في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

يحلم بها المثقف العربي ويتظاهر بإدارة الظهر لها ويبالغ في انتقادها

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
TT

في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016

كل الجوائز الأدبية في العالم عرفت نوعًا من الخلاف؛ من «نوبل» التي تشرف عليها الأكاديمية السويدية، إلى جائزة «الطيب صالح»، مرورًا بـ«البوكر العربية»، و«كتارا»، و«ساويرس»، وعشرات الجوائز الأقل أهمية. في الغرب، تأتي المواقف من الجوائز بسِمات بلدانها، وطرق مثقفيها في التعبير عن خلافاتهم التي تعكس تقاليد وثقافات باتت راسخة. بين المثقفين العرب، تكتسب الاتفاقات والخلافات ملامح مجتمعاتهم، وتعبر عن موروثهم وراهنهم أيضًا.
منذ عام 1901 وحتى 1912، عكست اختيارات نوبل، المزاج السياسي للأكاديمية السويدية. ونتج عن ذلك رفض منح جائزة الأدب إلى الروسي ليو تولستوي، والمسرحي النرويجي هنريك ابسون، والروائي الفرنسي إميل زولا، والأميركي الساخر، مارك توين. وكان غياب تعاطف السويد تقليديا، مع روسيا - على ما تردد - سببا في عدم فوز أنطون تشيخوف أيضا. أما تحيز الأكاديمية لبلدها، فقاد إلى منح الجائزة للسويد نفسها، مرّات تفوق مجمل ما منحته لبلدان آسيا كلها، والقول ليس لي.
ولم يمر فوز البوريفي، ماريو فارغاس يوسّا، بـ«نوبل» عام 2010، من دون خلافات سببتها آراؤه السياسية. كما رفضت الأكاديمية السويدية، دعم البريطاني، سلمان رشدي، عام 1989، بعد فتوى الخميني، وأدى ذلك إلى احتجاج أعضاء في الأكاديمية واستقالتهم.
أما بريطانيا، ولديها أكثر من 60 جائزة، فلم تكن جائزتها الأبرز، «مان بوكر»، بعيدة عن الخلافات. فعندما أعلنت القائمة الطويلة العام الحالي، مدحها رئيس لجنة التحكيم، روبرت ماكفيرلين، ووصفها بـ«الأكثر تنوعا»، لوجود سبع نساء فيها، من بين ثلاث عشرة، وتوزعها على سبعة بلدان. وقال إن هذه الشمولية قد تعكس الرغبة في تجنب الخلافات الكثيرة؛ فقد وصفت ذات مرة بالنخبوية، وهي التي يفترض بها أن تمثل خمسين بلدا. وفي عام 1980، تنافس أديبان بريطانيان عملاقان. وأصر أحدهما، وهو أنطوني بيرغيس، الذي رشح عمله Earthy powers، على عدم حضور حفل التتويج، ما لم تضمن له لجنة التحكيم الفوز. لكن حتى حبك مؤامرة لتلبية طلب بيرغيس الغريب، لم يكن ممكنا. فبالإضافة إلى عدم أخلاقيته، فالقرار اتخذ قبل إعلان النتيجة بنصف ساعة فقط، وربح الجائزة منافسه وليم غولدنغ بعمله Rites of passage. وفي عام 1983، لجأت لجنة التحكيم، وعلى رأسها فاي ولدن، إلى التصويت، وانقسمت إلى فريقين: اثنان إلى جانب جي إم كويتزي، وعمله (Life and time of Michael k)، واثنان إلى جانب رواية سلمان رشدي shame، لكن رئيسة لجنة التحكيم، غيّرت رأيها الذي كان إلى جانب رشدي، قبل دقائق من إعلان النتيجة، ومنحته لكويتزي.
وفي عام 2001، أطلقت الكاتبة الاسكوتلندية آي إل كينيدي، كلمات قاسية بحق «المان بوكر». واعتبرتها «كلاما فارغا». لم تتّهم لجنة التحكيم بالفساد، لكنّها قالت ما هو أسوأ: «إن ما تحكّم في اختيار الفائز، هو عقلية: مَنْ يعرف مَن، ومن ينام مع مَن، ومن يبتاع الحشيش لمن، ومن متزوج مِن مَن، ولمن الدور».
ومن أطرف الاعتراضات، ما حدث عام 1993، عندما هددت عضوتان في لجنة التحكيم، بالانسحاب احتجاجًا على ما وصفتاه بإيذاء رواية «Trainspotting» لايرفين ويلش، لمشاعرهما الأنثوية، إذ تضمنت كلاما سوقيا. في عام 2015، سيطر الأميركيون على القائمة الطويلة لـ«المان بوكر». فقد وصل إليها خمسة أميركيين، بينما لم يصل من الإنجليز سوى ثلاثة. ووصل واحد لكل من آيرلندا، ونيجيريا، والهند، ونيولاند، وجامايكا. ووصف الوكيل الأدبي المعروف، ديفيد غودوين، النتيجة بأنها «تراجيديا بالفعل». ووصف آخرون تغيير قانون الجائزة وتوسيعها لتشمل مشاركة دول أخرى ناطقة بالإنجليزية، بـ«الخاطئ الذي من شأنه أن يغير هوية الجائزة».
* البوكرابيا
في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، أعلنت القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»، وأحب أن أسميها «بوكرابيا» (وهذا ليس موقفًا) وبينها روايتي «السيدة من تل أبيب». واندلع جدل إعلامي واسع حول النتائج، اتخذ منحى دراميًا، صبيحة يوم إعلان القائمة القصيرة في بيروت، إذ فتح النهار عينيه على استقالة المصرية عضو لجنة التحكيم، د. شيرين أبو النجا، محتجة على «غياب المعايير النقدية». وقالت، مخالفة تقاليد عمل لجان التحكيم وأمانتها، إنها تعترض على روايتي ربيع جابر «أميركا»، وربعي المدهون «السيدة من تل أبيب». الأولى لأسباب فنيّة، والثانية لأنها «تكرّس صفحات لمديح زعيم عربي راحل». ولم يكن ما أشارت إليه حقيقة، سوى سطور قليلة وردت على لسان بطل روايتي وليد دهمان، عبّرت عن إعجابه بتجمع سكني لافت في بيت لاهيا، في قطاع غزة، ينتصب وسط خراب بشع أحدثته قذائف الدبابات الإسرائيلية. وقد قيل له إنها «مدينة الشيخ زايد، التي بُنِيت بتبرعات من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإسكان أسر شهداء وجرحى ومعوقّين»، وكان واحدًا من أجمل مشاهد الرواية.
ومع فوز «مصائر»، وهي أول رواية فلسطينية تنال الجائزة، اندلعت بين مواقع ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، معارك «حرب وسلام»، اتسمت بالعنف اللفظي الجارح، الذي قابله ترحيب كبير واحتفاء، وكتابات نقدّية ومراجعات موضوعية، لم تخلُ، بالطبع، من ملاحظات تقع في خانة الاختلاف، وتستحق المناقشة.
* هنا بعض العناوين
يكتب ناقد فلسطيني: «المدهون يكتب الرواية الفلسطينية الشاملة، التي أضافت إلى الثلاثي غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، بعدًا جديدًا». فيكتب صحافي مصري: «كيف تكون روائيا فاشلا وتحصل على (البوكر)». ويصف وزير الثقافة، د. إيهاب بسيسو «مصائر»، قبل الفوز، بـ«التجربة الروائية المميزة التي تنحت سردًا خاصًا ومغايرًا حول فلسطين والنكبة»، ويعدّها «رواية ذكية، مغامرة، جريئة، ومحرضة على الأسئلة، ولا تركض خلف الشعار»، ويعتبرها الرئيس محمود عباس، ووزارة الثقافة الفلسطينية، «إنجازًا مهمًا»، ويكرم صاحبه، فتلطم فلسطينية خديها صارخة: «مصائر المدهون.. النكبة ونكبة (البوكر)».
ونقرأ لناقد أدبي وفني مصري: «(مصائر).. رواية العودة إلى فلسطين والبقاء هناك». ويكتب ناقد وروائي فلسطيني: «الطريق أصبحت سالكة للتطبيع». ويكتب فلسطيني: «(مصائر).. رواية تختصر الماضي والحاضر وأمنيات المستقبل». فيكتب مصري: «(مصائر) المدهون وصهينة التّاريخ الفلسطيني».
ونال لجنة التحكيم انتقادات كثيرة. فاتهمت باعتماد معايير سياسية وأخرى إقليمية في اختيار «مصائر». وهي تهمة مزدوجة تتكرر، سنويًا، مع إعلان نتائج كل دورة. الطريف في الأمر، أن أحد «الانتقاديين» السابقين، سرق فقرات كاملة من «الدراسة الأكاديمية» - إياها - لدعم مقاله، ولم يُشِر إلى مصدرها. فيما سرق آخر من مقالين آخرين فقرات كاملة، وحاك مقالاً ثالثًا. ولعب الشعبويون الغوغائيون هؤلاء، على حساسية الفلسطينيين والعرب لموضوع «الهولوكوست» - وهي حساسية مفهومة - واتهموني بـ«المساواة بين نكبة 1948 والهولوكوست»، و«إسقاط حق العودة» (في الرواية جميع الأبطال يعودون، بمن فيهم إيفانا التي توصي بحرق جثتها وإعادة نصف رمادها إلى عكا).
ولم يدرك هؤلاء «الانتقاديون» أنهم يلتقون مع إسرائيل وأنصارها في العالم. فما اعتبره أغلبهم «تطبيعًا»، و«إسقاطًا لحق العودة»، و«تقليلاً من نكبة 1948»، اعتبره نفر من أنصار إسرائيل، شكلاً من أشكال «العداء للسامية»، وكراهية إسرائيل. وشنوا حملة صحافية عنيفة ضدي، خلال مشاركتي في مهرجان برلين للأدب العالمي، عنوانها: «كراهية إسرائيل، وعدم الاعتراف بها، ومساواة النكبة (التي تعني تدمير إسرائيل بمفهومهم) بالهولوكوست».
في استفتاء نشره أحد المواقع الإلكترونية، وفي مقالات نشرتها صحف عربية، صور مدهشة وصادمة أيضًا، لمديح بعض المثقفين العرب للجوائز وكراهيتهم لها أيضًا**:
* في المديح
يقول ناقد فلسطيني، إن البوكر «جاءت بطموح أكثر اتساعًا (من جوائز سبقتها)، اعتمادًا على إمكانات مادية وجهاز إداري ذي خبرة، وارتباطا بجائزة أدبية بريطانية مرموقة. وبدت، في قبول أقرب إلى البداهة، جائزة الرواية العربية الأولى».
ويرى روائي عراقي، أن البوكر «أفادت السرد العربي كثيرًا». بينما تؤكد روائية مصرية، أن الجائزة «تطرح اسم الكتّاب الواصلين بقوة على الساحة العربية، وتساهم في الحراك الإبداعي».
ويشيد أكاديمي وروائي جزائري، بالنكهة المميزة للجوائز، والطعم الخاص للتكريمات. ويعتبر ذلك حقيقة «لا ينكرها من الكتاب إلا كذاب».
ولا يختلف شاعر وروائي سوري مع السابقين حول أهمية الجائزة، «من حيث تأثيرها، وانعكاساتها على الحياة الثقافية والنتاج الإبداعي العربي في مجال الرواية». ويقول روائي مصري إن البوكر «فتحت باب الجوائز بقوة، كما صنعت زخمًا كبيرًا للرواية». أما اللبناني، الذي قدَّم نفسه كـ«روائي ناشئ»، فعدّ البوكر «حلمًا يحلم كل روائي بالحصول عليه، لما في ذلك من قوة دفع»، فالجائزة تقدمه «للانطلاق نحو العالمية».
ويعتقد روائي عراقي آخر، بأنها «أحدثت حراكًا في عالم الرواية العربية، وساهمت في جذب عدد من القراء إلى الرواية، بعد أن اتسعت الهوة بين القارئ والكتاب، وهذا يحسب لها». ويذهب روائي وشاعر فلسطيني، أبعد من الآخرين، حين يعتبر البوكر «لاعبا مهما، وتمتلك دورا مركزيا في تشكيل الوعي والاهتمام بالرواية العربية. وتشكل مرشدا للقراء.. وهي تهيئ فرصة ظهور إعلامي، ومجالا للتسويق والتوزيع (...) قد لا يحظى بها كتاب أمضوا عشرات السنين في الكتابة».
ويرى روائي عراقي ثالث، أن البوكر «لعبت دورا كبيرا في تصدر الفن الروائي المشهد الإبداعي في العالم العربي، وحققت شهرة ونجومية للفائزين بها». ويقول روائي مصري آخر: «إن (البوكر) في غاية الأهمية، إذ إنها تلقي الضوء بقوة على الروايات التي تتضمنها قائمتاها الطويلة والقصيرة، فضلاً عن الرواية الفائزة. ولقد ساهمت في رواج الشكل الروائي من الكتابة الأدبية».
* في الكراهية
يقول الروائي العراقي الأول: إن «البوكر» تعتمد ترشيح الناشر لثلاث روايات، أي أنها تخضع لفهم الناشر المالي للفن الروائي، ومزاجه الشخصي، وعلاقاته الخاصة بالكتاب الروائيين، وحساباته الخاصة بالربح والخسارة. ثم هي تخضع لهيمنة لجان التحكيم ومفاهيمها النقدية الخاصة، التي كثيرًا ما تكون مثيرة للتساؤل والريبة. بينما يرى مسرحي وروائي سعودي، أن كل الجوائز «علاقات عامة ترويجية وتُعطى دون تقييم دقيق». ويرى آخر أن سعي الكثيرين إلى الجوائز، يعود إلى الفرصة التي تقدمها للعمل الفائز بالانتشار والترويج والعالمية.
ويقول: «أحب أن يترشح عملي لجائزة ما وأن يفوز». لكنه يكمل: «غير أنني أفضل غياب الجوائز لصالح (ما سماه) حرية تعبير ونشر غير محدودة». وينتقد الروائي المصري لجان التحكيم، ويقول إن عامل ضعفها الرئيسي هو ضعف لجان التحكيم نفسها. وقدم مثالاً على ذلك، بما ظهر في عام 2013، التي «شارك فيها ناقد عراقي لا يعرف معنى الرواية». ويدعو إلى قراءة الروايات بعدل ونزاهة. ثم ينتقد «المناطقية»، وتوزيع الرواية بين الدول.
ويختتم: «المصيبة ألا تحصد روايات ممتازة ما تستحقه». ويقول روائي سوري: «إن من حق أعضاء لجان التحكيم، الانطلاق من ذائقاتهم الأدبية والاحتكام إليها في خياراتهم. لكن عدم تبرير الاختيار بإقناع (إقناع مَن؟)، أو التبرير بطريقة عشوائية (بتقييم مَن)؟! يسيء إلى الذائقة نفسها، والانطباع الذي يخلفه، هو أنه ينطلق من قراءة انطباعية».. كيف توصل الروائي السوري إلى هذا الاستنتاج؟! أما مواطنته الروائية، فتفتي قائلة إن «آلية اختيار الأعمال الفائزة ليست آلية علمية». ولديها دليل قاطع على ذلك، هو وصول أعمال إلى القائمة القصيرة (يجمع القراء على رداءتها)». ولاحظت خلال بحثي في الموضوع أن نسبة من «مالكي الحقيقة» العارفين بالمحكّمين، القارئين لأفكارهم، المتحسسين لمشاعرهم لم يقرأ الأعمال التي يتحدث عنها. ومن قرأ، صار مصدرًا للقيم والمعايير النقدية وغير النقدية وحارسًا.
هنا نص، لروائي عربي معروف، يختصر كل ما سبق: «أي رواية من الروايات الفائزة بجائزة (البوكر)، لم تكن لتستحق، من وجهة نظري، أن تفوز بجائزة. فرواية (واحة الغروب) جميلة، لكنها أقل من أن تفوز بجائزة. و(عزازيل) عميقة، لكنها رواية هجائية وغير مهذبة تجاه بعض الأفكار (...) و(ترمي بشرر) تتبنى مفهومًا باليًا للفن الروائي (الكشف والتعرية). ورواية (طوق الحمام) منفوخة، ولغتها غير فاعلة ولا تفي بالفكرة بأحسن ما يكون. ورواية (دروز بلغراد) لغتها ضعيفة جدًا، وأخطاؤها في التركيب تغثّ القارئ. أما (ساق البامبو)، و(فرنكشتاين في بغداد)، فهما مثالان واضحان على الرواية التي لا تعي ما تريد أن تقول، وكاتباها مثالان جليان للجيل العربي الذي يكتب من دون أي تصور للرواية. إنه يكتب فقط من دون أن يكون له تصور واضح عما يكتبه. ما كان لهذه الروايات أن تفوز لو أن المحكّمين كانوا على قدر كافٍ من التأهيل لقراءة الرواية».
حقًا، يحتاج إلى 45 محكمًا، كانوا، حتى الدورة الأخيرة لـ«البوكر»، أعضاء لجان تحكيم فيها، بينهم، على الأقل، نقاد معروفون، وأكاديميون، ومحررو صفحات ثقافية، وشعراء، وأساتذة جامعة، إلى دورات تأهيل وتدريب، يشرف عليها «الانتقاديون».
واستنتج: «مقابل عقلانية الانتقادات في الغرب، التي يضبطها قانون ينزل عقوبات ويفرض غرامات، على التطاول والذم والشتم والتشهير، تركض في شوارع العرب الثقافية، فوضى أخلاقية لا يضبطها قانون، تسمح بشخصنة الأمور، و(دعوشتها)، واستباحة السمعة والمكانة، خصوصًا في المواقع الإلكترونية المنتشرة مثل العشوائيات، وفي ظل (ديمقراطية) صفحات التواصل الاجتماعي».
الكتّاب بشر، ولجان التحكيم بشر، لهم أهواؤهم وميولهم وذائقاتهم المختلفة، وسلبياتهم، وكذلك النقاد والحركة النقدية، والقراء أيضًا. لا عدالة مطلقة، ولا لجان تحكيم من جنس الملائكة. لكن شيئًا من العقلانية مطلوب، لتجاوز الانتقادات والملاحظات التي لا يخلو بعضها من صحة. ومع ذلك، أقول إن المرشحين الستة لـ«البوكر» عام 2010، استقبلوا النتيجة بشكل عادي، ورحبوا بالفائز في حينها، عبده خال عن روايته «ترمي بشرر». بينما نشأت صداقة مدهشة بين المرشحين الستة هذا العام، جورج يرق، وطارق بكاري، ومحمد ربيع، ومحمود شقير، وشهلا العجيلي، وربعي المدهون، وكل منهم تمنى الفوز للآخر بصدق. والتقيت رئيس الأمانة العامة د. ياسر سليمان، ورئيسة لجنة التحكيم، الدكتورة أمينة ذيبان وبقية أعضاء اللجنة، فرادى، صبيحة يوم إعلان النتيجة، وقد حافظوا جميعهم على سرية قرار اللجنة، الذي تبين، بعد ذلك، أنهم اتخذوه بالإجماع. حقًا، إن ما يجري داخل لجان الجائزة، بعيد تماما جدا عما يجري خارجها. وما تخطئه في اختيارها أدنى من مستوى جرائم بعض المثقفين وأقل تأثيرًا. في مقال له في «الجزيرة. نت»، كتب الروائي السوداني، أمير تاج السر: «(البوكر) حبيبة الجميع وجائزة الجميع المفضلة، وحتى من ينتقدها في العام الذي لا تدخل فيه رواية له في القوائم، يأتي ويمتدح سلالتها كلها حين يدخل عمل آخر له في دورة ثانية». أنا أتمسك بما كتبه أمير.
* المقال اعتمد على نص محاضرة أُلقِيَت في مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في المنامة بالبحرين في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2016



الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.


الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة
TT

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي منذ الاستقلال، ووثّق في أعماله الأدبية التحولات الاجتماعية والثقافية، وما رافقها من صراعات بين الموروث والحداثة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وبعد مسيرة إبداعية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، ظل خلالها منشغلاً بأسئلة الإنسان والمجتمع وتحولاتهما، يتمسك صاحب «الطيبون»، و«رفقة السلاح والقمر»، و«الريح الشتوية»، و«بدر زمانه»، و«برج السعود»، و«درب السلطان»، و«طوق اليمام» بأولوية الفن، ويرفض وضع الرواية المغربية في موقع التابع للرواية المشرقية أو الغربية، مؤكداً أنها جزء من الإبداع الروائي العربي والعالمي، ولها خصوصيتها التي تستمدها من بيئتها وتجارب كتابها. وهنا نص الحوار معه:

* أنت من الجيل الذي أسهم في تأسيس الرواية المغربية الحديثة؛ بعد أكثر من ستة عقود من التجربة الإبداعية، كيف تقرأ التحولات التي شهدتها الرواية المغربية؟

- في تصوري أن الرواية لا ينبغي أن تهدف إلى أن تكون على مثال رواية بلد آخر. من الناحية التاريخية، من الواضح أن الرواية العربية وليدة الرواية الغربية الحديثة، وقد عُرفت في المشرق قبل المغرب، حيث يمكن الحديث عن خمسينات القرن الماضي بوصفها مرحلة من البدايات. ففي فترة الاستعمار وبداية الاستقلال كان عدد الكتاب محدوداً، وكانت نسبة الأمية مرتفعة.

ومن الطبيعي أن يتأثر الروائيون بما يقرأونه، وأن يتأثر الكتاب المغاربة بالرواية المشرقية، خصوصاً المكتوبة بالعربية. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية المشرقية معياراً نقيس به الرواية المغربية، أو أن ننظر إلى تاريخ الرواية باعتباره انتقالاً من أعمال ناقصة إلى أعمال مكتملة.

الرواية إما أن تكون رواية أو لا تكون. وحين نتحدث عنها بوصفها فناً، فإننا نتحدث عن عمل تتوفر فيه مقتضيات هذا الفن وشروطه. والأمر يشبه الفن التشكيلي، فإما أن نكون أمام لوحة فنية أو لا نكون.

والرواية المغربية، بوصفها رواية قائمة بذاتها، لها صلات بالرواية المشرقية، لكن لها يضاً علاقة بالرواية الغربية والعالمية، سواء عبر القراءة بلغاتها الأصلية أو من خلال الترجمة. لكن لا ينبغي أن نحاكمها بمقارنتها بهذه الروايات، أو أن نسأل إن كانت قد بلغت مستواها. فتلك رواية وهذه رواية، وكلها تنتمي إلى عالم الفن الروائي.

* ماذا عن الخصوصية؟ هل استطاعت الرواية المغربية أن تؤسس هويتها وخصوصيتها بعيداً عن تأثير النماذج المشرقية والغربية؟

- بشأن الخصوصية، الرواية المغربية لها مظهران. الأول يتعلق بالموضوعات التي تعبر عن البيئة المحلية من حيث الموضوعات، والثاني يتعلق بالكيفية الفنية التي يعالج بها الروائي تلك الموضوعات. فالرواية ليست مجرد موضوع أو حكاية عن مجتمع معين، وإنما هي الشكل الفني الذي تتحول به تلك الحكاية إلى عمل روائي.

ومن هذه الناحية، تمتلك الرواية المغربية خصوصيتها، سواء في تعبيرها عن البيئة المغربية أو في بعض مظاهر التجديد والتجريب. لكنها تظل جزءاً من الرواية العربية وهي جزء من الرواية العالمية، ولا ينبغي أن ننظر إليها من خلال معيار يجعل رواية بلد ما نموذجاً للحكم على غيرها.

الاستعمار والاستقلال.. والتجربة الروائية

* عاصرت مرحلة الاستعمار والاستقلال وما رافقهما من تحولات سياسية واجتماعية. كيف انعكست هذه التجارب على مشروعك الروائي؟

- السؤال عن كيفية انعكاس الأحداث في العمل الروائي هو، من جهة، شأن المتلقي أو القارئ أو الناقد، ومن جهة أخرى يرتبط بالموضوعات التي يتناولها الكاتب.

وأستطيع القول إن تلك الأحداث انعكست على بعض أعمالي. فقد عشت مرحلة مقاومة الاستعمار، وعانيت منها شخصياً وعائلياً، وكان بين زملائي في الدراسة من استشهدوا وهم يحملون السلاح في المقاومة.

وقد تأثرت بهذه المرحلة بطبيعة الحال، خصوصاً أن الأمر وصل إلى نفي الأسرة الملكية. فلم يكن حدثاً بسيطاً، بل كان تحولاً هزّ البلاد كلها.

* هل كانت الرواية المغربية شاهدة على تلك التحولات، أم أسهمت في صناعتها؟

- صانعة لها؟ لا. لا أعتقد أن الرواية تصنع التحولات الاجتماعية أو السياسية. قد يأتي من يقرأ الرواية ويؤولها، ويحاول تحويل ما تتضمنه إلى تطبيق عملي، لكن هذا شأنه وفهمه هو.

أما الرواية فهي فنية قبل كل شيء، ولا تهدف إلا إلى جماليتها. وحتى عندما تسجل موقفاً اجتماعياً أو وطنياً أو سياسياً، فإن جوهرها يظل في جماليتها الفنية، لا أكثر.

* في أعمالك من رواية «الطيبون» إلى «الريح الشتوية» و«درب السلطان» و«غرب المتوسط»، ظل المجتمع المغربي حاضراً بتحولاته وصراعاته في أعمالك. ما القضية التي ظلت تشغلك طوال هذه المسيرة، وما الذي تغيّر في نظرتك في الإنسان والمجتمع؟

- يمكن اعتبار هذه الأعمال تعبيراً عن انعكاسات الواقع المجتمعي، وعن الواقع الفني في الرواية بصفة خاصة. لكن ما أريد التأكيد عليه أن التحولات المجتمعية، بوصفها مادة ملهمة، قد تثيرني أنا ولا تثير غيري، بينما تستوقف كاتباً آخر أحداث لا تستوقفني.

فالمنظور الذي ينظر به الروائي إلى الإنسان في لحظة معينة، أو إلى موقف أو مشهد، هو الذي يحدد فنية الرواية.

أما نظرتي إلى الإنسان، فهو الإنسان في عظمته العليا، حين يرتقي إلى أعلى درجات الخير والنبل، وهو أيضاً الإنسان في حضيضه، حين يكون خسيساً وتصدر عنه كل أنواع الخسائس.

ومن القمة إلى الحضيض، يظل دائماً إنساناً. والروائي يختار اللحظة، أو تفرض عليه اللحظة نفسها، التي يقتنص فيها الإنسان عند مستوى من هذه المستويات.

علم النفس والمخيلة الأدبية

* أنت روائي وأكاديمي متخصص في علم النفس. أيهما أقدر على فهم الإنسان والكشف عن دوافعه وصراعاته، المعرفة العلمية أم المخيلة الأدبية؟ وإلى أي مدى استفدت من دراستك لعلم النفس في كتابة الرواية؟

- علم النفس، كغيره من العلوم الإنسانية، يتيح فرصة لفهم الإنسان. لكن في علاقتي بكتابة الرواية، لا يكفي علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الأدب العربي أو الأجنبي لتأهيل الإنسان لكتابة الرواية، إذا لم تكن لديه المؤهلات والاستعداد الشخصي.

يمكن أن يكتب الرواية من لم يدرس علم النفس أو علم الاجتماع أكاديمياً. بل إن علم النفس نفسه موجود في الأدب.

يكفي أن نتذكر كيف استفاد فرويد من الأدب والأساطير اليونانية، وخصوصاً أسطورة أوديب، في تطوير بعض مفاهيم التحليل النفسي. فالأدب كان مصدراً من مصادر فهم النفس الإنسانية.

وكذلك حين نقرأ القصائد في الأدب الجاهلي، نستطيع أن نحللها نفسياً، وأن نجد فيها معرفة بالنفس ودوافعها وانفعالاتها. هذا ما يمكن تسميته علم النفس الفطري أو الطبيعي أو العفوي، في مقابل علم النفس الأكاديمي الذي يقوم على المنهج والتقنين والدراسة الميدانية.

لكن دراسة علم النفس لا تؤهل وحدها لكتابة الرواية، بدليل أن أطباء ومهندسين وشعراء كتبوا روايات.

نعم، تفيد المعرفة النفسية الروائي في جانب مهم، وهو فهم الشخصيات وتجنب بعض التناقضات في بنائها. فعندما يصف شخصية تعاني الاكتئاب، مثلاً، تساعده معرفته العلمية على ألا يقدم صفات تتعارض مع طبيعة هذه الحالة، بينما قد يقع في مثل هذا الخطأ من لا يعرف علم النفس الأكاديمي.

لكن حتى هذا الخطأ قد يكون مقبولاً فنياً، لأن الروائي لا يكتب كتاباً علمياً، وإنما يكتب عملاً أدبياً. فالعلم بالنسبة إليه خلفية ثقافية ومعرفية، وليس مجموعة من القواعد الملزمة في بناء الشخصيات.

وحتى إذا قال الأكاديمي إن مواصفات شخصية روائية لا تتفق مع المعطيات العلمية، فإن الكاتب يظل حراً في ابتكار شخصياته وتشكيلها وفق مقتضيات العمل الفني.

الحرية وتحولات المجتمع

* ارتبط الأدب المغربي في مراحل من تاريخه بأسئلة الحرية والسلطة والعدالة الاجتماعية. هل أصبحت الرواية المغربية اليوم أكثر جرأة في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنها باتت أكثر انشغالاً بالتجريب الفني والهموم الفردية؟

- صحيح أن المشاغل اليومية تغيرت، وأن التحولات الرقمية ووسائل الاتصال أصبحت تستحوذ على اهتمام الإنسان، بما في ذلك الكاتب. وهذه الظواهر تفرض حضورها، وقد تصبح جاذبة وملهمة للكتابة الروائية.

لكن ذلك لا يعني أن قضايا الحرية والكرامة وسائر القيم التي تقوم عليها الإنسانية قد غابت عن الرواية أو عن اهتمام الروائيين. هذه قضايا إنسانية لا تنمحي ولا تزول، سواء عالجها الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وإنما تختلف قدرات الكتاب وإمكاناتهم وتقنياتهم في التعبير عنها.

* هل نجحت الرواية المغربية في التعبير عن التحولات التي شهدها المجتمع؟

- لا نستطيع أن نصدر حكماً عاماً على الرواية بهذه الطريقة. يمكن أن نأخذ عملاً معيناً ونقول إنه عبّر عن ظاهرة اجتماعية أو سياسية، لكن هذا الحكم يتعلق بموضوع الرواية ومحتواها، وليس بالضرورة بقيمتها الفنية.

فإذا كنا أمام مقال أو دراسة، نستطيع أن نقول إنهما نجحا في تحليل وضعية معينة. أما الرواية فهي أكثر من ذلك. وكثيراً ما يتركز الحديث عن الرواية، بل وعن الشعر أيضاً، على الموضوعات والمضامين، بينما الفنية الشعرية أو الفنية الروائية تكمن في الشكل الذي يعبّر به الكاتب عن هذا المضمون. وهذا هو العنصر الأهم بالنسبة إليّ.

الهوية المغربية وتعدد الروافد

* يتميز المغرب بتعدد روافده الثقافية واللغوية، العربية، والأمازيغية، والأفريقية، والأندلسية. هل استطاع هذا التنوع أن ينتج هوية أدبية مغربية جامعة؟

- إذا انطلقنا من هذه الروافد باعتبارها مكونات جوهرية في الشخصية المغربية، فينبغي أن نضيف إليها الرافد العالمي. فالمغرب، بحكم موقعه وتاريخه، عرف منذ القدم اختلاط الثقافات والجماعات البشرية، والعالم اليوم أكثر انفتاحاً وتداخلاً. هذه الروافد أسهمت في تكوين الإنسان المغربي، ومن الطبيعي أن يظهر أثرها فيما ينتجه من أدب وفكر وفن.

وهناك خصائص تاريخية واجتماعية وسياسية تميز المغرب، مثل عراقة المؤسسة الملكية وتجذر المذهب المالكي، والحضور التاريخي لليهودية المغربية، وغياب الكيان المسيحي مثلاً. وهذه كلها عناصر تدخل في تكوين المجتمع وشخصيته. والإنسان يتأثر بهذه المكونات من دون أن يشعر بالضرورة، لأنها أصبحت جزءاً من تكوينه.

فلو سألتني عن العنصر الأندلسي أو العبري أو الإيبيري في شخصيتي أو في رواياتي، فلن يكون من السهل تحديده بصورة منفصلة. أنا أكتب باللغة العربية، وفكري يتشكل داخل قوالبها وبيانها وبلاغتها. واللغة عنصر مهم جداً في تكوين الإنسان وتفكيره. وإذا كانت هناك مؤثرات أندلسية أو عبرية أو إيبيرية أو عالمية، فإنها تدخل في هذا التكوين وتتفاعل داخله.

لكن هناك مكوناً آخر كثيراً ما نغفل عنه عند الحديث عن الهوية، وهو المستقبل. فالإنسان ليس نتاج ماضيه وحده، وإنما يتشكل أيضاً من نظرته إلى المستقبل، ومن الأشياء التي يريد تحقيقها. المستقبل، بهذا المعنى، عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية.

* كيف تنظر إلى العلاقة بين الأدب المغربي المكتوب بالعربية ونظيره المكتوب بالفرنسية والأمازيغية؟

- الأدب المكتوب بالأمازيغية لا أعرفه إلا من خلال ما أقرأ عنه، لأنني لا أقرأ الأمازيغية، وأتأسف لذلك. وقد قلت سابقاً إنه لو كتبت الأمازيغية بالحرف العربي لكان تعلمها أيسر بالنسبة إلينا. لكن الأمازيغية اليوم لغة وطنية ورسمية، وتكتب بحرف تيفيناغ، وهذا هو الواقع.

أما الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، فإنني أقرأها وأتفاعل معها، وكذلك الرواية المكتوبة بالعربية. وفي النهاية، نحن أمام أدب مغربي تتعدد لغات التعبير عنه، سواء كانت العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية.

ولا أستطيع الحكم على القيمة الفنية للرواية المكتوبة بالأمازيغية من دون قراءة نصوصها، لكن الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية بلغت مستوى فنياً رفيعاً.

وهناك عامل آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن الكتابة بالفرنسية تتيح فرصاً للانتشار، لأن هذه اللغة تمتلك مؤسسات تدعم انتشارها وثقافتها مادياً ومعنوياً. وهذا الدعم لا يتوفر بالدرجة نفسها للأدب المكتوب بالعربية. أما الكتابة بالإنجليزية، مثلاً، فتتيح فرصاً أوسع للوصول إلى القراء.

إذن، هناك فرق بين القيمة الفنية للعمل الأدبي، وبين الظروف اللغوية والمؤسساتية التي تساعد على انتشاره.

الرواية المغربية في المشرق

* على ذكر الانتشار، كيف تقيم حضور الرواية المغربية في المشهد الأدبي العربي؟ وهل تحظى بالانتشار الذي تستحقه؟

- حضورها ليس مرضياً ولا كافياً، ولا يوازي حضور الرواية المشرقية في المغرب.

ويمكن ملاحظة ذلك في الدراسات الجامعية والبحوث والحوارات الثقافية المغربية، حيث نجد أن النصيب الأكبر منها يتناول الرواية المشرقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن المسألة تتجاوز ذلك إلى صناعة النشر نفسها. فأكبر دور النشر العربية توجد في المشرق، وتمتلك إمكانات وشبكات توزيع تساعدها على إيصال إنتاجها إلى البلدان العربية.

وفي المقابل، لا تتوفر في المغرب، حتى الآن، دور نشر تمتلك القوة والكثافة نفسيهما لإيصال الكتاب المغربي إلى القارئ المشرقي. لذلك يمكن القول إن الرواية المغربية، والأدب المغربي عموماً، معروفان لدى النخب الأكاديمية والثقافية، وخصوصاً الباحثين والمشاركين في المؤتمرات والندوات، لكنهما لا يتمتعان بالحضور نفسه لدى جمهور القراء. وهناك نقص في وصول الأدب المغربي إلى القارئ العربي خارج الدوائر المتخصصة.

المثقف العربي وتراجع الدور السياسي

* يثار اليوم سؤال عن تراجع دور المثقف العربي لمصلحة السياسي والإعلامي. هل فقد المثقف مكانته بوصفه منتجاً للأفكار وناقداً للسلطة والمجتمع، أم أن طبيعة دوره تغيرت؟

- هناك تحولات كبيرة شهدها العالم العربي خلال ربع القرن الأخير، بل خلال نصف القرن الماضي، على المستويات الاجتماعية، والتكنولوجية، والفكرية، والعالمية. والمثقف جزء من هذه التحولات، ومن الطبيعي أن تتغير نظرته إلى العالم والقضايا التي تشغله.

فالقضايا التي كانت تستحوذ على اهتمام المثقفين، مثل الاشتراكية والقومية، تغير موقعها، وأصبح تفكير المثقف اليوم أكثر اتصالاً بالقضايا العالمية. وهذا ليس أمراً سلبياً.

أما إذا كان السؤال هو: هل فقد المثقف دوره؟ فأعتقد أنه لم يفقده. لكن ينبغي أن نميّز بين الإنتاج الثقافي ودور المثقف بوصفه فاعلاً ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. فالكاتب حين يكتب عملاً أدبياً يمارس فعلاً إبداعياً، أما حين يشارك في التغيير السياسي أو الاجتماعي، فإنه يمارس دوراً آخر، لا ينبغي الخلط بينه وبين وظيفته الأدبية. وقد تدخلت عوامل محلية وعالمية كثيرة أسهمت في تقلص هذا الدور السياسي والاجتماعي، لكن الدور الثقافي ما زال مستمراً، وهو الأساس والجوهر.

الجوائز الأدبية ومعايير الجودة

* نشهد اليوم توسعاً في إصدار الروايات العربية وانتشاراً للجوائز الأدبية. هل يعكس ذلك ازدهاراً إبداعياً حقيقياً، أم أننا أمام زيادة في الإنتاج لا تواكبها بالضرورة جودة فنية؟

- ينبغي التمييز بين كثرة النشر وجودة الإنتاج. قبل نصف قرن، كان صدور كتاب حدثاً بحد ذاته، لأن عملية الكتابة والطباعة والنشر كانت تمر بمراحل عديدة، وكانت تتطلب إمكانات وجهداً ووقتاً. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب كتاباً ويطبعه وينشره خلال وقت قصير. وهذه السهولة تتيح انتشار الكتابة، لكنها لا تعني بالضرورة ارتفاع مستواها الفني. ومع ذلك، لا يجوز أن نتخذ من كثرة المنشورات ذريعة للحكم بأن كل ما ينتج اليوم رديء أو بلا قيمة. هناك أعمال متميزة بالتأكيد، لكن الجودة تظل خاضعة لمعايير فنية، من بينها الجمالية والابتكار والتميز. ولا بد أن تخضع هذه الوفرة لعملية فرز نقدي تكشف الأعمال التي تستحق البقاء.

* ماذا عن الجوائز الأدبية؟ هل أصبحت معياراً للجودة والتميز؟

- أرى أن انتشار الجوائز الأدبية ظاهرة إيجابية في حد ذاته، ولا أعتبرها أمراً سلبياً. لكن ينبغي أن تبقى في حدود وظيفتها. فالجوائز، منذ وجودها، لم تكن دائماً تعبيراً عن الجودة الفنية، وليس كل عمل يفوز بجائزة هو بالضرورة أفضل الأعمال. فهناك لجان تحكيم، ولكل لجنة رؤيتها ومعاييرها، كما أن للجوائز أهدافاً وشروطاً قد تؤثر في نتائجها، وهذه ليست كلها عوامل موضوعية. وفي المقابل، هناك كتاب لا يتقدمون إلى الجوائز، أو لا يهتمون بها، أو لا تتوافق أعمالهم مع شروطها، وقد تكون أعمالهم أكثر تميزاً من الأعمال الفائزة. إذن، الجوائز مؤسسات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها ليست المعيار النهائي للحكم على القيمة الأدبية.

الأجيال الجديدة والتجريب الروائي

* كيف تنظر إلى الأجيال الجديدة من الروائيين المغاربة؟ وهل تعتقد أنهم أضافوا شيئاً إلى التجربة الروائية المغربية؟

- أقرأ أعمال الكتاب الشباب بطبيعة الحال، لكنني لا أحب أن أدخل في قضايا التقييم بوصفـي ناقداً محترفاً. أقرأ بوصفـي قارئاً يتفاعل مع العمل، وتستوقفني جمالياته وطريقة بنائه وزاوية النظر التي يقدمها. هناك إمكانات جيدة جداً لدى الكتاب الشباب في المغرب، وأعتقد أنهم يقدمون إضافات إلى التجربة الروائية.

* هل أضافوا شيئاً جديداً للتجربة الروائية المغربية؟

- هذه الإضافات تظل في معظمها اجتهادات فردية، ولا أرى ضرورة لأن تتبلور في مدرسة روائية واحدة. ولكل كاتب شخصيته ورؤيته وطريقته في الكتابة، وهذا التنوع هو ما يساعد على تطور الرواية. لسنا بحاجة إلى نموذج محدد يلتزم به الجميع، أو إلى قواعد تجعل الكاتب يسير على خطى غيره. تطور الفن يتحقق من خلال التجارب الفردية والابتكار، وليس من خلال إخضاع الكتابة لقالب واحد.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرواية

* مع صعود الذكاء الاصطناعي وتحولات النشر والقراءة، هل تخشى أن تتراجع مكانة الرواية والكاتب، أم أن هذه التقنيات ستفتح آفاقاً جديدة للإبداع؟

- يمكن أن نقول إننا نخشى الكثير، ولا نخشى شيئاً في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب رواية في دقيقة، إذا طلبت منه ذلك وحددت له المواصفات التي تريدها. ويمكنه أيضاً أن يكتب قصيدة أو نصاً أدبياً. وهذا أمر يثير القلق بطبيعة الحال، لكنه لا يلغي حقيقة أن الإنسان هو الذي صنع هذه الآلة، وهو الذي يتحكم فيها ويوجهها. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية في المجال الأدبي، لكنه يستطيع أيضاً أن يقدم خدمات للكاتب. فالروائي لا يقرأ الروايات وحدها، بل هو قارئ لما يؤدي إلى كتابة الرواية، فهو يحتاج إلى الاطلاع على التاريخ والسياسة، والاجتماع، والمعاجم، والصحف، والأرشيف. إذا أراد أن يكتب رواية عن حرب معينة، مثلاً، فعليه أن يقرأ ما يتعلق بتلك الحرب من مصادر تاريخية وسياسية واجتماعية، حتى يستطيع بناء عالمه الروائي. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعده في الوصول إلى المعلومات والمراجع، وأن يؤدي دوراً يشبه الموسوعة.

لا الماضي ولا التراث وحدهما... المستقبل عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية

الروائي المغربي مبارك ربيع

مشروع روائي لم يكتمل

* سؤالي الأخير: بعد هذه المسيرة الطويلة في الرواية والبحث الأكاديمي؛ ما الذي لم تقله بعد؟ وما الأسئلة التي لا تزال تشغلك عن الإنسان والمجتمع والحرية؟

- ينبغي أن نميز بين ما لم أقله، وبين الأسئلة التي لا أزال أبحث عن إجابات لها.

فالإنسان موضوع لا حدود للبحث فيه، ولن يتوقف البحث فيه. والمجتمع في تحول مستمر لا نهاية له، وما كنا ننظر إليه بطريقة معينة قبل خمسين عاماً، ننظر إليه اليوم بطريقة مختلفة، وقد ننظر إليه بعد خمسين عاماً من زاوية أخرى. ولهذا لا أعتقد أن الفن الروائي، أو الفن عموماً، يمكن أن يصل إلى نهاية في تعامله مع الإنسان وتحولاته. فالفنان نفسه جزء من هذا العالم المتغير، وتتغير رؤيته تبعاً لتجاربه وللظروف التي يعيشها.

* وما الذي لم تقله بعد... هل هناك مشروع روائي ما زلت تطمح إلى إنجازه؟

- هناك الكثير مما لم أقله. فالكاتب أو الفنان بصفة عامة، حين يحقق مستوى معيناً، لا يتوقف عنده، بل يظل يتطلع إلى مستوى آخر. وقد يكون هذا المستوى الذي يسعى إليه محدداً أو متخيلاً، لكنه يظل حافزاً للاستمرار. وأستطيع أن أعترف بأن لدي موضوعاً معيناً يشغلني منذ سنوات، وأشعر حتى الآن بالعجز عن كتابته، وهذا شيء شخصي ولا أريد أن اكشف عنه، فهو أمر معقّد وأريد أن أعبِّر عنه روائياً، فأنا لا أتحدث عادة عن أعمالي، سواء التي كتبتها أو التي لم أكتبها، بل لا أعلن حتى عناوينها قبل صدورها. لكنني أستطيع القول إن هذا الموضوع يراودني بإلحاح منذ سنوات، وأتمنى أن أستطيع إنجازه، وأشعر أنه يتطلب إمكانات فنية وسردية لا أمتلكها حتى الآن، أو لم أتمكن من الوصول إليها بالصورة التي أريدها، ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست استثناءً، وأعتقد أن كل فنان لديه مستوى يطمح إلى بلوغه، وعمل لم ينجزه بعد، لأن التجربة الإبداعية لا تقف عند حد معين.


سلطة الذائقة

سلطة الذائقة
TT

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز.

فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز.

بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار.

ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية.

مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة. لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه.

ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل.

وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها، فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد، ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ، ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة.

أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار.

ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة، حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه.

كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟ فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية

* كاتب سعودي