرتين، قبل أن ينقل سحره إلى الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي محققاً كأس الدوريات ومحطماً ركام الأرقام القياسية.

وعلى الصعيد الدولي، قاد البرغوث منتخب التانغو لإنهاء عقدة العقود بالتتويج بلقب كوبا أميركا مرتين متتاليتين، واعتلاء عرش العالم في مونديال قطر 2022، مسجلاً أكثر من مائة هدف دولي جعلته الهداف التاريخي المطلق لبلاده برصيد مرصع بثماني كرات ذهبية.

صعود الصاعقة يامال وكسر الحواجز القياسية

على الجانب الآخر من الحكاية، دخل لامين يامال ذات الأكاديمية التي تخرج منها ميسي والمعروفة باسم «لا ماسيا»، ليبدأ في مطاردة شبح الرجل الذي حمله يوماً بين يديه.

لامين يامال في الجانب الإسباني (رويترز)

وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2023، دخل يامال تاريخ النادي الكاتالوني من أوسع أبوابه، عندما أصبح أصغر لاعب يشارك في مباراة بالدوري الإسباني بعمر 15 عاماً و290 يوماً.

تحول الفتى المعجزة سريعاً إلى الركيزة الأساسية للبلوغرانا، مسجلاً ما يزيد عن 15 هدفاً وصانعاً عشرات الأهداف الحاسمة، مما دفع إدارة النادي لتحصينه بعقد خيالي يتضمن شرطاً جزائياً بقيمة مليار دولار.

لامين يامال (أ.ف.ب)

ولم يتأخر التوهج الدولي ليامال؛ إذ قاد منتخب الماتادور الإسباني باقتدار مذهل للتتويج بلقب يورو 2024 وهو في الـ16 من عمره فقط، حاصداً جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة، بعدما أبهر القارة العجوز بأهدافه ومراوغاته الساحرة.

مصادفات رقمية غريبة تجمع بين الملهم والتلميذ

فسيفساء مبتكرة للفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا بغرب كوسوفو تجمع ميسي ويامال بالحبوب والبذور احتفاءً بلقائهما المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

لا تقتصر العلاقة بين النجمين على مجرد صورة قديمة، بل تمتد إلى تفاصيل رقمية مذهلة تكاد تطابق جيناتهما الكروية على المستطيل الأخضر.

فكلا اللاعبين تخرج من مدرسة «لا ماسيا» العريقة، وكلاهما استهلَّ مشوارهما المونديالي بارتداء القميص رقم تسعة عشر.

والمثير للدهشة أن ميسي سجل هدفه المونديالي الأول في نسخة 2006 بعمر 18 عاماً، وهو نفس العمر الذي سجل فيه يامال هدفه المونديالي الأول في النسخة الحالية.

وتكتمل فصول هذه المفارقة العجيبة في طريقة تسجيل هذا الهدف؛ إذ نجح يامال في هز الشباك مستخدماً قدمه اليمنى الضعيفة، وفي الزاوية ذاتها التي وضع فيها ميسي كرته، قبل 20 عاماً تماماً، وكأن القدر يعيد صياغة المشهد بحذافيره ليؤكد المؤكد.

صورة توثق ملامح ميسي ويامال بريشة الفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا، تحيةً لصراع الأجيال المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

صراع الأجيال في المشهد المونديالي الأخير

تتجه أنظار العالم بأسره نحو ملعب نيوجيرسي في الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث يضرب التاريخ موعداً استثنائياً في المباراة النهائية لبطولة كأس العالم الحالية.

تكتسي هذه المواجهة المباشرة بين الأرجنتين وإسبانيا طابعاً درامياً فريداً، بعد أن تسببت الظروف في تأجيل مباراة «الفيناليسيما» السابقة، ليدخر القدر هذا الصراع المثير إلى المسرح الأعظم على الإطلاق.

فسيفساء من الغلال والبذور توثق ملامح ميسي ويامال بريشة الفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا تحيةً لصراع الأجيال المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

يقف ميسي بعمر التاسعة والثلاثين طامحاً إلى تخليد اسمه بلقب مونديالي ثانٍ يختم به مسيرته الأسطورية، بينما يقف في مواجهته يامال بعمر التاسعة عشرة، يقود أحلام الإسبان نحو النجمة المونديالية الثانية، في مباراة تختصر صراع الأجيال وتبرهن على أن الطفل الذي غُسل ذات يوم في حوض بلاستيكي صغير، كبر لينافس ملهمه على عرش كرة القدم العالمية.


«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.